القاهرة- خالد حنفي
لم تكد آثار الأزمة التي نشبت بين ليبيا والسعودية في القمة العربية قبل الأخيرة في شرم الشيخ بمصر مارس 2003 تهدأ حتى اشتعلت أزمة جديدة بين البلدين فقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز يوم الخميس الماضي عن خطة ليبية كانت تستهدف اغتيال الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي عهد السعودية وزعزعة استقرار المملكة.
ورغم نفي ليبيا على لسان وزير خارجيتها عبد الرحمن شلقم أية علاقة لها بهذه الخطة، إلا أنه يتوقع تصاعد هذه الأزمة لتأخذ مسارات أكثر حدة من سابقاتها من الأزمات السابقة بين الدولتين لو وجهت المملكة اتهاما رسميا لليبيا بتورطها في هذه الخطة، حيث ستكون سابقة أولي في العلاقات العربية - العربية، وهو ما لم يحدث حتى هذه اللحظة حيث ساد صمت سعودي رسمي في مقابل حملات إعلامية من الصحف السعودية علي اختلاف تياراتها تندد بخطة ليبيا وتؤكد التفافها وراء ولي العهد.
كما ذكرت قراءها بالاتهامات التاريخية الموجهة للعقيد الليبي معمر القذافي في التورط في خطط اغتيال الكيخيا و الصدر وغيرهما وكذلك دعم الحركات الإرهابية وزعزعة استقرار عدد من الدول العربية والإفريقية.
اللافت أن هذه الأزمة تأتي في وقت تستعد فيه ليبيا للعودة للساحة الدولية بعد أن أجرت تحولات جذرية علي سياستها الخارجية بدأت بإعلان تخليها عن دعم "الإرهاب" واستعادة علاقتها مع أوروبا، وإنهاء العداء مع الولايات المتحدة وتسوية ملف أزمة لوكيربي بقبول المسؤولية ودفع التعويضات، بل ووصل الأمر حتى الاعتراف بامتلاك أسلحة دمار شامل و التعهد بتدميرها وكذلك اعتبار إسرائيل لا تمثل خطورة علي الأمن القومي الليبي.
واستهدفت هذه السياسات الجديدة في مجملها "إعادة تعريف جذرية للجماهيرية الليبية"، وتحويلها من صورة "الدولة الثورية" المشاغبة لجيرانها وللقوي الكبرى إلى نمط "الدولة المتكيفة" مع قواعد النظام الإقليمي والدولي وتتواصل مع الفاعلين فيه وفق أطر يقبلها الطرفين.غير أن إعادة التعريف الليبية تلك يبدو أنها لم تكتمل كلها حتى الآن، حيث ظلت هناك مناطق توتر كامنة تظهر وتخبو في العلاقات الليبية مع بعض الدول خاصة في المنطقة العربية التي انسحب منها القذافي أيديولوجيا لصالح توجهه الإفريقي الجديد، ومن هذه الدول المملكة العربية السعودية، حيث تملك ليبيا ميراثا من التباين والشقاق في وجهات النظر مع المملكة، لم تلغيه فترات الود التي اتسمت بقصر مدتها مقارنة بطول فترات التوتر التي بدأت منذ عام 1969 وهو عام صعود القذافي إلى سدة الحكم في ليبيا. وفهم هذا التباين التاريخي و المتغيرات التي طرأت عليه في السنوات الأخيرة ربما يكفل سبر أغوار الأزمة الحالية بين ليبيا والسعودية سواء خفتت أم تصاعدت ويكفل أيضا رسم سيناريوهات المستقبل للعلاقة بين البلدين خاصة في ظل متغيرات تشهدها الساحة العربية منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في 9 أبريل 2004 .
|
أربعة محاور أساسية مثلت أرضية التباين الليبي السعودي منذ صعود القذافي إلي السلطة عام 1969، و حتى نهاية الحرب الباردة وبعض هذه المحاور استمر بعد انتهاء هذه الحرب وحتى الآن.
