قدمت مكتبة عارف حكمت نموذجاً رائعاً للمكتبات الوقفية على مدى 45 عاماً فقد سبق الشيخ أحمد عارف حكمت بن إبراهيم بن عصمت الحسيني عصره في قصة أوقاف الكتب الخيرية وإنشاء مكان مخصص لها حتى تستمر المكتبة.

عارف حكمت قصة لشيخ ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما، ولد في تركيا عام 1200 هجرية وتربى في بيت علم وفضل وأتقن اللغة العربية والفارسية بالإضافة إلى لغته الأصلية وهي التركية، وطلب العلم الشرعي على فحول علماء عصره، وفي عام 1231هجرية تولى القضاء بالقدس الشريف، وفي عام 1236هجرية تولى قضاء مصر، ثم أسند إليه قضاء المدينة المنورة عام 1238هجرية فقرب إليه العلماء والأدباء ورفض الهدية والرسوم التي اعتاد من قبله أخذها. وفي عام 1246 هجرية عاد إلى الاستانة وشغل فيها مناصب عديدة منها الإفتاء في مجلس الأحكام العدلية وفي غرة ذي الحجة من عام 1262 هجرية أسندت إليه مشيخة الإسلام وهو أعلى منصب قضائي في الدولة العثمانية واستمر فيه سبعة أعوام ونصف وبعد ذلك تفرغ للعبادة والمطالعة إلى وفاته عام 1275 هجرية.

وفي حوار "العربية.نت" مع مدير الشؤون الإدارية والمالية لمكتبة عارف حكمت رشيد الهزاني قال إن المكتبة تعتبر ضمن المكتبات الوقفية حيث إنها كانت سابقا واقعة في مكتبة الملك عبد العزيز وبعد أن تم صدور قرار إنشاء مجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية ليتم جمع 30 مكتبة في المدينة المنورة ومن ضمنها مكتبة عارف حكمت تحت لواء مجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية.

وقال "نحن الآن في مرحلة انتقالية لنقل المكتبة من جوار المسجد النبوي إلى مقر مؤقت بالجامعة الإسلامية لحين انتهاء مشروع المجمع".

وأضاف أن "المجمع يرأسه أمير المدينة المنورة الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز وذلك بقرار أن يكون رئيس مجلس الإدارة أمير المنطقة".

وأكد أن المكتبة تعتبر محط أنظار الباحثين من مختلف أنحاء العالم لأنها تتميز بوجود مخطوطات يدوية بخطوط الباحثين كما أنه قد تم وضع خطط للاستفادة من التقنيات الحديثة للمواد العلمية الثرية الموجودة في المكتبة.

 

وأضاف أن هذه المكتبة زارها آلاف العلماء والأدباء والأمراء والقضاة إضافة إلى المشاهير وطلاب العلم من شتى الدول المختلفة.

وتتميز مخطوطات المكتبة بأنها تمتد من حيث تاريخ النسخ على مساحة زمنية كبيرة تغطي أحد عشر قرناً تبدأ من القرن الرابع الهجري وتنتهي في القرن الرابع عشر الهجري كما تتميز كذلك بأن الكثير من مخطوطاتها نسخت على أيدي مؤلفيها كما أن المخطوطات الفارسية كتبها بخط يده وبذل في اقتناء كتبه وشرائها أموالاً كثيرة وجهوداً كبيرة.

وتعد هذه المكتبة من مآثر الشيخ عارف حكمت، ومن معالم المدينة المنورة في العصر الحديث، فهي من أغنى المكتبات بالمخطوطات القيمة لكونها تضم بين جنباتها عدداً من المخطوطات النادرة في شتى العلوم والفنون، وتزخر بالجم من التراث الإسلامي المكتوب باللغات العربية والفارسية والتركية، هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من المخطوطات زيّنت خير تزيين من حيث الخط والتذهيب.

يذكر أن عارف حكمت عرف باهتمامه بالمخطوطات الثمينة المكتوبة وحرص على تدوينها بأيدي أشهر الخطاطين وقرر أن يودعها في مكتبة قرر إنشاءها في عام 1270 هـ-1853 م وتحتوي المكتبة (4389) مخطوطاً أصلياً، و(632) مجموعاً خطياً يحوي على (3838) رسالة مخطوطة، إضافة إلى (7875) مطبوعاً نادراً وحديثاً حتى وصلت هذه المكتبة التي تعتبر من أقدم المكتبات الوقفية بشبه الجزيرة العربية عموما وبالسعودية بشكل خاص.

