الثروات الطبيعية لا تضمن الثراء لأي بلد.. فـنزويلا ونيجيريا وإيران (وثلاث دول عربية) تملك حقولاً نفطية هائلة ولكنها تعاني من الفقر والبطالة وتدني مستوى المعيشة.. وفي المقابل هناك دول لا تملك أي ثروات طبيعية (مثل لوكسمبورغ وسويسرا واليابان وبقية النمور الآسيوية) ومع هذا تتمتع باقتصاديات قوية ومعدلات معيشة مرتفعة..

الثروة الطبيعية لا تضمن ثراء أي أمـة في ظل انتشار الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة.. لا تضمن توفير الوظائف وزيادة الدخل ورفع مستوى الناس، ما لم تستغل لتوليد الوظائف وجذب الاستثمارات وتأسيس قاعدة تحتية للازدهار ذاته.. حين تغيب الرؤية الإستراتيجية ويجتمع الفساد مع سوء الإدارة يدخل البلد في دائرة مغلقة من البؤس والمعاناة مهما بلغ عدد المناجم وحقول النفط.

في نهاية كل عام ميلادي تخرج قوائم عالمية كثيرة تحدد أسوأ وأفضل الاقتصاديات في العالم.. خذ كمثال وكالة بلومبيرغ التي تصدر قائمة سنوية بأسوأ الاقتصاديات أداء وأكثرها بؤساً في العالم (وتدعىbloomberg’s misery index 2017)..

ومن خلال متابعتي لهذه القوائم لاحظت أن دولاً تملك ثروات طبيعية ضخمة (مثل فنزويلا وإيران والأرجنتين وجنوب أفريقيا) تحتل مراكز متقدمة في مؤشر السوء والتراجع الاقتصادي..

ففي عام 2013 (مثلاً) احتلت فنزويلا وإيران وصربيا والأرجنتين المراكز الأولى كأسوأ الاقتصاديات أداء في قائمة بلومبيرغ (في حين احتلت السعودية المركز الأربعين)..

وفي عام 2016 أتت فنزويلا والأرجنتين والبرازيل وجنوب أفريقيا ومصر في المراكز الأولى كأسوأ الاقتصاديات في العالم (في حين احتلت السعودية المركز الخامس عشر)..

وفي آخر تحديث لهذه القائمة (لعام 2017 الذي انتهى قبل أيام) أتت فنزويلا في مقدمة الاقتصاديات الأسوأ في العالم للعام الثالث على التوالي، تليها جنوب أفريقيا والأرجنتين واليونان وتركيا وإسبانيا (في حين تحسن الأداء الاقتصادي في السعودية ولم تدخل أصلاً ضمن قائمة بلومبيرغ لهذا العام)...

وكل هذه القوائم تؤكد أن الاقتصاديات القوية لا تملك بالضرورة ثروات طبيعية أو حقول نفطية.. فأكثر مناجم الذهب والألماس توجد في أفريقيا، ولكن القارة الأفريقية تضم أفقر الدول وأسوأ الاقتصاديات في العالم.. ورغم تفوق فنزويلا على السعودية وروسيا وكندا في احتياطاتها النفطية، تملك فقراء أكثر من أي دولة في أميركا اللاتينية (بما في ذلك البرازيل التي تفوقها كثيراً في عدد السكان).. في آخر عام فقط تسبب الفساد وسوء الإدارة (والسياسات التي مازالت تحاكي المفاهيم الماركسية) في ارتفاع معدل التضخم إلى 492 % وتفاقم نسبة البطالة والفقر لدرجة سفر السكان للدول المجاورة لشراء السلع الاستهلاكية البسيطة!.

كل هذه الحقائق تجعلنا (في السعودية) لا نقلق من انخفاض أسعار النفط (فالدول الناجحة لا تملك نفطاً أصلاً) بــل من سوء الإدارة وتفشي الفساد وغياب الرؤية والتمسك بالأيديولوجيات الفاشلة..

*نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.