و أول هذه المحاور هي الرؤية للإسلام فكلا الدولتين تتفقان علي أن أن ثمة دور عالمي يجب أن يلعبه الإسلام، إلا أنهما تختلفان في فحوى هذه الرؤية وكذلك طبيعة الدور، فليبيا تنظر نظرة ثورية للإسلام يمكن توفيقه مع الرؤى القومية والاشتراكية والناصرية، ويرجع البعض ذلك لتأثر القذافى بالطبيعة الصوفية للحركة السنوسية التي انتشرت في منتصف القرن الـ 19، وكذلك اصطدامه بالجماعات الإسلامية التي تسعي ليكون الإسلام مشروع سياسي بل أنه حاول استئصالها بطرق عنيفة، كما كان دائما ما يوجه انتقادات حادة لجماعة الإخوان ذات التوجه المعتدل بسبب عدائهم للرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي كان زعيما للمد القومي العربي في فترة الخمسينيات و الستينيات.
في المقابل رأت السعودية وتأثرا بمنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الإسلام لا يتفق مع تلك الأفكار الغربية، وأنه يجب تنقيته مما لحقه من شوائب ورأت أن الإسلام لا يرتبط فقط بالعالم العربي بل بالعالم الإسلامي كله، ومن هنا لعبت السعودية دورا في الدفاع عن العقيدة الإسلامية ودعم قضايا المسلمين في العالم سواء في المنقطة العربية أو في الشيشان والبوسنة وغيرها من قضايا العالم الإسلامي، كما احتضنت منظمة المؤتمر الإسلامي.
هذا التباين في الرؤى لدور وطبيعة الإسلام، دفع القذافي إلي رفض الرؤية السعودية للإسلام، بل إنه حث المسلمين في 19 أكتوبر 1980 إلي عدم القيام برحلة الحج لأن الأراضي السعودية والأماكن المقدسة بها تحت الاحتلال الأمريكي علي حد تعبيره، وبعد ثلاثة أيام أعلنت السعودية قطع علاقاتها مع ليبيا نظرا لأن القذافي "يستخف بالإسلام، بل إن هذا الخلاف دفع القذافي في الثمانينات إلي مساندة إيران في حربها ضد العراق، بالرغم أن قضية الوحدة العربية كانت علي رأس أولويات السياسة الخارجية الليبية في هذه الفترة، ومن أجلها سعت ليبيا إلي الدخول في محاولات وحدوية مع عدد كبير من الدول العربية.
غير أن هذه المحاولات لم تفشل فقط، وإنما انتهت إلي توتر مع عدد من الدول العربيةالمحور الثاني كان اختلاف مواقع الدولتين من تأييد المد القومي العربي، فرغم أن القذافي لم يعايش الزعيم المصري عبد الناصر سوي عام واحد، إلا أنه اعتبره مثله الأعلى ودفعه ذلك إلى تقليد الخط الناصري رغم عدم امتلاكه لقدرات عبد الناصر الكاريزمية إلا أنه اعتقد أنه سيحظى بالزعامة العربية التي حظي بها عبد الناصر، فقد انتقدت ليبيا ما سمى آنذاك بمعسكر النظم الرجعية التي كان تصنف فيه السعودية، في المقابل عملت المملكة تحت حكم الملك فيصل الراحل علي تقليص المد الثوري في المنطقة العربية، بل إنها شجعت التقارب المصري تحت حكم السادات مع الولايات المتحدة لإخراج مصر من منظومة الدول العربية الثورية.
