شعرت بالارتياح في آخر زياراتي إلى سوق الاتصالات، فقدت وجدت أبناء الوطن يعملون في مختلف الخدمات في هذا القطاع المهم، وكانت مدعاة سروري أنني قبل التوطين كنت متخوفًا من فشل التجربة..

فقد تعرض أبناء الوطن لتكسير مجاديف إن صح التعبير لعقود طويلة، وذلك بسبب التردد في تنفيذ قرارات التوطين السابقة في قطاعات أخري، لكن جهة التنفيذ لتوطين قطاع سوق الاتصالات كانت عازمة على المضي في الطريق والإصرار على نجاح التجربة، وكانت بالفعل ناجحة، وتثبت أن الوطن واقتصاده لا يمكن أن يتطور وينمو إلا بسواعد أبنائه.

في قطاع الصحة كان التجربة مختلفة، وناجحة منذ البدء، فقد كان اختيار القيادات التنفيذية ناجحًا للغاية في هذا القطاع، وهو ما فتح الباب لسلسلة متلاحقة من النجاحات المتواصلة بدءًا من الابتعاث وبرامج التدريب ثم الاستفادة من الكوادر الطبية التي عادت من أمريكا الشمالية، ومن يزور الآن مختلف قطاعات الصحة المتخصصة وغيرها سيدرك معنى نجاح برامج التوطين في قطاع الصحة، فالكوادر السعودية من مختلف المهن والتخصصات تقود المجال الطبي بتفوق ونجاح منقطع النظير.

خلال السنوات الماضية كنت أراقب تطور التحاق الكوادر الوطنية في مختلف المهن الصحية، وكنت أشعر بصعوبة توطين مهنة مثل التمريض، لكن المفاجأة أنهم بمجرد أن فُتح الباب لأبنائنا وبناتنا بدأت مسيرة ناجحة في قطاع حيوي ومهم، وكنت شاهدًا على نبوغ السعوديين والسعوديات في هذه المهنة الشاقة، التي يواجه الالتحاق بها ضغطًا اجتماعيًا هائلاً..

فقد كانت الأصوات التي تهاجم الاختلاط في هذا القطاع ترفع محاذير الفساد والتحرش والانحلال، لكن التجربة العملية أثبتت عكس ذلك، فكنت أحد شهود تطور بيئة عمل نموذجية مثل بقية العالم، فالإنسان المتعلم والعامل يكون دومًا على قدر عالٍ من المسؤولية والاحترام المتبادل..

ما قد يخفي على البعض أهمية دور الحياة العملية في إعادة تأهيل الأخلاق في المجتمع، فالحرص على سجل الإنسان الأخلاقي والشرفي غاية في سوق العمل، وتحلي الإنسان بالأخلاق ونبل التعامل في محيط عمله يزيد من احترامه لذاته، ويضيف إلى سجله العملي المتقن تقدير الآخرين له.

برامج التوطين في القطاعات الأخرى مطلب وطني، وسيكون لها أثر كبير في عوامل الاستقرار والأمن وأيضًا في متانة الاقتصاد في الوطن، فكمية الأموال التي تخرج من البلاد هائلة، وأبناء الوطن أحق بها، بعدما أثبتوا أنهم قادرون على النجاح في مختلف القطاعات..

لفت نظري مؤخرًا حصول عدد غير قليل من السعوديين والسعوديات على وظائف في مراكز علمية مرموقة في الولايات المتحدة، وهو ما يعني تجاوز الكادر الوطني عقدة عدم التأهيل، ويعود هذا التميز والاختراق إلى قرارات الدولة وتوقيتها الزمني في دفع عمليات التعليم والابتعاث إلى الأمام..

وربما حان الوقت لتكون الدولة أول المستفيدين من استثماراتها الناجحة في تأهيل الكوادر الوطنية، وتكون المشروعات الكبرى القادمة مجالات جديدة للتوطين الناجح الذي يعود بالفائدة والأثر على الوطن الكبير في قطاعات جديدة منتجة.

من خلال هذه الإيجاز المختصر نود من وزارة العمل إكمال مسيرتها في توطين قطاعات التجزئة باختلاف أنواعها وقطاع الصيدليات وشركات الأدوية ومجالات صناعات البناء وقطاع السيارات والمعدات وغيرها، وذلك من أجل أن تكتمل ملامح الصورة الجميلة لوطن المستقبل الذي نتطلع إليه، والله ولي التوفيق.
 

*نقلا عن "الجزيرة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.