«سيري Siri» هي خدمة المساعد الشخصي في أجهزة الآيفون. وهي ليست المساعد الشخصي الذكي الوحيد، بل هناك حزمة من البرمجيات المنافسة التي تطورها مختلف الشركات على رأسها غوغل (غوغل ناو) ومايكروسوفت (كورتانا) وغيرها من الخدمات الخاصة الأقل شهرة. لكن السؤال الذي نود مناقشته هنا، هو: هل وصلت هذه المساعدات الشخصية إلى مستوى الذكاء؟

في عام 2010م استحوذت شركة آبل على «Siri»، وهو مشروع بدأ بدعم من وكالة الأبحاث في وزارة الدفاع الأمريكية «داربا» (DARPA). سيري كما تصفه آبل «مساعد شخصي ذكي» يستطيع فهم أوامر اللغة الطبيعية لأداء وظائف مختلفة مثل إنشاء المواعيد وكتابة الرسائل أو البحث في الويب. لم تشأ آبل أن تجعل من سيري مساعداً يبدو كما لو كان إنساناً طبيعياً، إلا أنه من الصعوبة بمكان أن نتجنب استخدام صيغة المؤنث حينما نصفها. وبالطبع سيري مشهورة بـ «شخصية مرحة» تتجلى في ردودها البارعة على كثير من الأسئلة. سألنا سيري «هل أنتِ ذكية؟» فأجابت: «بالطبع ذكية بما فيه الكفاية لأتجنب الإجابة عن هذا السؤال».

بعد عام من إطلاق سيري، قامت غوغل بإطلاق خدمة المساعد الشخصي الخاص بها «غوغل ناو»، الذي يختلف عن سيري بأنه لا يوجد فيه شخصية تتحدث معها، بل مساعد تنفيذي فقط قادر على الإجابة عن أسئلتك العامة وتلبية طلباتك. كما أنه يتميز بالقدرة على استخدام المعلومات من تاريخك في البحث وتنقلاتك وحتى رسائلك في البريد الإلكتروني (إن تمت كلها عبر خدمات غوغل) إضافة إلى المعلومات العامة متمثلة بما يسمى بـ «الخريطة المعرفية» التي بنتها غوغل.

«سيري» و«غوغل ناو» يصنَّفان ضمن توصيف أعم للتطبيقات الذكية، وهي التمثيل الحاسوبي للمعرفة. وتقع في هذا التصنيف برامج أخرى عديدة منها كليفربوت وواتسون. كليفربوت على سبيل المثال، هو برنامج محادثة متقدم جداً (حيث صنف في إحدى المسابقات الحاسوبية بالهند بأنه بشري بنسبة %59.3). يعتمد «كليفربوت» في الإجابة عن الأسئلة على أرشيف ضخم يشمل جميع المحادثات السابقة التي يجريها الناس معه سواء في المعامل أو في الموقع الإلكتروني. وتتطلب هذه العملية معالجات جبارة لتحليل المحادثات السابقة وبناء الرد عليها. لهذا يبدو «كليفربوت» بشري جداً فهو يسخر من الناس، ويتأثر ويتعاطف ويلمح وما إلى ذلك من مستويات معقدة من التواصل البشري. في مقطع شهير باليوتيوب حاز أكثر من 4 ملايين مشاهدة، نرى «كليفربوت» تتحدث مع «كليفربوت» أخرى. المحادثة غريبة إلى درجة أنه من الصعوبة بمكان أن تصدق أن هذه محادثة تجري بين آلات. فقد احتوت على أسئلة عن الذات والإيمان بالله وغير ذلك، وليس هذا فحسب بل إن أسلوب التواصل يكاد يكون فريداً من نوعه.

لن نسهب في سرد كل المساعدات الذكية، فهي اليوم كثيرة ودخلت عالم الشركات منذ سنوات. ما نحن بصدده في هذه المقالة هو التساؤل عما إن كانت هذه المساعدات الشخصية ذكية.