أما المحور الثالث فهو العلاقات مع القوي الغربية، فقد اعتبرت ليبيا منذ ثورة الفاتح وحتى قبل الانفراج الأخير في العلاقات مع الغرب، أن الولايات المتحدة رمزا لـ"لإمبريالية المستغلة " الذي يجب مكافحته في المقابل ناصبت واشنطن القذافي العداء واعتبرته مصدرا لزعزعة الأمن ووصفت الخارجية الأمريكية ليبيا بأنها "دولة مارقة" تدعم "الإرهاب"، واتهمتها بالمسؤولية عن انفجاري روما وفيينا في ديسمبر 1985، بل أن واشنطن حاولت اغتيال القذافي نفسه حينما قامت طائراتها بقصف مقره في طرابلس في عام 1986 لكنه نجا وتوفيت ابنته بالتبني.
في المقابل فإن السعودية تؤكد علي التحالف الاستراتيجي الوثيق مع القوي الغربية ولا تري المملكة تناقضا بين علاقتها مع الغرب وموقفها من الرافض للاحتلال الإسرائيلية، بل إنها ترى أن علاقتها بالغرب قد تخفف من وطأة تطرف الاحتلال الإسرائيلي.
المحور الرابع هو السياسات البترولية المتناقضة علي طول الخط للبدين، فرغم أن البلدين عضوان في أوبك إلا أن ليبيا كانت دائما و حتى الآن " الشريك المخالف" لقرارات المنظمة ففي مطلع عام 1982 شهدت البلدان حربا كلامية حيث اتهمت ليبيا السعودية بتعمد زيادة إنتاجها من البترول لخدمة المصالح الأمريكية، و في مارس من نفس العام دعا القذافى إلى الثورة في السعودية قائلا" إن دخل السعودية من النفط يبلغ 100 مليار دولار سنويا يتقاسمه 5 آلاف أمير سعودي".
وردت الصحف السعودية علي القذافي بتضييع أموال بلاده النفطية علي مغامرات خارجية وتمويل الحركات الإرهابية وأنه يمثل نموذجا "مثاليا للعميل الشيوعي وأنه اغتال الإمام موسى الصدر الزعيم الروحي للشيعة اللبنانيين". بل أنه في 11 مارس من نفس العام طالبت السعودية بطرد ليبيا من الجامعة العربية، أعقب ذلك فتوى من مجلس العلماء السعوديين بوصف القذافي بأنه "مرتد وخادم مطيع للشيطان ويحض الحجاج علي عدم الذهاب إلى مكة ..." ورغم عودة العلاقات بين البلدين في ديسمبر 1982 بعد أن دعت السعودية إلى وحدة الصف العربي في مواجهة العدو الإسرائيلي الذي كان قد اجتاح لبنان في نفس العام، إلا أن هذا الاستئناف للعلاقات لم يغير من التباين والشقاق في وجهات النظر بين البلدين.
غير أن الضغوط الدولية التي واجهتها ليبيا مع النصف الثاني من الثمانينيات حيث تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة أدى إلى تهدئة ليبيا نبرتها مع السعودية بعد إدراكها أن المملكة قد تكون سندها في أوقات الأزمات خاصة الدولية لما تمتلكه من علاقات مميزة مع الولايات المتحدة، وأبرز ما قدمته السعودية من دعم لليبيا كان بعد الهجوم الأمريكي علي طرابلس في 1986، حيث دعت المملكة إلى الدعوة لعقد قمة عربية لدراسة هذا الهجوم، إلا أن سوريا أعاقت الاجتماع آنذاك، وزار وزير الخارجية الليبي الرياض بعد نحو عام من الهجوم الأمريكي الرياض في بادرة أشرت علي تحسن نسبي في العلاقات بين البلدين.
|
مع تفكك الاتحاد السوفيتي وهيمنة قطب واحد على النظام الدولي، أضحت ليبيا في بداية التسعينات في مأزق كبير بسبب عدائها مع الولايات المتحدة القوة الأولى في العالم، وحالة عزلة إقليمية ودولية ونظرات سلبية لليبيا وزعيمها القذافي في معظم الصحف الغربية بل والعربية بأنه الممول للإرهاب في العالم، وتفاقمت أزمة ليبيا باتهامها في الضلوع في تفجير الطائرة "بان أمريكيين" فوق بلدة لوكيربي باسكتلندا عام 1988، ثم أعقب ذلك فرض عقوبات دولية عام 1992.
أدرك النظام الليبي أن هذه الظروف كلها، قد تكون الطريق لإسقاطه أو علي الأقل تهديد شرعيته بفعل التداعيات السلبية للحصار علي المواطنين، ومن هنا بدأ يتراجع عن مشروعاته الثورية، ويحاول تقديم ليبيا كدولة لها علاقات طبيعية مع دول العالم خاصة الغربي منه، فقد أنهي أزمته مع تشاد في عام 1994، وأوقف دعم أي حركات مسلحة أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتوقف عن مشروعاته الوحدوية الفاشلة مع الدول العربية.
كما حاول منذ النصف الثاني من التسعينيات لعب دور في إفريقيا خاصة بعد الدعم الإفريقي لليبيا في قمة واجادوجو عام 1998 بخرق الحصار الدولي، وأعلنت ليبيا تبرئها من المنطقة العربية، بل إن الزعيم الليبي دأب علي وصف العرب بأوصاف سلبية.
وعلي صعيد السعودية فقد بدأت السياسة الخارجية السعودية هي الأخرى بعد انتهاء الحرب الباردة في إعادة النظر في دورها الخارجي خاصة مع هيمنة الولايات المتحدة وحرب الخليج الثانية، وظهور قضية مكافحة الإرهاب في التسعينيات وبدأت المملكة في التركيز علي قضية التنمية والاستثمارات بجوار الدفاع عن الإسلام خاصة بعد انخفاض أسعار النفط كما حاولت المملكة لملمة أشلاء المنطقة العربية المنقسمة علي نفسها منذ الغزو العراقي للكويت.
وفي هذا السياق حاولت المملكة تصفية خلافات الدول العربية مع الغرب إدراكا منها بضرورة وحدة الصف في المنطقة بعد حرب الخليج الثانية، ومن هذا المنطلق توسطت في قضية لوكيربي في عام 1998، واستخدمت نفوذها بالاشتراك مع جنوب إفريقيا لدى الولايات المتحدة حتى تم تسليم المتهمين الليبيين المتورطين في القضية في 6 أبريل 1999 مع كفالة الضمانات بألا تمتد المحاكمة للقذافى ورجاله خاصة بعد مطالبات غربية بذلك . واعتقد الكثيرون أن الدور السعودي في لوكيربي كفيل وحده بإسقاط كل التباينات التي شهدتها العلاقات بين البلدين، إلا أن ثمة متغيرات استجدت أدت إلي توتر العلاقات مرة أخري، وأبرزها أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث دفعت هذه الأحداث إلى ارتفاع وتيرة التحول في سياسة ليبيا تجاه العالم الغربي، بل و تبني وجهة النظر الأمريكية في مسالة مكافحة الإرهاب حتى تثبت أنها تخلت عن ماضيها الثوري. ومنذ هذه الأحداث دأب القذافي علي اعتبار أن النهج السلفي للسعودية سببا في توفير مناخ لخروج الأصولية المتطرفة المتمثلة في تنظيم القاعدة الذي تتهم واشنطن بتدبير أحداث 11 سبتمبر، و ربما أبرز ما قاله القذافي في هذا الصدد في شهر أغسطس 2003، لقناة أي بي سي الأمريكية "المذهب الوهابي في المملكة مسؤول عن ظهور القاعدة ومجموعات إرهابية أخرى"، واتهم فيها "النظام في المملكة بأنه مبني على الأصولية"..
من جهة ثانية مثل الانتقاد الليبي المستمر للعرب متغيرا مؤديا للتوتر، حيث اعتبرت ليبيا أن الأنظمة العربية تخاذلت معها في قضية لوكيربي رغم أن أكثر من دولة عربية وعلي رأسها مصر بزعامة الرئيس مبارك والسعودية وتونس مثلت متنفسا اقتصاديا لليبيا إبان الحصار، غير أن الضغوط الدولية منعتهم من خرق الحصار علي الأقل علنا مثلما فعل الأفارقة في واجادوجو في عام 1998، وذلك لاعتبارات تتعلق بالروابط الاستراتيجية بين هذه الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية.
