بغداد - د ب أ (من آن بياتريس كلاسمان)
ما زالت الشكاوى المألوفة تتردد في شوارع بغداد حيث يمكن سماع عبارات مثل "لا توجد كهرباء ولا أمن ولا وقود" أو "أنا لم أتقاضى راتبي منذ شهور". فالحديث في العاصمة العراقية يدور في هذه الآونة حول العوز والخوف ونقص الاحتياجات.
وما يدعو للدهشة أن المعارضة تكاد تكون معدومة للحرب التي قادتها الولايات المتحدة العام الماضي للاطاحة بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي استمر ثلاثة عقود.
ولكن يبدو أن الجميع يتحدثون عن معارضة احتلال العراق بواسطة قوات أجنبية تحت قيادة أمريكية.
ويأسف العراقيون الذين يعيشون في المناطق الخاضعة للسيطرة الامريكية بسبب استمرار التواجد العسكري لجنود شباب يتولون حراسة نقاط التفتيش المنتشرة في كل مكان.
وهناك أسباب كثيرة وراء الاحساس بخيبة الامل الذي يبدو أنه ترسخ في أذهان العراقيين على رأسها معرفتهم المشوبة بالمرارة بأن الحياة اليومية في عراق اليوم أصبحت تتسم بالعنف والعوز.
وقال أحد المراقبين الاجانب في العاصمة العراقية "إن الشعب هنا منهك بسبب الحرب والصراع فقد نالوا كفايتهم من الصراع اليومي ضد الخوف بل والكفاح لتوفير احتياجات الحياة الاساسية".
وكان العراق منذ عام مضى دولة يعاقب فيها بالاعدام كل من يمزح بشأن الرئيس وكان جهاز الشرطة السرية يشيع الفزع بين المواطنين. ولكن أصبح من الممكن اليوم التطرق بشكل علني إلى القضايا السياسية.
ويمكن الان للشخصيات التي كانت معارضة لصدام بما في ذلك الشيعة وغيرهم من أعضاء الجماعات الدينية والعرقية الاخرى التحدث عن مستقبل العراق دون خوف أن يسمعهم أحد أو أن يتعرضون للعقاب. وبالتالي فهم على استعداد لتحمل الاحتلال
الامريكي على الاقل في الوقت الراهن.
ولكن المسألة مختلفة تماما بالنسبة للمواطنين خارج المعترك السياسي مثل المواطنة دينا مدرسة تكنولوجيا المعلومات التي تعيش في بغداد وترى أن عراق اليوم هو دولة بلا مستقبل.
فقد فقدت دينا وهي مسيحية عملها عندما دمر اللصوص مركز الحاسبات الذي كانت تعمل فيه في اليوم الاول من الغزو الامريكي.
وهي تستعد الان بعد أن ضاقت من العيش في خوف من هجمات العصابات الاجرامية أن تغادر العراق برفقة أمها في فرصة أفضل للعيش بالاردن.
وتقول دينا إن الملل بدأ يتسرب إليها مضيفة "إن عدم النشاط يدفعني إلى الجنون".
وفي الوقت الذي يلجأ فيه البعض مثل دينا ووالدتها إلى الهجرة فإن العراقيين الذين لهم نشاطات سياسية وكانوا قد فروا من البلاد إلى إيران أو بعض الدول العربية فرارا من خطر الموت أو التعذيب بدأوا يعودون إلى العراق مرة أخرى.
ويتساءل أحد الباعة الجائلين في الفلوجة "أي الدولة? أين النظام العام?" حيث شهدت تلك المدينة بعضا من أسوأ موجات العنف منذ انتهاء الحرب "رسميا".
ويجد كثير من العراقيين مثل هذا البائع الغاضب صعوبة في التكيف مع الفراغ العراقي الذي حدث بالعراق بعد نهاية نظام حكم صدام حسين.
ويتفاقم احساسهم بالغضب عندما يخبرهم الجنود الامريكيون بأنه لا داعي لاحداث جلبة بشأن هذه المسألة لان معدلات الجريمة بالعراق لا تفوق معدلاتها في لوس أنجليس أو شيكاغو.
ولم يشهد العراق حالة استقرار حقيقية منذ بداية الثمانيات. فقد تركت سنوات الحرب والثورة والعقوبات الاقتصادية وأخيرا انهيار أجهزة الدولة بشكل كامل آثارا عميقة في نفسية المواطن العراقي.
وتعلم العراقيون بسبب احساسهم بالخطر الدائم الفصل بين السياسة وشئون حياتهم اليومية.
وأصبحت الايديولوجيات السابقة مثل عهود أنصار صدام حسين الجوفاء بإرسال جيش لتحرير القدس تثير الغضب في عراق اليوم.
ولم يعد باقيا سوى الدين الذي كان وسيلة هامة للتنفيس عن خيبة الامل اليومية في عهد النظام السابق.
ولم يعد باقيا سوى معرفة المرء بأصوله وقبيلته وديانته التي يمكن أن تهون عليه صعوبات الحياة وتوفر له الحماية في أوقات عدم الاستقرار.
|
