لَم يَضرّني شَيء فِي حَيَاتي، مِثل مَضرّة التَّسلِّي بالأعذَار، وابتكَار المُبرِّرَات، لإلهَاء النَّفس وتَخفيف تَأنيب الضَّمير، الذي يَسألني كُلّ يَوم: «لِمَاذَا لَم تَفعل هَذا»..؟!

إنَّ الأَعذَار -فِي نَظري- تُشبه شُرب القَهوَة، مَن يَتعَاطَاهَا يُدمن عَليهَا، ومَع مرُور الوَقت، لَا يَستَطيع الاستغنَاء عَنهَا، فالإنسَان إذَا تَمَادَى فِي استيرَاد الأَعذَار، وابتكَارها واستجلَابها، سيَتعوَّد عَليهَا، حَتَّى تَفوته الفُرصَة تلو الفُرصَة، فإذَا انتَهَت الفُرص كُلُّها، بَدأ يُغيِّر الأسطوَانَة، ويُلقي باللَّوم عَلَى الحَظِّ والنَّصيب، والظرُوف وشُحّ التَّوفيق.. وهَكَذا يَخرج مِن دَائرة أَعذَار «أ»، إلَى دَائرة أَعذَار «ب»..!

ولَعلَّ أَوّل الأَعذَار القَاتِلَة المَاحِقَة، هي التَّأجيل والتَّسويف، وقَد كَان العَرَب صُرحَاء، حِين حَذّروا مِن هَذا الدَّاء فقَالوا: «لَا تُؤجِّل عَمَل اليَوم إلَى الغَد»..!

صَدَر كِتَاب جَليل لأُستَاذ تَطوير الذَّات؛ القَدير «برايان تريسي» بعنوَان: «لَا أَعذَار»، مِن أَهَم مَا جَاء فِيه: (يَقول أَحدُنا: «يَوماً مَا» سَوف أَقرَأ ذَلك الكِتَاب، و»يَوماً مَا» سَوف أَبدَأ برنَامج التَّمارين، و»يَوماً مَا» سَوف أتحكَّم فِي نَفقَاتي المَاليَّة، و»يَوماً مَا» سَوف أَتخلَّص مِن كُلِّ الدّيون! فِعلاً يَعيشُ مُعظم النَّاس فِي جزيرة «يَوماً مَا»، ويَقضون جُلّ أَوقَاتهم هُناك، يُفكِّرون، يَحلمون، يَتخيَّلون كُلّ الأشيَاء التي يُريدون القيَام بِهَا، وطَبعاً فِي «يَوماً مَا»! عِندَما يَلتَقي بَعضهم ببَعض، عَلَى سَطح تِلك الجزيرة، يَسأَل كُلُّ وَاحِدٍ مِنهم الآخَر: مَا الذي جَاء بِك؟، ولِمَاذَا أَنتَ هُنَا؟، والعَجيب أَنَّ مُعظم إجَابَاتهم «مُتشَابهة» جِدًّا، بَل ومُتطَابِقَة أَحيَاناً، إنَّهم ببسَاطة يَختلقون «الأعذَار»، يَجلسون فِي حَلقة، ويَتبَادلون الأَعذَار والمُبرِّرات، التي دَفعتهم للعَيش عَلى جزيرة «يَوماً مَا». يَقول أَحدُهم: أَنَا لَم أَحظَ بطفُولةٍ سَعيدة، ويَقول الآخَر: وأَنَا لَم أَنل قِسطاً كَافياً مِن التَّعليم، ويُضيف الثَّالِث: وأَنَا رَئيسي فِي العَمَل كَثير الانتقَاد.. ويَستمرون فِي الأعذَار، حَتَّى يَقول أَحدُهم: إنّ الاقتصَاد العَالَمي فِي حَالة سيّئة. إنَّهم قَد أَصبَحوا مُصَابين بمَرض «اختلَاق الأعذَار»، وهو مَرضٌ خَطيرٌ جِدًّا، ويُعتبر العَدو الأوّل للنَّجَاح وللنَّاجحين)..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي القَول: إنَّني عَانيتُ مِن الأعذَار كَثيراً، لذَلك عَقدتُ اجتمَاعاً مَع نَفسي، وأَسَّستُ «الهيئَة العَامَّة لمُكَافحة الأعذَار».. أَسَّستها عَن قَنَاعَة تَامَة، خَاصَّة ونَحنُ نَعيش فِي زَمن مُكَافحة الفَسَاد، بكَل أَشكَاله، وهَل هُنَاك فَسَاد أَكثَر مِن تَأجيل عَمَل اليَوم إلَى الغَد..؟!!

*نقلا عن صحيفة "المدينة".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.