العراق والحاخامات : الحروب السرية

نشر في:

تحت عناوين مختلفة ، تحاول اسرائيل جني فوائد ضخمة من التغيير الذي طال العراق ، وحال الفوضى التي تعيشها المنطقة بأسرها نتيجة خلط الأوراق ، وانقلاب المعادلات بشكل كبير.

فمن جهة، يعوّل اليهود العراقيون كثيرا على الاستحقاقات التي سيجنونها في ضوء التغييرات السياسية والاجتماعية الواسعة التي تسود بلاد ما بين النهرين لجهة عودتهم ، ولتيّقن بعضهم من حصولهم على ثروات تقدّر بـ (30) مليار دولار كتعويض عن ممتلكات تقول منظمات وأطراف يهودية أنها نزعت من اليهود العراقيين في فترات زمنية مختلفة إبتداء من 1948 .
لكن من جهة ثانية، وغض النظر عن الجهد الإسرائيلي الرسمي والشعبي في هذا الصدد ، فإن الأسئلة التي طرحت منذ سقوط نظام صدام حسين بشأن الحراك الذي يسود الأوساط اليهودية في إسرائيل والولايات المتحدة في إتجاه تحصيل مليارات الدولارات من العراقيين ، وعودة بعض اليهود العراقيين الى العراق ، ما لبثت أن تحولّت الى أسئلة ليست للإجابة حين تاهت خطوط المطالبات اليهودية في خضم ما يبدو إنه إستحقاقات أكبر لصالح الدولة العبرية ذاتها ، ومصالحها الإستراتيجية في المنطقة، فضلا عن السيناريوهات المحتملة الخاصة " بالشرق الأوسط الجديد" !

تعود جذور اليهود العراقيين الى حدود 2600 سنة . وكان "الجيتو" اليهودي اندمج نسبيا في المجتمع العراقي ببدء الحرب العالمية الثانية . غير أن السنوات القليلة التي أعقبت صعود نجم النازية ، وبدايات حروبها ضد الحلفاء ، إضافة إلى استقواء المدّ القومي العربي ، حملت مفاجآت الى اليهود العراقيين . اذ ما لبثت أن أندلعت أحداث عنف بحقهم ، أودت بحياة 150 يهوديا عراقيا في 1941 . كان ذلك سببا في ابدال اتجاهات تفكيرهم الى اتجاهات أخرى ، فرضها من ناحية ثانية ، قيام الدولة العبرية ، ما أدى لهجرة 120 ألف يهودي من أصل 130 ألفا كانوا في العراق في عامي 1950 و1951 الى الأراضي المحتلة .وفي خلال خمسة عقود تلت الحرب العالمية الثانية ، وقيام اسرائيل ، هاجرت الغالبية، ليشهد 40 يهوديا عراقيا فحسب سقوط نظام صدام حسين في 9 أبريل 2003 .
لكن علاقة اليهود بأرض الرافدين ليست محصورة في تاريخ اقامتهم في العراق . ففي عام 306 قبل الميلاد ، وقّع الملك البابلي نبوخذ نصر تحالفات مع جيران للعراق شرقا وغربا ، كان من ضمنها تحالفه مع الملك اليهودي "يواقيم" ، الذي حاول تاليا التنصل من الاتفاق ، الأمر الذي دفع نبوخذ نصر الى تجريد حملة عسكرية نجحت في فتح القدس واقتياد الملك الجديد يهوياكين الى بابل . لاحقا ، حاول ملك يهودي آخر هو "صدقيا" ، التمرد على حكم الكلدانيين ، الذين كان ردهم حاسما بالقضاء على الدولة العبرية وسبي حوالي 50 ألف يهودي فضلا عن تدمير هيكل سليمان . وهو ما عرف في الأدبيات اليهودية التاريخية "بـسبي بابل" ، والمجموعة ذاتها هي التي باتت تعرف غالبيتها فيما بعد باليهود الأكراد !

تدفع تل أبيب حثيثا في إتجاه تصعيد قضية التعويضات التي تعتبرها مستحقة لليهود الذين هاجروا من العراق، سوريا، المغرب، مصر، تونس، ليبيا، الجزائر، لبنان، واليمن ، آخذة في الاعتبار ضرورة طرح القضية من خلال التفافات واسعة على ما يمكن أن تحدثه من ردات فعل متوقعة في أوساط الفلسطينيين الذين سيطالبون بدورهم بتعويضات عن الممتلكات التي سلبت منهم في 1948 ، وما تلاها في مسلسل أستمر خمسين عاما .
اللجنة الدولية ليهود الدول العربية (ووجاك)، التي تشكلت في 1999 برئاسة "عميرام إتياس" ذي الأصول المغربية ، لم تنشّط فاعليتها بشكل عملي لجهة المطالبة الا بعد سقوط نظام صدام حسين . يقول "مردخاي بن فورات" رئيس مركز تراث يهود بابل في ملحق معاريف 17يناير 2003 ( إن التعويضات عن الأموال المفقودة ستدفع كجزء من اتفاق سلام مستقبلي مع حكومة العراق بالرغم من أنها عملية معقدة ومنوطة بها سلسلة من الاشتراطات والشكوك) .
بدوره يلقي "عوفيد بن عوزير" سكرتير (ووجاك) الضوء على خطط منظمته ( قد يقول العراقيون: ندفع لكم ولكن شريطة أن تعوضوا الفلسطينيين، وفي هذه الحال فإن حكومة "إسرائيل" ستحسم المبالغ وتدفع للفلسطينيين من أموالهم).
‏وكانت (ووجاك) وزعت سابقا استبيانات على اليهود الذين هاجروا من دول عربية، لفحص تفاصيل متعلقة بعناوينهم في بلدان "المنشأ" ، وعدد أفراد العائلات المهاجرة ، فضلا عن الأملاك التي خلّفوها وراءهم ، والودائع البنكية في بنوك الدول العربية التي هاجروا منها . وتزعم (ووجاك) أن عدد اليهود الذين هاجروا من تلك الدول يقدر بمليون شخص ، تركوا خلفهم 200 ألف بيت، وأن أولئك المهاجرين كانوا يسيطرون على 80% من اقتصاد العراق "أي ما قيمته 100 مليار دولار" ، فضلا عن اسهام في الاقتصاد المصري يقدر ب 60 مليار دولار . وتقول (ووجاك) أن اليهود تعرضوا لمذابح جماعية في العراق وسورية وأعمال قتل في المغرب ومصر.
وطبقا لما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في 15 أغسطس 2003 ، فإن الحكومة الإسرائيلية شرعت في حملة واسعة لجمع معلومات حول الممتلكات اليهودية المتروكة في العراق. وأضافت الصحيفة أن آلاف اليهود في أميركا الشمالية يستعدون لرفع دعوى شاملة بهذا الخصوص ، وسط حذر ومخاوف من أن تخلق القضية سابقة تحفّز الفلسطينيين لتصعيد مطالباتهم بممتلكاتهم المتروكة منذ 1948 في إسرائيل. وحسب المعطيات التي توفرت لـ(ووجاك)، فإن آلاف اليهود من أصول عراقية الذين يعيشون في أميركا الشمالية وأوروبا، قاموا بتعبئة نماذج لإستعادة ممتلكاتهم من خلال دعوى قضائية ضخمة .
ويبدو أن المطالبة بتعويضات ستطال المملكة العربية السعودية أيضا فالتصريحات التي أدلى بها الأديب النيبالي "س.ف.نايبول" الحائز على جائزة نوبل للآداب بعد تفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة بأن (على المملكة العربية السعودية أن تدفع لإسرائيل تعويضات عما تعرّض له اليهود في شبه الجزيرة العربية على أيدي المسلمين)، تصب في هذا الإتجاه . وكان الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون تحمّس لفكرة التعويضات اليهودية خلال فترة رئاسة بنيامين نتنياهو الوزراة الاسرائيلية في أعقاب انخراطه في وضع آلية لتسوية النزاع الفلسطيني _ الإسرائيلي . وأقترح كلنتون إنشاء صندوق دولي يعالج قضية التعويضات بالنسبة لليهود والفلسطينيين على حد سواء .

بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت " الإسرائيلية ، فإن مفاوضات حثيثة قادتها إسرائيل مع الولايات المتحدة للسماح لحملة الجنسية الإسرائيلية بزيارة العراق ، إلى الدرجة التي حدت بجامعة "حيفا" لتنظيم دورة في الإرشاد السياحي في تموز/يوليو 2003 . ولم تكن إشارة صحيفة "يديعوت أحرونوت" في 28 يوليو 2003 بخصوص شركات إسرائيلية تسعى للتعامل التجاري مع العراق عبر شركات أجنبية هي اللافتة الوحيدة التي تضاف الى العنوان الإسرائيلي العراقي، فالصحيفة في الفترة ذاتها ، أوضحت أن شركة "أوسيم" الإسرائيلية الضخمة للمنتجات الغذائية تعتزم تصدير حلوى لبيعها لأطفال العراق . فيما أعلنت شركة "تامي _ 4" لتنقية المياه في يوليو 2003 أنها باعت نماذج من منتجاتها الى شركة عراقية بقيمة 10 آلاف دولار. في السياق ذاته ، أفاد "المركز الإسرائيلي للتصدير" بأن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والعراق لجهة الأولى قد يبلغ 100 مليون دولار سنويا . وكان نائب وزير المالية الأميركي جون تايلور أعطى لدى مشاركته في المنتدى الإقتصادي العالمي في الأردن، ضوءا أخضرا للشركات الإسرائيلية بالتأكيد على أن التشريع في المجال الإقتصادي في العراق (سيسمح للإسرائيليين بتنفيذ مشاريع استثمارية ) . لكن محاولات الإسرائيليين في تحقيق كسب من الوضع العراقي الجديد قد تتعثر ما لم يتم غسنادها بعناصر من الداخل، الأمر الذي يتطلب بالفعل تحريك ورقة "اليهود العراقيين" وتمرير أوراق إسرائيلية من خلالها، قد تتمثل في تملّك الإسرائيليين ممتلكات في وسط وشمال العراق .

تواتر الأنباء عن تحركات إسرائيلية محمومة في هذا الإتجاه خلّف نوعا من عدم الإرتياح لدى المسؤولين الأتراك الذين فجروا القضية أثناء إجتماع وزراء خارجية دول الجوار مع العراق . وكانت صحيفة "حريت" التركية أفادت في 2 نوفمبر 2003 أن مسؤولين كبار رافقوا وزير الخارجية عبدالله غول لدى زيارته سوريا، أكدوا صحة الأنباء المتعلقة بالنشاط الإسرائيلي في العراق. وزاد المسؤولون الأتراك بأن بلادهم ستخرج عن صمتها في حال تأثير تلك الأنشطة على البنية الديمغرافية في المنطقة. وكشفت الصحيفة النقاب عن أن أجهزة الاستخبارات التركية رصدت شراء إسرائيل أراض في العراق عن طريق يهود أكراد .

تتشعب القضية أكثر فأكثر، وتتصل بأكثر من محور متفرع عن لافتة إسرائيل _ العراق، التي يبدو أن قضية اليهود العراقيين فيها لا تمثل إلا رأس جبل الجليد . في حين تخفي مياه الأحداث الساخنة في الشرق الأوسط الكتلة الأساس . فمن جانب إستراتيجي ، تردد بقوة في نوفمبر 2001 أن ثمة مشروع تسعى الإدارة الأمريكية علاوة على بريطانيا لتسويقه عالميا يقضي بإنشاء دولة فلسطينية في شمال العراق . غير أن المفوض العام لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم "الأنروا" بيتر هانسن رفض في الشهر ذاته (دقة ما يتردد حول الموضوع) . وأشار مراقبون وقتئذ إلى أن المشروع يهدف إلى إستيعاب عدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين في شمال العراق ، في مقابل إستيعاب لبنان مجموعات من الأكراد العراقيين في جنوبه في المناطق المتاخمة لإسرائيل ، على أن تكون لمناطق الحكم الكردي بوابة بحرية عند شاطيء "الناقورة" . وكان هانسن زار بيروت في نهاية 2001 ، الأمر الذي حدا بمحللين للقول بأن زيارته تضمنت أبعاد إقليمية حول توطين اللاجئين الفلسطينيين والأكراد على حد سواء.
وكانت صحيفة "أوبزرفر" البريطانية زعمت في 21 مايو 2000 أن الرئيس العراقي السابق صدام حسين أجرى مفاوضات سرية مع إسرائيل بهدف إستضافة 300 ألف لاجيء فلسطيني من المقيمين في لبنان ، فضلا عن إعلانه تأييده مشروع السلام في الشرق الأوسط ، في مقابل أن تبذل إسرائيل جهود لدى الولايات المتحدة لإنهاء الحصارالذي كان مفروضا على بغداد.
ومن جانب ثان يصب لجهة المصالح الإستراتيجية ، زرعت صحيفة "المانفيستو" الأسبانية شكوكا واسعة بتساؤلاتها في ديسمبر 2003 عن التغلغل اليهودي في العراق . وذهبت الصحيفة إلى رصد ما تقول أنه نشاط إقتصادي وإعلامي يرجع لليهود في العراق. وفي السياق ذاته ، تواترت تقارير عن شراء يهود قادمين من إسرائيل أصول فندق "زهرة الخليج" في شارع السعدون وسط بغداد، فضلا عن عقارات أخرى في شارع فلسطين.وأكدّت صحيفة الغارديان البريطانية في وقت سابق أن جزءاً كبيراً من عمليات الشراء ، تديره مكاتب (زيل) في القدس المحتلة التي تؤول ملكيتها إلى محام يهودي أميركي الجنسية.

ومن جانب ثالث، لكنه ليس الأخير في هذا السياق ، تساور الإسرائيليون أحلام كبيرة في استئناف تشغيل أنبوب النفط الذي كان يربط بين الموصل وحيفا إلى 1948 ،وفي هذا الخصوص أكدت صحيفة يديعوت أحرونوت في 9إبريل2003 أنه تقرر في المداولات بين مكتب رئيس الوزراء أرييل شارون ومكتب وزير البنى التحتية يوسف بريتسكي، تكليف بريتسكي مناقشة تنفيذ هذا المشروع. بريتسكي بدوره سارع إلى التأكيد قائلا(إن لدي معطيات تفيد بأن الحرب في العراق ستؤثر بشكل حاسم على اقتصاد الطاقة الإسرائيلي، فهناك اتصالات رسمية، وحسب بريتسكي، فإن تشغيل الأنبوب من شأنه أن يخفض أسعار الوقود بنحو 25%، وحيفا ستصبح روتردام الشرق الأوسط!!).‏
غير أن العراقيين _عبر مسؤول كبير في وزارة النفط _ نفوا أن يكون لديهم تفكير بهذا الشأن. ويرجح محللون أن يتذرع الإسرائيليون بقضية اليهود العراقيين وإمكان تسهيل حركتهم بين البلدين للتغلغل في نسيج الإقتصاد العراقي، ودفع الشركات الإسرائيلية إلى عمق بلاد الرافدين. وفي سياق ذي صلة، أوضحت صحيفة معاريف 30مارس2003 أن "إسرائيل" ستنالها حصة في عمليات "إعادة إعمار العراق" . ونقل عن وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم قوله( إن بإمكان "إسرائيل" أن تساعد في جملة من المجالات بما فيها الطب والإغاثة والإرشاد للخبراء العراقيين) . وتشير المصادر الإسرائيلية السياسية إلى أن الإسرائيليين يملكون ميّزات على الأميركيين والأوروبيين في مجالات إستغلال المياه والزراعة في العراق نظرا للطبيعة الصحراوية التي يجيد الإسرائيليون التعامل معها .
وكشفت الصحيفة الإسرائيلية في 11 إبريل 2003 عن مفاوضات بين شركات إسرائيلية وأخرى أميركية وبريطانية بشأن المشاركة في "إعادة إعمار العراق" في مجال الإلكترونيات والإتصالات والبناء . وزادت الصحيفة بأن هذه الشركات تجري اتصالات مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية المختصة بعقود إعادة اعمار العراق، مشيرة إلى أن الشركات الإسرائيلية تسعى لإقامة شراكة مع شركات بولندية حازت الموافقة للإسهام في بعض مشروعات إعادة الاعمار.‏

البلد الذي أستأثر بإهتمام إقليمي ودولي غير مسبوق على مدى عقود طويلة، نظرا لثرواته الضخمة، وتأثيره الواضح على مستويات عدة، يسيل لعاب الإسرائيليين، ويحرّك حتى أشجانهم بخصوص "سبي بابل" . ذلك التاريخ الورائي المتجدد في ذاكرة اليهود . كون العراقيين منذ آلاف السنوات ألحقوا بهم هزائم نكراء، وساقوهم سبايا وأسرى إلى بابل. لكن بابل اليوم ، بكل ثرواتها النفطية والمائية ، ليست بابل الأمس . فالعراق الذي كان إلى حد ما يهدد إسرائيل، بات ممكنا التسلل إلى داخله، وإقتسام فوائده مع الآخرين. ولعل الورقة الأهم في الخطة الإسرائيلية، هي يهود العراق . فمن خلالهم، يمكن _ إلى حد ما _ طرد شبح إسرائيل الرسمية من الأذهان، لتظلّ المخيّلة ترسم صورة لمجرد عراقيين ينشطون في المطالبة بحقوقهم، وربما العودة لوطنهم والاستثمار فيه. غير أن النشاط الإسرائيلي المحموم في إتجاهات مختلفة بخصوص العراق، يسقط هذه الفرضية، ويضع أسئلة كبرى على الطاولة العربية.