قمة الكرملين.. وتحالف الأقوياء
دخلت العلاقات السعودية الروسية منعطفاً مهماً نحو بناء إستراتيجية التكامل على أكثر من صعيد، وتعزيز مجالات التعاون بين مؤسسات البلدين، وفرص الاستثمار بين رجال الأعمال، وتمتين الجسور الثقافية بين الشعبين الصديقين.
الزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين إلى موسكو ولقاء الرئيس فلاديمير بوتين نجحت في تعميق الحوار السياسي تجاه قضايا المنطقة؛ على اعتبار أن الروس جزء من الحل، وتحديداً في الملف السوري والحرب على الإرهاب، ولا يمكن المضي مع إيران وتركيا من دون المملكة في إعادة التوازن الإقليمي، وتحقيق الأمن والسلم الدوليين.
الملك سلمان في خطابه خلال قمة الكرملين كان واضحاً في مواقفه من قضايا المنطقة؛ فلا حل في سورية إلاّ بالرجوع إلى مقررات جنيف (1)، ولا نهاية لأزمة اليمن إلاّ سياسياً، ولا عراق ما لم يكن موحداً، ولا دولة لفلسطين إلاّ والقدس عاصمة لها، ولا أمن واستقرار في المنطقة ما لم تكف إيران عن تدخلاتها في شؤون الآخرين.
هذا الخطاب يعلن مواقف ثابتة للمملكة بغض النظر عن أي مصالح ثنائية مشتركة، أو ردود فعل مؤقتة، ويؤسس في الوقت نفسه منهجاً واضحاً في التعاطي مع أزمات المنطقة، وهو ما أصغى له الرئيس بوتين باهتمام خلال الزيارة، وزادت ثقته أنه يقف أمام قائد عربي وإسلامي لا يناور في التعبير عن مواقفه، ولا يتنازل عنها، أو يتردد في سبيل تحقيقها، بل يسعى إلى حوار وشراكات في وقت واحد، ويترك التفاصيل للنتائج التي تعكس الواقع.
في الجانب الآخر الاقتصادي من الزيارة؛ اتضح للسعوديين والروس أن العلاقة بينهما ليست تجارة سلاح، أو برميل نفط، ولكن هي أكبر وأعمق بكثير؛ وفق رؤية سعودية طموحة ومحفزة تردد صداها كثيراً بين الروس، وهم ينظرون إلى سعودية جديدة تحمل رؤية مختلفة عن السابق، وترجم ذلك توقيع (15) اتفاقية ومذكرة تفاهم، و20 صفقة تجارية، واستثمار عشرة مليارات دولار في الصندوق السيادي الروسي، والترخيص لأربع شركات روسية، وافتتاح ملحقية ثقافية سعودية، وأخرى تجارية، ومكتب إعلامي، إلى جانب الترقب الروسي لطرح أسهم أرامكو في السوق، والاستثمار فيه.
وسائل الإعلام الروسية خلال الزيارة تنطق باسم المملكة كشريك جديد، وقوي، ومؤثر، وتتوقع أن يكون المستقبل القريب وليس البعيد حافلاً بالعمل المشترك بين البلدين، لا سيما في الجانبين الاقتصادي والثقافي، ونحن في المملكة نتحدث عن تاريخ جديد للعلاقات السعودية الروسية، ومرحلة مختلفة لن تكون فيها المصالح مقدمة على المواقف المعلنة والثابتة، ولكن بينهما مشتركات، وتفاهمات، وحوار ينتهي إلى قرار.
*نقلا عن "الرياض"