"لا شئ يبقى للأبد "فكل ما نعيشه في سعادة أو قسوة أو حزن أو رخاء سيصبح في يوم من الأيام من الماضي وسنزرعه كالياسمين في حقول الذكريات ونتذكره عندما يتجول كل منا في حديقته الخاصة وهو يعبر في طرقاتها ويتذكر لحظاته التي يشمها كلما مر في رحيق الزمن الذي عبر فجأة أو على مهل سيظل كل شئ معلقا في الذاكرة كخيط رفيع يعيدنا إلى شريط الماضي الذي نهديه إلى باقة أيامنا ونحن نقلب أوراقها ورقة ورقة ونتساءل عن أخر قطرة ستسقط من هدير الحكايات ومن صخب الموج عندما يعلو فيطغى على أفكارنا وعندما يكون مليئا بالمتناقضات فيصمت ويترك لنا فرصة التأمل.

وفي مفارقة تجارب الصعود إلى القمم والعثور على خيارات الطرق المؤدية لتحقيق الأحلام يمكن أن تبدو الصورة وردية أحيانا وضبابيه وغائمة أحيانا أخرى فهذه الطرق لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تظل متوازية مع طموحنا وتوجهاتنا ولكنها قد تكون مليئة بالمنعطفات والعثرات التي تعزز ثقافة الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة المصاعب وحل المشكلات التي تواجهنا فلو أن الطريق كان ممهدا للأبد.. لما عرفنا قدراتنا أو تمكنا من اكتشاف الطاقات الكامنة فينا والتي تظهر عندما نمر بهذه التجارب الخطيرة و الحادة التي نتعرف من خلالها على هويتنا الحقيقية وعلى كل ما يمكننا أن نحققه وهذه المزايا لا يمكن أن تتحقق عندما يكون الطريق معبدا ومفروشا بالزهور ومليئا بالأنوار والكهرباء فالطرق المظلمة تجعلنا نتعرف على مقدرتنا الفذة في تحسس مواطئ أقدامنا كما أن المياه العميقة تضعنا في تجربة إنقاذ أنفسنا من الغرق والسقوط إلى القاع يجعلنا نعرف ما نحتفظ به من درر ونفائس نخبئها في أعماقنا لنعلم أن في كل إغفاءة للحظ فرصة لحظ جديد ذلك الذي يتحقق لمن يؤمن أن الضربة التي لم تقتله كانت كريمة لتجعله أقوى ولمن يعرف أن التجارب القاسية والفاشلة هي أهم الخطوات المؤدية للنجاح وأن النجاح الأبدي والطرق الممهدة لم تعطه أي فرصة لأدراك خفاياه التي تختبئ خلف الرتابة والتكرار وأن في كل مغامرة جديدة لتحقيق الذات نقطة انطلاقة لسهم قوى يمكن أن يستقر في قلب الهدف ويحققه.

لذلك فأننا نحتاج في كل فترة إلى التوقف لنرصد ما تركناه من تجارب خلف ظهورنا ونتطلع إلى الخطوات القادمة التي يجب أن تخرج من حيز العشوائية إلى حالة من التركيز لقراءة الخطوات القادمة وهذه الثقافة التي يجب أن تنتقل إلى الأجيال التي قد تظن أنها عندما تنهي مرحلة التعليم والخروج للحياة العملية بأنها قطعت شوطا كبيرا من تجاوز المصاعب وهي لا تعلم أن التعليم هو أول سلالم الصعود نحو الأهداف التي لا يمكن أن تحقق إلا عندما نمتلك ثقافة " صناعة الأهداف" وخوض غمار التجارب الصعبة والقصص المستحيلة لنجد في أنفسنا قدرات لم نكن نعرفها عن أنفسنا.

إنها الأحاديث الهامسة التي نقولها لأنفسنا ونكررها ونحن نقرر في كل مرحلة كيف يمكن أن نمضي في الطريق أم أننا نحتاج إلى استخدام أدوات أكثر تأثيرا أن هناك حاجة ماسة لتغيير الطريق أصلا أو البحث عن خطط بديلة لإكمال مشوار الحياة وتجاربها كي لا نسمح لهذه الأحداث أن تتحول إلى مصدر رعب وخوف على مصيرنا المجهول وإنما يجب أن تخلق في ذواتنا حالة الاستفزاز للدخول إلى تحد جديد والتعلق في حبل أخر لعبور الوحول والغابات الموحشة وعدم التشبث بالأفكار والحبال المترهلة ومواجهة مخاوف التغيير إلى نقطة انطلاق جديدة عنوانها الثقة بالنفس والبحث عن الطاقات الكامنة والتي لا يمكن أن تولد من نبض متخاذل أو من حالة انتظار "قدر" وأنها بحاجة إلى اصطياد فكرة مختلفة لتحقيق هدف مختلف.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.