لم يقابلني أي صحفي غربي في داخل المملكة أو خارجها إلا ويتناول كل هذه القضايا الصغيرة التي غرقنا كنساء سعوديات فيها خلال العشرين سنة الأخيرة بدءاً من قيادة السيارة مروراً باستخراج الجواز أو السماح بالسفر.

هاتفتني تلك المراة التي لا أعرفها بصوت يمتلئ مراراة وشجنا قائلة:

متى ننتهي من قضية الولاية؟ هل يعقل لامرأة بعمري وبعدد أولادي أن أظل مربوطة بإذن زوج غادرني منذ عشرين عاما ولا يرغب في إعطائي حقي الإنساني في الحركة أو التعاملات الرسمية ولا أستطيع خلعه عن كتفي اللتين أثقلتهما حمولة الولاية.

ألم يحن الوقت لإعطاء المرأة السعودية الراشدة حق استخراج وتجديد الجواز وتصريح السفر دون حضور أو إقرار ولي الأمر؟

هل كُتب على المرأة السعودية الراشدة مطلقة أو مريضة أو مهمشة أو سيدة أعمال أن تستجدي ولي أمرها؟

أليست المرأة السعودية محل ثقة مثلها مثل ابنها أو أخيها أو والدها أو زوجها أو وليها عماً أو خالا وتقول:

علماً أن ولي الأمر يستطيع حالياً معرفة أي إجراء نظامي سيتم على سفر أو قيام أي من أفراد أسرته بإجراء معاملة تتعلق بالوثيقة الوطنية وما يتصل بها، فماذا بقي؟

معها حق. ماذا بقي فعلا؟ سؤال بحجم الإنجازات المتسارعة والكبيرة التي حققتها المرأة السعودية خلال السنوات القليلة الماضية من اقتحام مجالات عمل كانت إلى وقت قريب محرمة عليها وخاصة في القطاع الخاص إلى أوامر ملكية تمنع التمييز ضد المرأة في أماكن العمل إلى تعيين لها في العديد من المواقع الرئيسية والحساسة وإلى مشاركة فاعلة لها في الكثير من المؤسسات المالية والاقتصادية فماذا بقي؟

بعض من قوانين تمنع عليها السفر أو رخصة استخراج جواز سفر؟

ننشغل في داخل المملكة بورشة عمل جبارة تهدف إلى إعادة تصحيح اقتصاد ريعي مريض قام على استنفاد عوائد البترول حتى حدودها القصوى دون تفكر في التسارع السكاني الهائل الذي نافس كل خطط الحكومة في خدماتها التعليمية والصحية والتشغيلية إضافة إلى تصحيح مناخ اجتماعي وثقافي مريض تلوث بكل موبقات الطفرة والصحوة والعولمة، إلى تصحيح مسارات البطالة والتوظيف لمواجهة هجمة جيل شاب لا يبقي ولا يذر وإلى معالجة ملفات الفساد وتأكيد مبادئ النزاهة والشفافية في القطاعين العام والخاص: كل هذا يشغلنا نحن داخليا لكنه غير مرئي من قبل صحافة العالم الخارجية التي تسلط أضواءها على القضايا التقليدية التي تداعب الخيال الغربي حول ضعف المرأة الشرقية مقابل ذكورية الرجل وقدمنا لها نحن في المملكة طعاما دسما من خلال غرقنا لسنوات طويلة في مناقشات حول حق المراة في قيادة السيارة وحق المرأة في حضانة أولادها ما دون السابعة وحق المرأة في السفر حتى امتلأت بكل ما هو غير مألوف أكثر من الصحافة الغربية من قصص النجاح الاقتصادية التي تدور رحاها الآن في أرجاء المملكة.

الأمر أننا يجب أن لا نطيل في علك قضايا جزئية تشوه الصورة العامة وما دام أن الفرس انطلقت فلنفتح لها الميدان لتركض بطريقة الفرس التي خلقها الله عليها مثلها مثل باقي كائنات كوكبنا الأرضي حتى نتمكن من الالتفات والتركيز على ما يجب التركيز عليه وهو توفير الحياة الكريمة لشباب هذه الأمة الذين يتجاوز تعدادهم السكاني 70 % من حجم سكان المملكة.

يجب أن لا نشغل أنفسنا بلوم الصحافة الغربية المغرضة إذ هم كذلك حقًا شئنا أم أبينا وكل صحفي يأتي فهو يبحث عن قصة تحلق به في عالم الأخبار وهل أعجب من أخبار امرأة لا تملك استخراج وثيقة وطنية مثل جواز السفر إلا بإذن ولي أو السفر إلا بإذنه؟

حان الوقت لهذا الوطن الكريم الذي يعتز بكل مكوناته أن يطرح مثل ذلك وينتهي منها إلى الأبد ليتفرغ لما هو أهم وهو بناء هذه الأمة التي تحتاج إلى كل الطاقات وكل الدعم بما فيها كسب الصحافة العالمية التي هي هامة جدا لصوت المملكة المعتدل حتى يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها.

حفظ الله هذا الوطن أمنا مستقرا.

* نقلا عن "الجزيرة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.