ويرجع نسب الحسيني إلى بيت النبوة، وكان الشيخ يهتم باقتناء كافة المخطوطات القيمة التي تمت كتابتها بواسطة أمهر وأشهر الخطاطين هذا بالإضافة إلى أن المكتبة تضم مجموعة من المخطوطات الفارسية التي كتبها بخط يده وقد أنفق أموالا طائلة و جهودا كبيرة من أجل شراء الكتب القيمة كما تمكن من أن يصل لقضاء القدس ثم مصر ومن بعد ذلك لقضاء المدينة المنورة حتى استطاع أن يتولى مشيخة الإسلام في الأستانة عام 1262هجرية و قد ظل بها لمدة سبع سنين ونصف وبعد ذلك تفرغ تماما للعبادة والمطالعة حتى توفاه الله، ومن أشهر ما كتب كتاب (الأحكام المرعية في الأراضي الأميرية).

ومن بين المجموعات الملحقة بهذه المكتبة عن طريق الوقف مجموعة أردوغان جعفر أسعد؛ وعدد كتبها 169 كتاباً، ومجموعة صالح إخميمي؛ وعدد كتبها 232 كتاباً. مكتبة عارف حكمت قد وصلت شهرتها عنان السماء لما كانت تحتويه من كتب ومطبوعات ومخطوطات متنوعة بين الحديث والقديم ونادرة جدا.

أما عن موقع المكتبة فقد تم اتخاذ أحد الدور الأثرية في المدينة المنورة ليكون مقرا لمكتبة عارف حكمت منذ وقت إنشائها، وهي دار الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

وتقع هذه الدار بجوار باب جبريل اتجاه القبلة في الجزء الجنوبي من المسجد النبوي الشريف، حيث إن تلك الدار التي تم اتخاذها لتكون مقرا لمكتبة عارف حكمت وكانت عبارة عن حجرة واحدة ذات حجم متوسط وأعلى هذه الحجرة توجد قبة حجرية كبيرة، لكن تلك الدار تمت إزالتها عندما تمت توسعة المسجد النبوي الشريف وتم نقل كل ما تحتوي عليه من كتب ومخطوطات إلى مكتبة الملك عبدالعزيز التي توجد في المدينة المنورة التي تتبع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد حيث تم ضمها إلى مجموعة المكتبات الوقفية الأخرى وقامت مكتبة الملك عبد العزيز بتخصيص جناح خاص بأحد طوابقها لكي يشمل محتويات مكتبة عارف حكمت الثمينة.

 

وكان دخل هذه الأوقاف التي أوقفها يصل إلى خمسة عشر ألف جنيه ذهبي بالعملة العثمانية آنذاك لكي تجد هذه المكتبة العملاقة ما ينفق عليها من تجديدات، وأيضا صرف مرتبات وأجور للعاملين بها، وتقع هذه المكتبة في جنوب المسجد النبوي الشريف في مواجهة الجهة الشرقية منه، ويرجع تاريخ إنشائها إلى عام 1270هجرية والتاريخ منقوش في سقف قاعتها، وقد تعرضت هذه المكتبة إلى نكبات من الحاكم التركي الذي حاول في أيام الحرب العالمية الأولى إرسال مجموعتها إلى تركيا ولكن بعد وصول مجموعات الكتب إلى دمشق تغيرت دفة الحرب على الدولة العثمانية فأعيدت هذه المجموعات إلى المدينة المنورة مرة أخرى، كما أن بعض مجموعتها أخذت منها وظلت في تركيا رغم وجود ما يدل على وقفها من قبل شيخ الإسلام عارف حكمت الحسيني، حيث وقف على مكتبته نساخا يساعدون طلبة العلم في استنساخ ما يريدون استنساخه وهذا ما يحاكي اليوم آلات النسخ في المكتبات لخدمة طلاب العلم، وأيضا أهمية المكتبة تكمن في محتوياتها من المحفوظات وليس في محتوياتها من الكتب المطبوعة، حيث تمتلئ الرفوف بالمخطوطات النادرة التي كتب أكثرها بأيدي مؤلفيها.

ومن شروط استعارة الكتب من المكتبة هذا الشرط الذي يحافظ على مقتنياتها وما بها من تراث وهو (عدم جواز إخراج أي كتاب من المكتبة لا عن طريق الاستنساخ ولا عن طريق الاستعارة، بل يقتصر الانتفاع بالمكتب داخل المكتبة عن طريق المطالعة أو الاستكتاب أو المقابلة أو غيرها.