غداة وقوع بغداد في قبضة الأمريكيين بساعات يصف مراسل العربية، الخاتم محمد المهدي ، وزميله المصوّر صلاح كنعان الطريق الذي ولجت منه الآليات العسكرية الأمريكية الى قلب العاصمة العراقية ، بأنه كان عبارة عن مزيج من مشاهد مؤلمة ستبقى عالقة في الذاكرة لفترة طويلة.
فالسيارات المحترقة كانت منتشرة على أمتداد الطريق باعثة على الفزع، وجثث آدمية مبعثرة ينبعث منها الدخان متماهيا برائحة الشواء .
لم تترك الآليات الأميركية شيئا يتحرك الا وأستهدفتها بالقصف ، لتخلّف مئات الاجساد المتفحمة ، وأخرى تحترق ببطء ليختلط الدخان المنبعث منها ، بالدخان الذي كان يلّف بغداد بأكملها راسمة لوحة سريالية تعبّر عن الخسارة الحقيقية للبشرية في أي حرب تخوضها : الانسان بحد ذاته .
في لحظة ، قد يتحول الشاهد ذاته الى ضحية من ضحايا الحرب. هذا ما تعرّض له المهدي وكنعان في طريق تكريت حيث فتح الأمريكيون النار على السيارة في المرة الأولى، ونجيا بأعجوبة عندما اخترق الرصاص جسد السيارة مخلفا ثقوب كان يمكن أن تكون في جسديهما . وفي طريق العودة ، لم يكن الحال بأفضل من المرة الأولى . فنيران القوات الأمريكية حاصرتهما ثانية ليعيشا لحظات فاصلة بين الحياة والموت .
|
كانت التجربة بالنسبة للمهدي ، وربما لعدد من رفاقه الستة الذين سلكوا طرقا معقدة وشائكة من الحدود السورية وصولا الى بغداد ، هي الأولى في رصد المشاهد اليومية لحرب ما .
كان الفريق الذي يتألف من صحفيين ومصورين تابعين لقناتي العربية وmbc قد نجح في الحصول على سيارتين مملوكتين لعراقيين في سوريا ، وهي مهمة كانت بحد ذاتها مستحيلة كون الحرب أندلعت وما من سبيل لاقناع سائق بالتوجه الى مدينة تقصف يوميا بعشرات الأطنان من المتفجرات.
وعند الحدود السورية العراقية ، واجه الفريق متاعب أضطرته للمكوث ساعات طويلة حتى تفرغ السلطات على طرفي الحدود من تفتيش الأمتعة والمعدات التلفزيونية التي ختمتها المخابرات العراقية بالشمع الأحمر ، مع أوامر مشددة بألا يتم فتحها الا في مبنى المخابرات في بغداد . كانت بحوزة المصوّر صلاح كنعان كاميرا صغيرة ، خبأها بعيدا عن أعين المخابرات العراقية . ولهذه الكاميرا التلفزيونية الصغيرة ارجع كنعان الفضل في تصويره مشاهد مهمة من الحدود السورية الى الفلوجة (60 كلم جنوب غرب بغداد)، ثم سامراء حتى بلغ الفريق بغداد . غير أن ثمن الوصول الى بغداد كان باهظا . ففي الطريق المفضي للفلوجة ، كان القصف لا يخطيء الا نادرا أي سيارة . وكانت مهمة السائقين العراقيين صعبة في التسلل الى الفلوجة عبر طريق طويل ومكشوف على مدى ثمانية ساعات .
|
حين وصل الفريق الى الفلوجة في حدود الثانية عشر ظهرا ، لم يكن بمقدورهم التقدم الى بغداد التي كان الطريق اليها عبارة عن جحيم . الفلوجة نفسها استحالت الي جحيم من نوع آخر ابتداء من الثالثة ظهرا . وشاء الحظ العاثر أن يحط الفريق رحاله على بعد كيلومتر واحد من معسكر للجيش العراقي أستهدفته القاذفات الأمريكية بشكل مكثف . لم يكن الأمريكيين وحدهم ، اذ سرعان ما أستدرجت مليشيات حزب البعث الفريق ليخضع لتحقيقات مطوّلة في مقار الحزب المختلفة في الفلوجة . ولم تنته رحلة الفريق مع المليشيات الا قبيل الفجر .
في اليوم التالي ، حاول الفريق مرة أخرى مواصلة التقدم الى بغداد ، غير أن المحاولة منيت بفشل ذريع ، اذ كانت المدرعات الأمريكية سدّت الطريق مانعة أية سيارة من التقدم. مما جعل الفريق يسلك طريقا آخرا الى سامراء (100 كلم شمال بغداد) ليبلغ بغداد في حدود الثالثة عصرا (7 أبريل 2003 ) . وفي هذه المرة ، خلا الطريق من الأمريكيين . غير أن بغداد كانت تحت وابل من القصف الشديد ، في وقت كانت المضادات الأرضية العراقية تخلق تنويعا في سيمفونية الحرب .
وانقطعت الاتصالات تماما طيلة ثلاثة أيام بين الفريق الذي راح يمضي الى المجهول ، بينما ساد شعور في مقر العربية الرئيسي في دبي أن أعضاء الفريق لقوا حتفهم .
|
صباح اليوم التالي (8 أبريل 2003 ) ، كان الأمر مختلفا . فما كاد أعضاء الفريق يستريحون قليلا من عناء رحلة شاقة أستغرقت ثلاثة أيام لم يذوقوا فيها طعم الراحة ، حتى جرّبوا في الصباح طعم الذعر . كانت مكاتب تابعة لقنوات فضائية تعرضت للقصف . ثم دوت أصوات الانفجارات في فندق فلسطين في أثناء تناول أعضاء الفريق افطارهم في حديقة الفندق ذاته . لقي صحفيان من رويترز حتفهما ، في حين أصيب صحفي عراقي وآخر يوغسلافي بجروح . يروي صلاح كنعان اللحظات العصيبة قائلا " كنت أهم بتناول قدح من الشاي على باب الخيمة المنصوبة في حديقة الفندق ، حين أهتزت الأرض تحتي ، وألقى زملائي بأجسادهم على الأرض ومثلهم فعلت، غير أني سرعان ما خطفت الكاميرا لأرصد المشهد المأسوي " .
ولم يدرك الفريق الذي أستقر في فندق شيراتون (500 مترا من القصر الجمهوري) الا متأخرا أن الفندق كان النقطة قبل الأخيرة التي تعبرها صواريخ "كروز" قبل أن تدك القصر المجاور. وكان صلاح يلهث وهو يجري بين الطابق الأول والعاشر محاولا قدر جهده العثور على أفضل موقع للتصوير ، فضلا عن تنويع اللقطات، وعندمامرّ الصاروخ الأول بعد منتصف الليل بقليل ، محدثا دويا هائلا ، وقع المهدي من على فراشه، ولم يذق طعم النوم بعدها .
|
في صبيحة سقوط بغداد (9 أبريل 2003) ، كانت عمليات النهب والسلب قد أجتاحت منطقة الكرخ على الضفة الأخرى لنهر دجلة، وتم نقل معدات التصوير بسرعة من الطابق الأرضي الى الطوابق العليا خشية أن تتعرض للنهب والتخريب . حين رأى المهدي مجنزرة أمريكية تعبر ساحة الفردوس ، أدرك أن بغداد سقطت . ومن ساحة الفردوس حيث كان ينتصب تمثال "صدام حسين" دارت كاميرا العربية ، حتى معسكر الرشيد . في المشافي العراقية ، كانت المشاهد أفظع من شوارع بغداد . فريق طبي ، ظلّ يعمل في مدينة خير الله طلفاح لمدة 13 يوما متواصلة ، غير أن مهمته _ حسب المهدي _ كانت مربكة ومعقدة . اذ نفذت الامدادات الطبية وخصوصا الأدوية المنقذة للحياة منذ أربعة أيام نظرا لصعوبة نقلها من المستودعات الى المدن الطبية عبر طرق خطرة .
الأنوف لم تكن تشمّ سوى رائحة تخثر الجروح . وثمة عراقي جريح ، ملقى على فراش ، طال النهب فراشه ليترك على الأرض العارية .
غير أن تلك المشاهد لم تكن الأكثر فظاعة بالنسبة للفريق ، ففي منطقة الزعفرانية المجاورة لمعسكر الرشيد ، كانت القوات الأمريكية تقوم بجمع الذخائر والصواريخ لتفجرها تاليا بعد وضعها في خنادق حفرت لهذا الغرض . غير أن خطأ لم يعرف سببه أدى لاشتعال النار في عدد غير قليل من الصواريخ والقذائف ، ما أجبر القوات الأمريكية للتراجع بسرعة تاركة المنطقة بأسرها تحت رحمة الصواريخ والشظايا النارية المتطايرة، والى أن غادر الفريق منطقة الزعفرانية في الرابعة عصرا ، كانت الانفجارات تصم الآذان ، والجرحى ينقلون الى مشافي ليس بمقدورها تقديم أي عون.
ومن القصص المؤثرة التي يذكرها الخاتم قصة أسرة بغدادية مؤلفة من ثمانية أفراد كانت تتناول افطارها في الصباح وقد ارسلت طفلها ذو السبع سنوات ليجلب بعض الخبر، غير انه حين عاد ، لم يجد أثرا للبيت . كانت أسرته قد دفنت تحت الأنقاض.
لسنوات طويلة ، ستكون أيام الحرب ، محفورة في ذاكرة فريق العربية الذي قام بتغطية الحرب من هناك . مشاهد كثيرة ، لم يكن بالمستطاع بثها الى المشاهدين _ يعلّق المهدي _ ، احتراما للموت ، وتقديرا للانسان . وحين يمر الناس بالجثث الآدمية المحترقة دون مبالاة تذكر ، كما حدث في بغداد ، يصبح الموت مفردة يومية يألفها الناس ، فلا تشكل الحياة بالنسبة اليهم غير انتظار لموت قد يأتي في أية لحظة .
|
