التغيير الوزاري هل يطيح بالكبار في مصر

نشر في:

تسيطر أحاديث التغيير الوزاري على الشارع المصري بالكامل، إذ لا تتوقف مقالات الصحف وأحاديث المثقفين، عن التغيير المنتظر الذي تحول إلي قضية رأي عام ينتظر الجميع حسمها، ولم يعد سيل التحليلات والتكهنات يتوقف عن محاولة الإجابة عن أسئلة التغيير المنتظر: ما توقيته؟ وما حجمه؟ من سيرحل؟ ومن سيحل بديلا عنه؟ ومن هو الرئيس القادم للوزارة؟. وبعد مناقشات في أدق التفاصيل تعود دائرة التساؤلات لتبدأ من الصفر: وهل سيحدث تغيير فعلا أم أنه حمل كاذب؟!.

حديث التغيير ذهب كل مذهب، وفتح ملفات كثيرة معظمها يدور حول سوء الأداء الحكومي للوزارة والوزراء، بصورة لم تكن تعهدها الصحافة من قبل حتي أن صحيفة "المصري اليوم" الصادرة حديثا (في 7 يونية الجاري)، دشنت صدورها بحملة يومية على كل الأداء الحكومي في كل الوزارات، وصفت فيها الوزراء بأنهم "أصنام" واتهمتهم بتدمير مصر.
ولكن المفارقة أن الأمر لم يحل دون تحول الحديث إلي فرصة لتصفية حسابات شخصية، واستغلالها لمصالح خاصة كما بدا أن الواجهة التي تصفي خلفها صراعات بين أطراف واتجاهات مختلفة داخل النظام، وقبل ذلك وبعده كان أقرب إلي حائط المبكي الذي يفرغ عنده المصريون ما يشعرون به، من كبت واحتقان غير مسبوق أفضي إلي حالة فريدة من اللامبالاة، والانصراف التام عن الشأن العام أدى بالكثير منهم إلي عدم الاكتراث بحدوث تغيير من عدمه، إذ أن النتيجة في الحالتين واحدة لأن "زيد زي ( مثل) عبيد"، وعبيد ليس هو رئيس الوزراء الحالي ( عاطف عبيد ) بل هو كأي مسؤول في الوزارة أو الدولة. وهو مثل يضربه المصريون للدلالة علي انسداد أفق التغيير وشكليته، وفي كل الأحوال غاب الحديث عن الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي، وعن الآليات والسياسات الحكومية لعلاج الأزمات الطاحنة التي يعاني منها المصريون.

الوضع الداخلي في أسوأ حالاته

ما يسترعي الانتباه في الصخب الدائر عن التغيير الوزاري هو، أن الذين فتحوا ملفه كانوا من المقربين من الدوائر العليا في النظام بل ومن رأس النظام نفسه: الرئيس حسني مبارك، وكانت البداية بمقال إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام في 28 مايو الذي طالب فيه بالاهتمام بالأوضاع الداخلية التي وصلت إلي أسوأ حالاتها، وصارت بحاجة ملحة لإصلاح وتغيير في إطار رؤية وطنية شاملة.
وكان المقال الحجر الذي حرك بحيرة السياسة الراكدة في مصر فتبعته أحجار ثقيلة أخرى، فكتب في اليوم التالي إبراهيم سعدة رئيس تحرير أخبار اليوم عن التغيير الوزاري، وضرورة تقديم قضايا الداخل على الخارج، ثم دخل على الخط "سمير رجب" رئيس تحرير صحيفة "الجمهورية"، ولكنه انتقل من الحديث العام إلي التفاصيل فكتب توقعاته عن عدد سيرحل عن الوزارة ومن سيخلفهم، لكنه أشار أن رأس الوزارة باق، وهو ما يعني محدودية التغيير، أما "مكرم محمد أحمد" رئيس تحرير "مجلة المصور" فكان جديده هو التوقيت حيث توقع أن يكون التغيير في يوليو المقبل.
وحديث رؤساء تحرير الصحف القومية وجميعهم من المقربين من الرئيس مبارك، أعطي رجل الشارع انطباعات أقرب إلي التأكيد بقرب وجدية الدولة في التغيير الوزاري، لكنه في رأي المحللين كشف عن حاجة النظام المصري إلى توجيه الأنظارإلي هذه القضية على وجه الخصوص، دون النظر إلي الدوافع وراء هذا التوجيه والتي لم تحظ إلا بالقليل من الاهتمام، رغم أنها هي التي يمكن أن تكون قادرة على التوقع الدقيق لطبيعة وحجم وتوقيت التغيير الوزاري المنتظر.وفي صدارة الدوافع التي دعت إلي إثارة قضية التغيير تأتي الأزمة التي يعانيها النظام المصري داخليا وخارجيا، فهناك -حسب محللين سياسيين- أزمة جوهرية تتعلق بالاختلال الشديد بين السلطات لصالح السلطة التنفيذية، والاختلال الشديد داخل الأخيرة لصالح رئيس الجمهورية، مما جعل الوزراء أشبه بالموظفين السياسيين أومنفذي السياسات وليسوا من صانعيها، أو حتى من المشاركين في صنعها، وفي هذه الحالة تغيب المعايير التي من الممكن من خلالها توقع الأسباب الحقيقة وراء التعديلات الوزارية، واستقدام (موظفين) للوزارات برتبة وزير أوتنحية آخرين، وحسب أحمد كمال أبو المجد وزير الشباب والإعلام الأسبق، فإن "الوزير في مصر لا يعرف لماذا أتى إلى الوزارة، ويخرج بالمنطق نفسه"، وهو ما يعني أن معايير الاختيار والإقصاء غائبة ولا تخضع لرغبة الرأي العام أو معيار الإنجاز والأداء والكفاءة، وبالتالي فإن معيار "الثقة" ما زال الحاكم.

