الإنسان يبتكر ثم يغيّر حياته بما يناسب ابتكاراته..

فالإنسان ابتكر السيارة، ثم غيرت السيارة حياته وطريقة تنقله وطبيعة المدن التي يعيش فيها.. والانسان ابتكر التلفزيون، ثم غيّر التلفزيون حياته ومواعيد نومه واقتطع من حياته اوقاتا ثمينة..

والانسان ابتكر المواقع الاجتماعية فتحول الى شخصية عالمية (في الواقع الافتراضي)، ولكنه تقوقع على نفسه (في العالم الواقعي)!!
 

.. الانسان يبتكر اعتقادا منه أنه بحاجة لهذا الشيء أو ذاك، ثم يتضح أنه يحتاج لابتكارات أكثر لتحسين الابتكار الأول أو الحد من سلبياتها.. وهكذا ندرك متأخرين أن السحر ينقلب دائما على الساحر وأننا سرعان ما نصبح عبيدا للتقنية التي ابتكرناها بأنفسنا!!

وحين نتأمل آخر عقدين فقط نكتشف أن المجتمعات البشرية تغيّرت بسرعة، ولكن ليس بسبب التطور التقني ذاته بل بسبب التأثيرات الاجتماعية التي بُنيت عليها تاليا.. فنحن مثلا لم نتغيّر بسبب ابتكار الفيسبوك وتويتر والواتساب بل بسبب التغيرات الحادة التي أحدثتها في طريقة تواصلنا مع بعضنا البعض!!
 

وحين نعود للخلف أكثر لايسعنا إنكار تأثير الكهرباء والنفط ووسائل المواصلات والانتاج الاستهلاكي على حياتنا ومجتمعاتنا المعاصرة.. لا يسعنا إنكار تأثير الشركات الرائدة على حياتنا من خلال تقديم منتجات تتحول بسرعة الى ضروريات لا غنى عنها.. لاحظ مثلا كيف غيرت شركة فورد حياة البشرية بتقديم أول سيارة تجارية يمكن شراؤها بسعر زهيد.. لاحظ كيف غيّرت آبل حياتنا بابتكار جهاز الآيفون والآيباد وشقت طريقا مختلفا أجبر بقية الشركات على إتباعها!!

.. والارتباط الكبير بين فورد والسيارة - وشركة آبل والآيفون - دليل على أن الاختراعات العظيمة لا تكاد تنفصل عن الشركات التي قدمتها لأول مرة.. وكان هوارد روثمان (وهو خبير صناعي أمريكي) قد وضع تصنيفا لأعظم خمسين شركة غيّرت حياة الناس.. وقد اختار في المركز الأول شركة ميكروسوفت لبرامج الكمبيوتر بسبب سيطرتها على أكثر من 90% من برامج الكمبيوتر الشخصية، في حين وضع شركة الاتصالات AT&T في المركز الثاني بفضل ابتكاراتها العريقة في عالم الاتصالات وامتداد تأثيرها في كل أنحاء العالم.. أما المركز الثالث فوضع فيه شركة فورد التي جعلت السيارة في متناول الجميع بفضل ابتكار خطوط الانتاج السريع والإنتاج منخفض التكاليف (لدرجة رفع فورد شعار: يمكن للجميع اختيار لون السيارة التي يريدها طالما كانت باللون الأسود)!!

.. ومن الشركات الأخرى التي غيرت حياتنا - حسب روثمان - بوينج وIBM وسوني، وكوكاكولا، وماكدونالد، وياهوو، وجنرال إلكتريك التي ابتكرت فكرة مد الشبكات الكهربائية في المدن (ولأنه وضع كتابه قبل سيطرة جوجل على الإنترنت يسعدني شخصيا إضافتها للقائمة)!!

.. باختصار شديد؛

المجتمعات لا تتغير فقط بفضل القادة والعظماء والأفكار الكبيرة، بل وأيضا بسبب الابتكارات والشركات والتقنيات التي تدخل حياتنا بلطف.. قبل أن تستعبدنا بعنف.. 

* نقلا عن "الرياض" السعودية

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.