عندما شاهدت إحدى الإحصائيات التي تتحدث عن هدر ما يزيد على ثمانية ملايين وجبة قيمتها تتجاوز الـ 70 مليونا من قبل 90 في المائة من الأسر السعودية، شعرت بخطر كبير، إن لم نتدارك هذا الوضع المأساوي. إن ما نتحدث عنه هو حالة تعادل 20 مليار ريال في العام، وهو أمر غير مقبول في مجتمع مسلم. أصدقكم أنني لم أشاهد هذا الكم من الإسراف في أي مكان في العالم، بل إنه قد لا يكون هناك أي كمية غذاء ترمى في الزبالة في أكثر دول العالم تقدماً. هذا الأمر يجب أن يوقظ فينا الاهتمام والرعاية التي يدلنا عليها الدين والعقل ودروس الزمان. هذا كله يوحي بضرورة العمل المستمر لتوعية الناس، والبدء بالكبار الذين هم قدوات للآخرين. إن ابتعاد كبار القوم عن الإسراف في الحفلات والدعوات سيؤدي بلا شك إلى التأثير في البقية؛ ليبحثوا في تحسين استغلال الموارد، والتفاعل المنطقي مع النعمة التي حبانا الله إياها، وحثنا على حفظها في غير مكان من الكتاب، ونصح بها نبيه- صلى الله عليه وسلم- وهو خير قدوة في المجال. تقوم جمعيات مهمة على الإفادة من كثير من فوائض الطعام، وتقوم بتوزيعها على كثير من الأسر التي تحتاج إليها، وهو أمر مهم، لكننا نبقى في حاجة إلى الاقتصاد حتى في المصروف الغذائي اليومي البسيط الذي يمكن أن نلاحظ آثاره في أحجام أكياس النفايات التي تخرج من بيوتنا. هذه الحالة يجب أن تنتهي بوسائل الاستهلاك السليم والقناعة وتغيير أساليب الحياة في كل شيء حتى في أسلوب تقديم الطعام. التوعية التي يمكن توفيرها في المجال مسؤولية مجتمعية مهمة على جهات مختلفة، من ضمنها الجمعيات ومراكز التدريب والأسر، حتى الدعوات التي يمكن أن تكون مساهمة في التوفير بكل الوسائل المناسبة. أذكر في مجال المطاعم التي تحدث مع أحدها صديق لي، وحين عرض عليهم أن يتبرعوا بما يفيض من الطعام، اعترض مسؤول الموقع بأنه لا يريد مشكلات قد يؤدي إليها تناول الطعام بعد ساعات من إعداده، وهذه القضية تدخل ضمن دور البلديات في البحث عن وسائل التخلص من المواد الغذائية بطريقة تضمن الاستفادة منها بدل رميها بالشكل الذي نراه اليوم. القضية مهمة ومتشعبة، وتستحق أن يتعاون الجميع في دراستها، وإيجاد البدائل المناسبة لحلها، سواء من مؤسسات الدولة أو المجتمع المدني.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.