لملم المخرج جورج إبراهيم جراحات الفلسطينين وعذابات حياتهم اليومية المحاصرة بالموت والتعب والشقاء ليصفيها في مسرحية لاقت إقبالا جماهيريا واسعا تحت عنوان "ابتسم انت فلسطيني". وما أن بدأ بيع التذاكر في مسرح وسينما "القصبة" حتى سارع المواطنون في رام الله لشرائها بعد أن أثار هذا العنوان جدلا داخليا في فكر كل من سمع عنها سواء من خلال وسائل الإعلام أو من خلال الملصقات التي علقت في مختلف شوارع المدينة .
وكأن هذا الفلسطيني الذي يطحن تحت جنازير الدبابات الإسرائيلية ويحاصره الموت في كل مكان ما زال يبحث عن ابتسامة قد تعطيه شحنة أمل لمستقبل ربما يكون أفضل على الرغم من الضبابية التي تلف هذا المستقبل .
ولعل توقيت عرض المسرحية جعل الجدل يحتدم أكثر وأكثر خاصة وأن عرضها تم تأجيله بسبب المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في رفح .
أسئلة كثيرة طرحها المشاهدون قبل بدء العرض وهم ينتظرون ظهور الأبطال على المسرح.. كيف ابتسم وأنا فلسطيني وهل لنا نصيب من الابتسامة .
لكن وبعد أن اعتلى أبطالها المسرح خيم الصمت على المشاهدين الذين يحدوهم الأمل بابتسامة، وإذا بالذاكرة تعود إلى تلك الأيام السوداء التي عاشها أهالي المدينة بتفاصيلها التي يصعب أن تمحى لشدة قسوتها وألمها.. أصوات سيارة الإسعاف تعلو على السكون الذي يخيم على القاعة وأصوات مكبرات الصوت تامر المواطنين بالتزام منازلهم فعملية (السور الواقي) العسكرية قد بدأت في رام الله لتمتد إلى كافة مدن الضفة .
ضحك المشاهدون كثيرا وهناك من اختلط ضحكه بدموعه فالمسرحية تتناول قضايا تمس، واقعهم اليومي بكل ما فيها وتنتقل إلى الصراعات النفسية الداخلية عند كل فلسطيني فالطموح حتى بمغادرة المنازل والخروج إلى الشارع وممارسة الحياة بشكلها الطبيعي أصبحت ضربا من المستحيل. وقدمت المسرحية التي جاءت بقالب كوميدي أسود بأشكال فنية مختلفة من التمثيل والرقص والموسيقى مما جعل الابتسامة غير مستحيلة .
معد المسرحية ومخرجها جورج إبراهيم يقول إنه وبعد مرور عدة سنوات على قساوة الوضع والحياة التي "نعيشها أخذت مسؤولية كتابة هذه المسرحية من جديد وبرؤية فلسطينية خالصة تتحدث عن حياتنا التي لا أعرف كيف اسميها فهي مزيج من كل التسميات متوخيا فتح بعض الملفات العالقة التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني داخليا لكي نتوصل معا إلى ايجاد مادة للنقد حيث تصور المسرحية حياة فتاة فلسطينية أصرت على العودة إلى وطنها رغم الاحتلال والانتفاضة فتزوجت من صحافي فلسطيني إلا أنها اصطدمت بعدم قدرتها على ممارسة حياتها الطبيعة بسبب الاحتلال لكنها رغم ذلك تصر على البقاء وعلى عدم الهجرة".
وتعتبر هذه المسرحية واحدة من بين العديد من العروض الذي شهدها مسرح القصبة بقالب الكوميديا السوداء التي أخذت أشكالا عديدة في ظهورها على المسرح لتعبر عن الحياة اليومية الفلسطينية حسب الفنان حسام أبو عيشة الذي شارك كلا من الفنانين كامل الباشا وجورجينا عصفور ومحمود عوض في تمثيل مسرحية (ابتسم انت فلسطيني). وقدم أبو عيشه العديد من العروض المختلفة لكوميديا السوداء التي لم تجد تجلياتها إلا في ظل الأزمات.
|