أما المتغير الثالث فتمثل في صراع المبادرات العربية حول السلام في المنطقة بين ليبيا والسعودية، ففي الوقت الذي تبني فيه مؤتمر القمة العربي في بيروت مارس 2002 مبادرة ولي العهد السعودي للسلام في المنقطة، تجاهل المؤتمر مبادرة القذافى بإقامة دولة إسراطين التي تجمع الشعبين الاسرئيلي والفلسطيني وهو ما أثر حفيظة ليبيا التي رفضت آنذاك التعليق علي المبادرة السعودية.
هذه العوامل الثلاثة تفسر جزءاً من توتر العلاقات الذي برز بقوة في السنوات الثلاث الأخيرة و كانت أبرز مؤشراته المشادة العلنية بين القذافي وولي العهد السعودي في قمة شرم الشيخ مارس 2003، فقد قال القذافي خلال القمة العربية إن العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز قال له بعد الغزو العراقي للكويت في عام 1990 إن السعودية ستلجأ إلى الولايات المتحدة للدفاع عن نفسها في مواجهة الخطر العراقي وأنها على استعداد "للتحالف مع الشيطان" من أجل درء التهديد العراقي.
ولكن الأمير عبد الله قاطعه على الفور قائلا "السعودية ليست عميلة للاستعمار مثلك ومثل غيرك قل لي من جاء بك إلى الحكم؟ لا تتكلم في أشياء ليس لك فيها حظ ولا نصيب، الكذب أمامك والقبر قدامك"..وقد حاول القذافي احتواء تصاعد الموقف مع السعودية وأعلن في مقابلة مع التلفزيون المصري 4 مارس 2003 أنه يعارض قرار مؤتمر الشعب العام باستدعاء سفير بلاده لدى الرياض و أن العلاقات أخوية مع المملكة، غير أن ذلك لم يوقف تصاعد التوتر بين الدولتين والذي تعمق في وقت لاحق من نفس العام مع محاولة مواطنَين ليبيين الاعتداء علي وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في فندق بالقاهرة علي هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب.
واستمر التوتر أيضا برفض ليبيا للاقتراح السعودي بزيادة إنتاج البترول لتهدئة سعر النفط عالميا الذي اشتعل في شهر مايو الماضي وتجاوز حاجز الـ40 دولار، وذكرت صحيفة الوفد المصرية في 24 مايو 2004 أن فتحي عمر بن شتوان وزير النفط الليبي اعتبر الاقتراح السعودي بأنه خطأ.
وأكد انه لا يمكن للسعودية أن تقرر بمفردها زيادة الإنتاج، وكان هذا قبل اجتماع بيروت في يونيو 2004 والذي تعهدت فيه أوبك بزيادة الإنتاج، وهو ما هدأ أسعار النفط. بل إن القمة العربية الأخيرة في تونس شهدت أيضا تصريحات ليبية غير مباشرة ضد السعودية حينما أعلن القذافى أنه يتفق تماما مع السياسة الأمريكية في الكثير من الأمور وأنه معها ضد "الإرهاب"، وضد الأنظمة "الثيوقراطية الرجعية التي تستغل الدين"، وأنه في معسكر واحد مع أمريكا في محاربة العائلات المالكة، وهو ما فسره مراقبون بأنه إشارة واضحة إلى السعودية.
|
علي خلفية هذا التاريخ من التباين والشقاق بين ليبيا والسعودية في عدد من القضايا جاءت الأزمة الأخيرة التي كشفت عنها صحيفة نيويورك تايمز يوم 10-6-2004 ومفادها أن هناك خطة ليبية لاغتيال ولي العهد السعودي، وبغض النظر عن التفاصيل التي حملتها الصحف السعودية والأمريكية حول الخطة ومن اشترك فيها، إلا أن الأهم مناقشة تداعياتها علي العلاقات بين البلدين وعلي كل طرف علي حدا ( ليبيا والسعودية)، ومن ورائهما العلاقات العربية -العربية بشكل عام وهل بالفعل ستتصاعد الأزمة أم لا؟.
فعلي الصعيد الليبي فإن الكشف عن هذه الخطة يقلل من ثقة الغرب في سياسات القذافي الجديدة، وربما ما قالته الإدارة الأمريكية يمثل مؤشرا في هذا الصدد فقد صرّح أحد كبار مسؤولي إدارة بوش بعد الكشف عن هذه الخطة بأنه في حالة ثبوت أدلّة مقنعة، على أن العقيد القذّافي أمر بشنّ حملة اغتيال وإرهاب، أو تغاضى عنها فقد يسبّب ذلك تغييرا بـ180 درجة في السياسة الأمريكيّة تجاه ليبيا، كما قال بوش للصحفيين في سي ايلاند بجورجيا حيث حضر اجتماع قمة مجموعة الثماني "حينما نتوصل إلى الحقائق فسوف نتصرف وفق مقتضياتها"، ونفس الموقف اتخذته بريطانيا من الخطة الليبية.و اذا ثبتت صحة هذه الخطة الليبية فربما تساؤلات بشأن قرار الرئيس الأمريكي في أبريل الماضي بتخفيف الحظر التجاري والسماح للشركات الأمريكية بشراء النفط الليبي والاستثمار في ليبيا للمرة الأولى منذ عام 1986، كما قد تؤثر علي جهود ليبيا للخروج من قائمة وزارة الخارجية الأمريكية للدول راعية الإرهاب التي تفرض عقوبات تتضمن حظرا على تلقي مساعدات وأسلحة أمريكية.غير أننا نتوقع أن تسعي الولايات المتحدة نفسها إلي تهدئة هذه الأزمة بين البلدين لاعتبارات تتعلق بمصالحها فليبيا تمثل لها ليس مجرد دولة نفطية، بل أصبحت بالنسبة لإدارة بوش نموذجا يدل علي نجاحه في تحويل توجهات الدول المعارضة للسياسات الأمريكية، ومن ثم فانتكاس النموذج لا يصب في مصلحة بوش الذي يواجه تدني في شعبيته بسبب أزمته في العراق، وهو علي أعتاب الانتخابات الأمريكية في نوفمبر 2004 أما السعودية فيأتي الكشف عن هذه الخطة في وقت تخوض فيه مواجهة داخلية مع هجمات العنف من المتشددين من أنصار تنظيم القاعدة، وهو الأمر الذي يجعل من مصلحة السعودية عدم التعليق رسميا علي الخطة الليبية إذ أنها ستزيد من المخاوف حول استهداف الأمن في السعودية.
غير أنه من ناحية أخري فقد استفادت المملكة بشكل غير مباشر من الإعلان عن هذه الخطة الليبية خاصة علي صعيد تزايد التفاف السعوديين حول حكومتهم في وقت تواجه المملكة هجمات عنيفة من المتطرفين.
وبوجه عام فإن هناك تداعيات سلبية علي العلاقات الليبية السعودية المتوترة أصلا كما أنه لو ثبتت صحة الخطة فسيمثل هذا تعميقا لحالة الانشقاق في المنطقة العربية التي تواجه تحديات صعبة سواء في العراق حيث الاحتلال الأمريكي أو في فلسطين أو المشروعات الخارجية التي تضغط عليها للإصلاح، وهذا التداعيات ربما تدفع مصر –صاحبة العلاقة المتميزة مع الدولتين- إلي لعب دور في تهدئة الأزمة بينهما والحيلولة دون تصعيدها.. فيكفينا نحن العرب ما اجترحناه من شقاق استهلك موارد أمتنا وسمح باحتلال أراضينا.
|