الوزير في مصر لا يعرف لماذا أتى إلى الوزارة، ويخرج بالمنطق نفسه

وزير الشباب والإعلام السابق

تكهنات قوية بذهاب وزراء بعينهم

والوضع الحالي للنظام – بحسب دراسة للباحث السياسي مصطفي عاشور- يؤكد حاجته إلى من يثق فيه من خلال التجربة الطويلة وارتباط المصلحة، أو الثقة في عدم امتلاكه لتطلعات مقلقة، وهو ما يرجع إلى إدراك النظام بأن المشكلات العميقة التي يعاني منها الواقع المصري مستعصية على الحل، وأن الأفضل الانتظار إذ أن إدارة الأزمة أفضل من التورط في حلها، ومن ثم فإن الحل الأمثل أمام النظام في هذه الحالة هو تفتيت الأزمة الكبرى إلى أزمات صغرى تفرغ ضغوط الغضب الداخلية لدى المصريين، وتخلق وهما بوجود تغيير في حين أن النظام يعيد إنتاج نفسه من جديد بعيدا عن أي خطوات حقيقة نحو التغيير، وهو ما حدا ببعض المعلقين إلي وصف التغيير المنتظر بأنه (حمل كاذب)! .
وتأسيسا على ذلك ومن خلال خبرة تاريخية للنظام المصري الحالي تؤكد أنه لا يفضل التغييرات الكبرى، ولا يأخذ في الاعتبار اهتمامات الرأي العام أو توقعاته، ويذهب محللون سياسيون أن يكون التغيير محدودا وفي وزارات بعينها، وهو ما يعزز التوقعات ببقاء حكومة "عاطف عبيد"، مع تغييرات في وزارات هامشية وغير سيادية باستثناء وزراة الخارجية التي يرجح المراقبون، أن وزيرها أحمد ماهر علي رأس من سيطالهم التغيير فهو يواجه معاناة صحية دفعته لطلب الإعفاء من مهامه، كما أن هناك دلالات تؤكد ذلك تتمثل في انتزاع معظم صلاحياته، بما فيها إدارة أهم ملفات السياسة الخارجية حيث أسند الملف الفلسطيني للوزير عمر سليمان مدير المخابرات والملف الليبي لوزير الإعلام صفوت الشريف، إضافة للملف السوداني الذي تديره الرئاسة كما صارت الانتقادات الحادة لوزارة الخارجية ووزيرها، مادة يومية للصحف القومية، ويتوقع أن يمتد التغيير ليشمل وزارات مثل التعليم والأوقاف والتموين والتأمينات الاجتماعية وعددا آخر من الوزارات الهامشية، لإعطاء التغيير الوزاري بعض الطعم والرائحة التي يفتقدها علي حين تبقي الوزارات الكبري من دون تغيير، وعلي رأسها بقية الوزارت السيادية: الداخلية والدفاع والإعلام.السيناريو الآخر المطروح بقوة والذي يختلف شكلا وليس مضمونا يتمثل في أن يطال التغيير رأس الوزارة، لكن من دون أن يغير في هيكلها الأساسي بأن يحل صفوت الشريف وزير الإعلام والأمين العام للحزب الحاكم والرجل القوي في النظام رئيسا للوزارة، ويدعم هذا السيناريو إدارته مدة عقدين من الزمان لواحدة من أهم الوزارات وأكثرها تأثيرا وفاعلية- بمعايير الأداء المصري- وتصعيده أمينا عاما للحزب الحاكم وصلاته الوثيقة بجمال مبارك نجل الرئيس، وأمين لجنة السياسات في الحزب الحاكم الذي يستبعد مراقبون إسناد مسؤليات مباشرة له في هذه الفترة، نظرا لحساسية قضية توريث الحكم، وهو ما يعزز دعمه لوزراة يرأسها صفوت الشريف تعمل علي تطبيق رؤيته في بناء "حكومة الحزب وليس حزب الحكومة"، وإسناد المناصب الكبري للقيادات المحسوبة على تيار الشباب الذي يقوده، وفي حال اعتماد هذا السيناريو فإن المتوقع استمرار عدد من الوزراء المقربين منه، والمحسوبين على تيار التغيير من الداخل مثل "علي الدين هلال" وزير الشباب - رغم صفر المونديال- الذي يحتمل أن تسند إليه وزارة التعليم أو الخارجية، ويوسف بطرس غالي وزير الاقتصاد المحسوب من أنصار الولايات المتحدة و"محمود محيي الدين" الخبير الاقتصادي الشاب.وتبقى قضية التغيير الوزاري تجسد "استراتيجية المراوغة" من استحقاقات الإصلاح الديمقراطي، ومطالب التغيير السياسي الحقيقي والجذري في ظل نخبة حاكمة مغلقة على أهل الثقة، ما تحمله من تغيير لا يعدو حملا كاذبا.

يتوقع المراقبون أن يطال التغيير المرتقب وزير الخارجية أحمد ماهر