مملوكك لكني سلطان العشاق
في مطعم إيطالي فخم، على مقربة من فندق كمبرلاند في لندن، تناولنا طعام الغداء رفقة أصدقاء له من بينهم الصحفي محمد الحسن أحمد . كان الطيب صالح قد دعاني قبلها بيومين. كعادته ، كان بسيطا وجميلا بإنسانيته .
لاحظت أن النادلة الاطالية التي كانت تزحف إلى الخمسينات "برشاقة" ، تمازحه بشكل دال إلى علاقته الوثيقة بالمطعم . يبدو أنه جعل الطعام الايطالي مذاقا دائما لضيوفه في لندن . قال لي أنه يسكن بيتا هادئا خارج لندن، ويتطلب أمر وصوله إلى شارع أكسفورد زهاء 40 دقيقة بالقطار. دارت معظم الأحاديث حول السياسة السودانية . لا يبدي الطيب صالح في مثل هذه المناسبات أي قدر من التشاؤم أو التفاؤل حيال المستقبل المنظور. فهو ، على الأرجح، يكتفي بالاستماع . ينفث الدخان، ويحتسي القهوة السوداء ببطء . كان شكا لي قبلها بعامين في الرياض من ارتفاع ضغط الدم . لكنه لم يكن ينوي أبدا الاقلاع عن التدخين أو القهوة . فقط قلل من تناولهما .
انتقلنا إلى مقهى في شارع ادجوار يدعى "أبوعلي" بعد الغداء ، لأسأله عن اختياره كواحد من أفضل مئة كاتب في تاريخ العالم . لم يعر الأمر انتباها كبيرا . لكنه كان كمن يستكثر - في تواضع غريب - على نفسه وضعه مع كتاب كبار - ذكر لي تولستوي وهيمنجواي - ، وقال ساخرا ( ياخي أنا البيوديني مع الناس ديل شنو ). ليس ذلك النوع من التواضع الزائف. فهو، على الرغم من ادراكه مدى شهرته، واهتمام الآخرين به، إلا أنه كان مصرّا على أن ما حدث له محض صدفة . قال لي أنه ليس كاتبا بالمعنى المعروف. وشرح الأمر بأنه كان يرغب في قول شيء ، وقاله :( ياخي الناس عاملين لي حكاية ساكت، أنا مجرد تربال - فلاح - بسيط ، قاليهو كلمتين وخلاص) .
من خلال علاقتي به ، ولقاءاتي المتكررة معه، أدركت أنه يؤمن فعلا بما قاله . هو شفاف إلى حد بالغ . أنيق في إنسانيته . ولا يعتبر نفسه أفضل من بقية خلق الله في شيء . في داخله، فلاح بسيط بالفعل . فلاح يتهجى الحروف بثلاث لغات، وتترجم أعماله إلى أكثر من عشر لغات. متيقن في أعماقي، بعد سنوات من معرفتي بالطيب صالح، أنه يكره الرياء ،ويؤمن بالإنسان!
حين أصحبه دائما إلى مطعم لا يقدم سوى "الفول" بالحاح منه، رافضا فكرة التوجه إلى مطعم فخم نكمل فيه سهرتنا البسيطة ،كان يستمتع كثيرا بالعشاء . يحس حينها بأنه قريب جدا إلى (كرمكول)، بلدته الصغيرة في شمال السودان. يحن إليها حنينا عجيبا ( تعرف، أنا متمني أرجع الشمالية . هناك عندنا شجرة نيم كبيرة في الحوش، عايز أخت - أضع - عنقريب واطيء - سرير منخفض - تحتها وأنوم ). يسأل دائما عن أخبار فلان ، وأحوال علان من معارفه .
حين قابلته في آخر مرة مطلع هذا العام ، كان حزينا جدا لرحيل البروفسير عبدالله الطيب . تحدث عنه طويلا . قال بأنه كان يعوده أثناء مرضه في لندن . وكان حزينا كذلك لرحيل محمد شكري . حدثني باكبار عن أرملة د. عبدالله الطيب، الانجليزية الأصل . أمضت شهرين في لندن بعد وفاة زوجها، ثم عادت إلى السودان لتواصل حياتها التي ألفتها على مدى خمسين سنة بعيدة عن موطن الأصل، في وطن أضحى لها وطنا للذاكرة والجمال.