آلن تيورنق (1912-1954م)، أو أبو علم الحواسيب كما يسمَّى اليوم وعرَّاب الذكاء الصناعي، اقترح اختباراً سمي فيما بعد باسمه «اختبار تيورنق». هدف هذا الاختبار هو معرفة ما إذا وصلت الآلة إلى مستوى الذكاء أم لا. تجاوز تيورنق في اختباره سؤال ماهية الذكاء أو التفكير ليحوّل الاختبار إلى لعبة: شخص يتحدث مع اثنين من خلف ستار، أحدهما إنسان والآخر كمبيوتر. هذا الشخص (الحكم) خلف الستار لا يعرف أيهما الإنسان وأيهما الكمبيوتر. تبدأ المحادثة بالكتابة، ويستمر الحكم بالحديث مع الاثنين. إذا وصل الحكم لمرحلة لا يميز فيها أيهما الآلة وأيهما الإنسان، هنا نستطيع الادعاء أن الآلة تجاوزت اختبار تيورنق ومعاييره للذكاء الآلي.

في إنجلترا، تُعقد سنوياً حفلة لجائرة «ليوبنر»، وهي جائزة مخصصة للآلات التي تجتاز اختبار «تيورنق» باستخدام محكمين فلاسفة وأدباء ولغويين وكتَّاب وما إلى ذلك. وعلى الرغم من كثرة التطبيقات وبرامج المحادثة المشاركة إلا أننا نرى أن الذكاء الصناعي وفق زاوية اختبار «تيورنق» بدأ يتفنن في استخدام تقنيات خداعية (مثلاً حينما يقوم الكمبيوتر بإخبار الحكم بأنه لا يتقن الإنجليزية لأنه طفل مهاجر حديثاً) وبالتالي يغطي على عيوبه وأخطائه. لم تظهر فعلاً تطبيقات أو برامج «تفهم» و «تفكر» كما يفعل البشر. وهنا بالضبط تفترق النظرة الحديثة عن النظرة الكلاسيكية في الذكاء الصناعي.

النظرة الحديثة والنظرة الكلاسيكية للذكاء الصناعي

هناك نظرتان للذكاء الصناعي اليوم، واحدة كلاسيكية يقل المؤمنون بها يوماً بعد يوم، وأخرى حديثة. النظرة الكلاسيكية التي يعبِّر عنها دوغلاس هوفستادر تنص على أن الذكاء الصناعي يبدأ من الإدراك. فتطبيقات مثل سيري ومترجم غوغل وغيرها ليست ذكية لأنها لا تفهم النصوص كما يفهمه البشر. هي بارعة في استدعاء ردود أو نصوص أخرى بناء على مدخلات نصية وبطرق إحصائية فقط. أما النظرة الحديثة (التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الصناعي الحديثة مثل تطبيقات غوغل المختلفة وغيرها) فتقوم على مبادئ إحصائية ولا تبالي بفهم الآلة أو استيعابها. حينما تتحدث مع سيري، لا يهم إن فهمت سيري ما تقوله فعلاً قدر ما يهم أن ترد عليك بما يلبي احتياجك. ينتقد هوفستادر هذه التوجهات بأنها تطوير منتجات ولا تمت للذكاء بصلة. ولهذا يؤمن الكلاسيكيون بأن هناك مشكلة جذرية في التوجهات الحديثة، وأن سيري أو غيرها من المساعدات والتطبيقات الذكية القائمة على هذا التوجه لن تصل أبداً إلى مستوى الذكاء الصناعي. صحيح أن هذه التطبيقات مبهرة في فعاليتها اليومية ولكنها في جوهرها مجرَّد نماذج إحصائية وتنبؤية.

قد لا ينتهي الجدال قريباً، ولن تنتهي التطبيقات العملية لها كذلك. مستقبلاً - وربما ليس بالبعيد - ستكون قادراً على الحديث مع تلفازك - بالطبع إن بقي التلفاز إلى ذلك الوقت - ومع مطبخك ومع بيتك، وكل هذه الأشياء ستتبادل الحديث معك تماماً كما تفعل سيري. لا تهتم غالبية الناس - بمن فيهم مهندسو البرمجيات والمنتجات في غوغل وآبل - بما إذا كانت منتجاتهم «تفكر» فعلاً وتمارس الذكاء، قدر اهتمامهم بمقدرة هذه الآلات على در الملايين من جيوب المستهلكين والعملاء. ولهذا - كما يؤمن هوفستادر - ربما لن نصل قريباً إلى الذكاء الصناعي الحقيقي مهما كانت المنتجات مبهرة ومذهلة.

**حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية