الجنادرية في كل تفاصيلها حكاية عن وطن يستمد من ثوابته منهجاً، ومن قيادته نموذجاً، ومن شعبه وفاءً، ومن تاريخه سيرة أبطال، وتراث أجيال، ومكانة أرض، وحفاوة إنجاز، ويمضي إلى مستقبله قبل حاضره وهو أكثر وحدة وتلاحماً وتفاؤلاً.

الرعاية الملكية لمهرجان الجنادرية كل عام تأكيد على عمق الحضارة الإنسانية للوطن، واستدعاء للتاريخ بكل ما فيه من أحداث ومواقف وقصص وتحديات، وتقديمها لجيل اليوم ليرى الفارق، ويقارن، ويسترجع الذكريات، ويدرك حجم التضحيات التي تحققت على أرضه، وسبيل وحدته، ومشروع نهضته، ويؤمن كم وطنه كبير، وعظيم، ويستحق منه أن يحافظ على ما تحقق، ويشارك بمسؤولية وعيه وحضوره لتقديم مدده فيما هو قادم من مهمات تضاف إلى ما تحقق؛ وفق رؤية طموحة، وتحولات اقتصادية واجتماعية متعددة.

الجنادرية على الأرض تراث، وفعاليات، وأجنحة، وأنشطة ثقافية وفنية، وجمهور غفير يملأ المكان، ولكنها في عمقها أكبر من ذلك بكثير؛ هي باختصار رسالة عالمية يرى فيها دول وشعوب ومنظمات مكانة وأصالة وهوية الشعب السعودي، حيث تمثّل هذه المكونات وحدة الأرض والإنسان التي ناضل من أجلها الملك عبدالعزيز، ونعيشها اليوم واقعاً حين يقف المواطن مستشهداً بتاريخه، وحاضراً على خارطة وطنه متنقلاً بين منطقة وأخرى في مساحة جغرافية متقاربة على أرض المهرجان؛ ليرى أن تعددية ثقافة مجتمعه مصدر لقوته، وتلاحمه، ووحدته، واستثمار لموارده.

الرسالة الثانية للمهرجان هو انسجامها مع رؤية 2030 في تحويل المخزون الثقافي والتراثي للمملكة إلى مشروع استثماري؛ ليس فقط على مستوى التسويق، ولكن على مستوى تحقيق العائد، وتعظيم الناتج المحلي، حيث نجد دولًا من العالم القريب منا والبعيد ترى في تاريخها ومخزونها الثقافي سبيلاً للاستثمار، والكسب، وتخفيض نسب البطالة، من خلال العمل الحر في مهن لم تبقَ تذكاراً ولكن سبيل لتحسين دخل الفرد.

الرسالة الثالثة للمهرجان هو التكريم والوفاء الذي يمثّل تعبيراً عن أصالة الوطن ومعدنه، حيث يكرّم كل عام شخصيات وطنية مخلصة أعطت الكثير لوطنها وقيادتها، وتستحق أن تكون قدوة لمجتمعها وشبابه، وأي دولة تكرّم رموزها هي محل تقدير ليس فقط من شعبها، وإنما أيضاً من العالم بمنظماته وهيئاته الذي يراقب تفاصيل حركة المجتمع، ومستوى تقدير نخبه.

الجنادرية هذا العام تكرّم شخصيات مهمة في مسيرة الوطن، حيث يقف الأمير سعود الفيصل رحمه الله نموذجاً سياسياً فريداً في تاريخه، وإنجازاته، وتضحياته، والزميل الأستاذ والقدوة تركي السديري رحمه الله شاهد ومناضل في تحولات مجتمعه فكراً وممارسة، والزميلة الأستاذة خيرية السقاف شخصية نسائية إعلامية وثقافية قدّمت المرأة السعودية منذ وقت مبكر في مسيرة المشاركة الوطنية.

الجميل في هذا التكريم هو صحيفة «الرياض» التي قدّمت للوطن تركي السديري كرئيس تحرير وخيرية السقاف أول مديرة تحرير في الصحافة السعودية، وهو دليل آخر على مكانة «الرياض» ليس فقط كصحيفة، وإنما صانعة قرار وتنوير في مسيرة الوطن.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.