لم يكن قد مضى علي رحيل (ليوبولد سنغور) بضعة أشهر، حين دار بيننا نقاش عنه . بايماءاته الهادئة حدثني عن لقاءاتهما في (أصيلة) التي شهدت تكريمه ونيله جائزة الروائي المغربي محمد زفزاف. استغرقت معه تماما في رصده العميق للثقافة لإفريقية وتلاقحاتها مع الثقافتين الانجلوسكسونية والفرانكفونية، وتيار "الزنوجة" الذي أسسه سنغور إلي جانب مبدعين أفارقة آخرين
في الجنادرية 2002 ، كان لقاء الطيب صالح بالروائي السوداني ابراهيم اسحق حدثا في حد ذاته كونهما يلتقيان للمرة الاولى . دار حوار عميق بين االرجلين حول الابداع فى السودان وخصوصا في جنوبه واتفقا بأن الاحتفاء الظاهر بأعمال أدبية غير عميقة المعنى يعكس خللا سياسيا فى المقام الاول فى حين أن أعمالا جديرة بالاعتبار لكتاب جنوبيين لم تنل ما تستحقه من عناية . وجهت سؤالا للروائييّن عن تقييمهما لرواية (طائر الشؤم) لفرانسيس دينق وهى الرواية التى أحدثت ضجة حين صدرت وفهمت من سياق حديثهما انهما يميلان الى فهم اهميتها من زاوية سياسية اذ لا تمثل قيمة فنية عالية. أولاد حاج الماحي يتسللون إلي حديثي معه عنوة فتدوي الطبول ونغرق في شجن صوفي .. يقول (جورج أمادو يستحق نوبل اكثر من غارثيا ماركيز( !
شاي ساخن ثم سيجارة , (قلت لي ابكر ادم لفت نظر جمال الغيطاني والله السودان دا فيهو عبقريات كبيرة خلاص) ! يتحدث عن الشيخ المجذوب , ( يا اخي دا شاعر فحل ) . يحب شعر المجذوب والمدائح النبوية بصوت أولاد حاج الماحي
اتجرأ : إنت عندك رأي في الأنثى السودانية ... لي شنو عرست خواجية ؟؟؟
يضحك : (والله يا اخوي انا مرقت من البلد بدري وما كان في طريقة ارجع عشان افتش مرة سودانية ) . يهوّم في الأجواء الأسكتلندية . يصفهم بأنهم بدو الإنجليز . يسبغ عليهم أوصافا غير مألوفة .( بعدين يا خالد انا زوجتي دي ما كنت حألقى أحسن منها . فاهماني وفاهمها ومرتاح معاها).
يهوى البذلات الداكنة والقمصان الرمادية . يصعد إلي غرفته في الحادية عشر , ويتحاشي الصحافة..( يا أخوانا نحن اخدنا فرصتنا كفاية امشوا للشباب بعد كدة) !
قال ان اروع أمانيه حوش كبير وزير موية وشجرة نيم هناك في الشمالية .
(ليشنو بتحب جون كيتس) ؟ يقول (والله انا بستمتع بشعراء كتار) . أقول :(زي منو) ؟ يرد (عندك امبسون مثلا) . يتلفت ببطء ويشعرك بحميمية دافئة . يتحدث علي مهل وترف ابتسامة عذبة علي طرف فمه . ابونواس , البحتري وجماعة الاكبريين في الجامعة الانجليزية العتيقة . هل يسهل علي الإنسان الاعتراف بعجزه عن فهم بن عربي ؟ يرشف القهوة ويتابع , (انا بسمع احمد المصطفي وعثمان الشفيع ووردي وابو داؤود) !( ايوة بثينة خضر مكي قابلتها في القاهرة وافتكر انها زولة مبدعة) . يقول (تعرف انا عندي روايات نشرت في إسرائيل , أخوانا الفلسطينيين لو وصلوا لي اتفاق وسمحوا لينا بي زيارة إسرائيل انا حأمشي أطالب بحقي) !
البرد عاصف .يتوقى بمعطف شتوي ثقيل، ويخطر في ردهات الفندق . سيجارة أخري، وربما نزهة حول الفندق مع خالد القشطيني. إضاءات من كليةو تراءى لي جالسا علي الشفق يفرد جناحيه علي الدنيا، محققا طلبي ذات صباح حين رجوته أن يقرأ بصوته الجميل معزوفة الفيتوري (لدرويش متجول) ، وراح يشدني معه إلى فضاءات يرقص في نواحيها البخور، وتترنح الأغنيات الصوفية :
في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق