تشكّل الحوارات الثقافية والفكرية منجماً ثرّاً للقارئ والمثقف على حدٍّ سواء، منها الحوارات العربية أو المترجمة. فالتجربة الإنسانية العميقة تظل بّغية القارئ المتشوّف للمعرفة سيما إذا كانت تلك الحوارات سابرة لمواقف هؤلاء المبدعين من القضايا التي تهم الوسط الثقافي ومركزة على تجلّي الحالة الإبداعية ومبتعدة عن الطرح الأيديولوجي الضيق.

من تلك الحوارات العميقة، حوار مع الروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل للآداب خوسيه ساراماغو، وهو حوار متلفز قام بترجمته عن الإسبانية الكاتبة والمترجمة أمل فارس. الحوار رغم قصره لكنه مثخن بالإشارات الفكرية العميقة والآراء التي تستحق الوقوف عندها، لعل أهمها حين سُئل: هل سبق ونال أحد المبدعين جائزة نوبل من غير الحاصلين على شهادات عليا، أم أنك الوحيد الذي استطاع تحقيق ذلك؟ لتأتي الإجابة متدفقة عفوية وبساطة قائلاً: لا أعلم إن كانت حالة فريدة، لكن الذي أستطيع قوله إن قلة قليلة ممن لم يملكوا شهادة جامعية استطاعوا نيل هذه الجائزة. ويستدرك ساراماغو: لست مسروراً لكوني لم أحصل على أي شهادة جامعية، كنت أتمنى لو أنني دخلت الجامعة، ولكن في الوقت نفسه لا أتفاخر بذلك، كأن أقول للجميع أنا الذي أتيت من لا شيء من القاع وانظروا إلى أين وصلت؟ ويبدي ساراماغو تأسّفه على أنه ليس جميع من يدخلون الجامعات يتلقّون العلم، وهذا -حسب رأيه- ليس مسؤولية الشباب وإنما مسؤولية النظام العام والأسس التعليمية.

نخلص من هذا إلى حقيقة مهمة وهي أن الإبداع لا يمكن أن يأتي من خلال الدرس أو التحصيل الأكاديمي وإلا لظفرنا بأعداد كبيرة من المبدعين سواء في الكتابة الصحفية أو الفنون الأدبية المختلفة سواء الشعر أو القص أو الرواية أو حتى النقد. ولعل تاريخ الثقافة والفكر العالمي حافل بأسماء كبيرة مبدعة لم يكن التحصيل العلمي أو الشهادات العليا جواز مرورها لعالم الإبداع. وما دام الحديث عن المبدعين ذوي الشهادات الدنيا فلا مناص من المجئ على سيرة الكاتب العملاق عباس محمود العقاد الذي لم يحصل على تعليم عالٍ وتوقف تحصيله عند الشهادة الابتدائية لكنه بز أصحاب الشهادات العليا من أمثال طه حسين وزكي مبارك وأحمد أمين وغيرهم، وكان اعتداده بنفسه بأنه كان غير مفرط في التواضع أو الرقة أو اللين، وكانت تلف حوله شبهة الكبرياء التي فسرها البعض بأنها ناتجة من فرط حرصه على كرامة الأدب والأدباء التي يطلبها عن طريق الثقافة والأدب ويعتبرها رسالة مقدسة يصح للقائم بها أن يصان له شرفه وكرامته بين أعلى المقامات الإنسانية بغير استثناء. الشواهد كثيرة على مبدعين أفذاذ تركوا بصمات عميقة في التاريخ الإنساني لا يتسع المجال لسردها، ما يؤكد حقيقة مهمة أن جمرة الإبداع متى توقّدت في النفوس الكبيرة أثمرت إبداعاً خلاقاً ودون ذلك لا يمكن لكل شهادات العالم إيقاد هذه الجمرة.

*نقلاً عن "الرياض"
 

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.