في التسعينات دخل على شلة المثقفين الحداثيين رجل على قدر من الغرابة. مفصول من عمله. ولم يكن له سابق معرفة بالأدب أو الثقافة. في ذلك الزمن كان الاتهام بالتجسس من عادات المثقفين العرب. ثقافة أخذناها من الأشوام وأخذها الأشوام من أوروبا الشرقية. تلقفته ألسن بعض الزملاء بالاتهامات. بدأت أبواب بيوت المثقفين تغلق في وجهه. عبرت عن غضبي. طالبت كل من اتهمه بأنه جاسوس أن يثبت.. شعرت بالتعاطف الكبير معه وتطور تعاطفي حتى أصبحنا في النهاية أصدقاء. كان الرجل يفتقر لبعض المهارات في الكتابة ولا يجيد أي شيء من اللغة الإنجليزية ولا يعرف أسماء الكتب الحداثية، بدأت أساعده هنا وهناك. يزورني في بيتي وأزوره في بيته. مضى الزمن وتغيرت الظروف وجاء أصدقاء وغاب أصدقاء فلم أعد أراه إلا في المناسبات.

في منتصف العقد الأول من الألفين انتشرت ظاهرة المنتديات على الإنترنت. أسس بعض الأصدقاء موقعاً شهيراً. ضع اسمك أو اسماً مستعاراً وابدأ في التعبير عن أفكارك وأمراضك إذا شئت.

لاحظت أن أحدهم يدخل كل يوم ويشتمني بأقذع الألفاظ وأشدها. من غبائه لم يربط بين القائمين على المنتدى وشلتي. أبلغني أحد القائمين على المنتدى باسمه.. عجزت أن أصدق ولكن هذه هي الحقيقة.

ما الذي علي أن أفعله. قلبت الأمر. لن أرد عليه ولن أشتمه أو أشتكيه ورفضت شطبه من المنتدى مجاملة لي. تركته يتمادى. تحول غضبي إلى استمتاع. اتخذنا من شتائمه مادة نتندر بها في المجالس.

جاء ذلك اليوم لألتقيه في معرض الكتاب بالرياض، تزامن هذا اللقاء مع انهيار سوق الأسهم. هب للسلام واحتضنني كشقيق. ارتبكت في البداية ولكني تماسكت، طالما أنه قادر على كتم العداوة فيجب أن أكون كتوماً أيضاً. جلسنا نتبادل الحديث كصديقين. سألني عن الأسهم فأجبته بطريقة مسرحية الحمد لله. ثم قلت لم أربح كثيراً. بصراحة لن أعد نفسي رابحاً حتى يصل رصيدي إلى مئة مليون. كاد أن ينخلع من الكرسي الذي يجلس عليه. لا يعلم أني من الخاسرين في الأسهم. كان يعرف أن بين أصدقائي عدداً من مضاربي الأسهم الشهيرين. وعدته أن أعرفه عليهم وأدخله في شلتهم وأكدت له أيضاً أن تسهيلات البنوك متيسرة بإذن الله في أي وقت يريدها. أصبحت فرصته للخروج من خسائره الكبيرة. صار يتصل بي يومياً. ماطلت به عامين كاملين. في كل مكالمة أزف له تنامي أرباحي المزعومة. أخيراً توقف عن الاتصال وانقطعت أخباره. يبدو أن ذكاءه تفوق أخيراً على طمعه..

اشتغلت عليه بحكمة تنسب لمعاوية بن أبي سفيان. بدأ معاوية يأخذ البيعة لابنه يزيد. جاءه يزيد يوماً وقال له يا أبتِ الناس تخدعنا؟ فأجاب معاوية: إذا خدعك أحد وتخادعت له فقد خدعته.

* نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.