أصبح تقنين الأحكام الفقهية في حكم الضرورة القصوى في هذا العصر، بل سيكون من الصعب أن نفتح أبوابنا مع الخارج اقتصاديًا، بينما لا تزال الشفوية والاجتهاد الشخصي تحكم في قاعات القضاء، وهي ما يعني أننا في سباق مع الزمن من أجل تجاوز مرحلة في غاية الأهمية..

لا توجد ممانعة مطلقة من الفقهاء ضد التقنين، وحسب بحث متمكن أجراه الأستاذ الدكتور عبدالرحمن الجرعي فإن جمهور الفقهاء المعاصرين، ومنهم بعض أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية أجازوا التقنين، كما أجازه الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا والشيخ أحمد شاكر والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ مصطفى الزرقا والشيخ علي الطنطاوي، والدكتور وهبة الزحيلي.

كذلك ما فكر فيه الملك عبد العزيز -رحمه الله- من وضع مجلة للأحكام الشرعية، يعهد فيها إلى لجنة من خيار علماء المسلمين الاختصاصين باستنباط الأحكام الشرعية من كتب المذاهب الأربعة المعتبرة على غرار مجلة الأحكام العدلية..

من خلال هذا المواقف الإيجابية المتوالية والمجيزة لفكرة التقنين، صدر في عام 2012، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، قرار بإجازة التدوين نظرًا لأهميته في إعانة القضاء والقضاة على إصدار الأحكام الشرعية، ومعرفة الحقوق والواجبات في التقاضي، والقضاء على الاجتهادات وتفاوت الأحكام بين القضاة. هذا التوجه سيدعم وجود مرجعية علمية ومركز متخصص يُعنى ويهتم بالدراسات المتعلقة بتدوين وتقنين الأحكام الشرعية.

ربما لأسباب بيروقراطية أو لعلها موضوعية، لم ير المشروع النور بعد، برغم من حاجة البلاد الماسة له، ولا سيما أننا في مفترق طرق في المسيرة التنموية والاقتصادية، فالخروج من الاقتصاد الريعي يتوجب أيضًا تطورًا ملحوظًا في المسألة الفقهية، كذلك المجتمع في مجمله انتقل إلى مرحلة أكثر تطورًا، فمهنة المحاماة لم تعد تعتمد على الوكلاء الشرعيين فقط كما في السابق، ولكن توجد نسبة عالية منهم تخرجوا من كليات متخصصة في القانون خارجيًا وداخليًا، وهو ما يتطلب توحيد مفردات القانون.

تقنين الأحكام الفقيهة سيقلل من الفجوة الحضارية بين المعاصرين في فهم القانون الذين تلقوا تعليمهم في كليات الشريعة وأصول الدين، وبين الذين تلقوها في جامعات متخصصة في فلسفة القانون حسب الفهم المعاصر، وهي مرحلة ستأخذ زمنًا طويلاً من أجل الوصول إلى لغة مشتركة في القانون والأحكام بين الممارسين والمستفيدين، وتتطلب جهدًا مضاعفًا من الجميع، وإن تبدأ متأخرًا خير من ألا تبدأ أبدًا.

من الأهمية القصوى أن ندرك أننا نعيش في عالم متطور، وأن العالم الحديث ينطلق بسرعة الريح نحو المستقبل، وإذا لم نواكب هذا التطور سنتحول إلى رمز في متحف عالم التطور البشري، وهذا ينطبق على مختلف المجالات، فالعالم تحول إلى قرية صغيرة في عالم الاتصالات الحديث، وتعيش تحت أنظار سكانها من مختلف الزوايا، وأي ممانعة ضد هذا المنظور تعني حراكًا ضد التاريخ.

هذه الرؤية تنطبق على مختلف الاتجاهات، فالأمر لم يعد يحتمل التأخير، فالمنطق والأرقام تقول إننا نعيش في الماضي، وعلينا التحرك سريعًا في اتجاه الطريق السريع نحو المستقبل، والحوار حول هذا الموضوع لا يعني على الإطلاق جدلاً سفسطائيًا أو مشاكسة على الهامش، لكنه طرح في صلب الرؤية الوطنية لعام 2030، فالعالم ينتظر أن نلتحق به قبل أن يبتعد عنّا أكثر.

لهذه الأسباب تعد مرحلة تقنين الأحكام الفقهية أو تحويل المقاصد الشرعية في الإسلام إلى قوانين وأنظمة أمرًا في غاية الأهمية، وما يحدث الآن من تفاوت في أحكام بعض الفقهاء في مسائل متشابهة يحتاج إلى مراجعة من وجهة نظر عامية، فما بالك بمواقف النخب والقانونيين في المجتمع، ولعلني أحد الذين يؤمنون بشدة أن السلطة يجب أن تسبق المجتمع، وأن تكون دومًا في مقدمة القافلة، والعكس لا يصح إطلاقًا، والله ولي التوفيق.
 

*نقلا عن "الجزيرة" السعودية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.