طبـاعة


حفـظ


ارسال
Bookmark and Share
السبت 22 جمادى الأولى 1425هـ - 10 يوليو 2004م

مصر: "نظيف" يعيد الجدل حول دور جمال مبارك

أحمد نظيف رئيس الوزراء المصري الجديد
أحمد نظيف رئيس الوزراء المصري الجديد
 

دبي- القاهرة- العربية.نت ووكالات

اختار الرئيس المصري حسني مبارك أصغر وزراء الحكومة المستقيلة ليكون رئيس الوزراء السابع في عهده، عاكسا مؤشرات تحدثت مرارا عن خطة لتسليم الراية من جيل إلى جيل، وهو الأمر الذي قابله مصريون بارتياح فيما اعتبره آخرون تدعيما للمخاوف المتزايدة من تجهيز الساحة لنجل الرئيس المصري جمال مبارك لخلافة والده باعتبار الوزير الجديد واحدا من المقربين له.

ولا يزيد عمر رئيس الوزراء الجديد "أحمد نظيف" عن 52 عاما فيما كانت الوزارة المستقيلة تضم وزراء تخطوا الثمانين من العمر، وهو تكنوقراطي لا يعرفه الشارع المصري كثيرا، وإن كانت له إسهامات جادة في عدد من المشروعات الكبيرة في مجال التقنية والاتصالات قبل وبعد توليه منصب وزير الاتصالات في العام 1999.
ونظيف ولد في الإسكندرية في الثامن من يوليو/تموز 1952 ومتزوج وله ولدان، وهو خبير في الكمبيوتر عمل بشكل أساسي على تطبيق تكنولوجيا المعلومات في الجهاز البيروقراطي المصري الضخم، وعمل منذ توليه منصب وزير الاتصالات والمعلومات عام 1999 على توفير أجهزة الكمبيوتر وخدمة الإنترنت المجانية لكل بيت مصري وتطبيق مشروع "الحكومة الالكترونية" في مؤسسات الدولة.
ودرس نظيف الذي يجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية الهندسة في جامعة القاهرة ثم نال درجة الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي من جامعة مكجيل الكندية عام 1983 قبل أن يعود للتدريس بجامعة القاهرة.
وتولى لمدة تسع سنوات من 1989 إلى 1998 إدارة مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار الذي يجمع إحصاءات اقتصادية شهرية ليستخدمها الوزراء. كما أشرف على تنفيذ نظام بطاقة الرقم القومي وهو نظام لبطاقات تحقيق الشخصية يعمل بالكمبيوتر، ويعد الركيزة الأساسية لمشروع الحكومة الإلكترونية الذي تخطط له مصر.
ولكن بعض المراقبين في مصر يرون أن قرب أحمد نظيف من نجل الرئيس المصري جمال مبارك يعد عاملا مهما ساعد على تكليفه برئاسة الوزراء، ويقول مصطفى بكري رئيس تحرير صحيفة الأسبوع المصرية إن نظيف كان الوزير الوحيد الذي رافق جمال مبارك في زيارة شهيرة قام بها إلى أمريكا قبل عام ونصف، واعتبر أن تكليفه بالمنصب يحمل رسالة حول توجه الحكومة الجديدة التي تريد أن تركز على التنمية البشرية بما يناسب الاستثمار في مجال التقنيات والاستفادة من التجربة الهندية التي نجحت في تصدير برمجيات بقيمة 80 مليار دولار سنويا.
وتكاد وزارة الاتصالات التي كان يرأسها نظيف تكون الوحيدة التي تنجو من انتقادات الشارع المصري من حيث أدائها، حيث تطورت خدمات الاتصالات التليفونية سلكية ولا سلكية، وأصبح الإنترنت مجانيا وأصبحت أجهزة الكمبيوتر تباع بالتقسيط لكل بيت مصري، ويحصل ثمنها مع فاتورة الهاتف الشهرية. ولم تنتقد وزارة الاتصالات إلا في حالتين، إحداهما هي الشكوى من الغلاء في فواتير التليفونات، وهي جزء من الشكوى العامة من الغلاء في أسعار السلع والخدمات في مصر، والثانية عندما تراجعت شركة الاتصالات المصرية عن إقامة شبكة ثالثة للهاتف الجوال ومنحت مهلة احتكارية أخرى للشركتين اللتين تقدمان هذه الخدمة مقابل صفقة مالية حصلتها الحكومة، ورأى المواطنون والنواب البرلمانيون أن الوزارة ضحت بمصالحهم في تخفيض الأسعار، مقابل الحصول على مكاسب مالية.
ولكن نظيف ردّ على الهجوم الذي طال وزارته بأن أسباب التراجع عن إطلاق الشركة الثالثة يعود إلى عدم إقدام الشركاء على المشاركة فيها، وعدم قدرة الحكومة المصرية على القيام بها وحدها إضافة إلى مؤشرات على حالة تشبع في السوق تجعل إطلاق الشركة في ذلك الوقت غير مناسب.

وحسب الخطة التي أعلنتها الصحف المصرية فإنه ينتظر أن تؤدي الحكومة الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس المصري يوم الاثنين أو الثلاثاء المقبل ثم يجتمع الرئيس معها بعد ذلك ليوزع عليها مهامها واختصاصاتها، وقالت صحيفة الأهرام المصرية شبه الرسمية إن مبارك كلف الدكتور نظيف باختيار الوزراء الجدد ممن يري إمكان التعاون معهم ماعدا أربع وزارات هي الدفاع والداخلية والعدل والخارجية‏.‏
وقالت الصحيفة إنه سيتم خلال اليومين المقبلين تحديد ما إذا كان سيتم فصل وزارة البحث العلمي عن التعليم العالي أو الإبقاء عليهما في وزارة واحدة، وأضافت أن التغيير سيشمل عددا كبيرا يتعدى نصف وزراء الحكومة الحالية المكونة من‏32‏ عضوا‏، ومن المنتظر خروج غالبية الوزراء الذين امضوا فترة طويلة وفي مقدمتهم الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التربية والتعليم والدكتور يوسف والي نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة والمستشار فاروق سيف النصر وزير العدل وممدوح رياض وزير البيئة وحسن خضر وزير التموين وعثمان محمد عثمان وزير التخطيط‏,‏ وكذلك احمد ماهر وزير الخارجية‏,‏ حيث من المنتظر ترشيح السيد أحمد أبو الغيط مندوب مصر الدائم بالأمم المتحدة وزيرا للخارجية‏.‏
وقال إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية أن الهدف من التغيير الحكومي الجديد هو ضخ دماء متجددة في العمل التنفيذي للانتقال بمصر إلي عصر التكنولوجيا والمعلومات‏ إلي جانب تيسير الخدمات الجماهيرية بأكبر قدر من المرونة‏، وبأعلى مستوي ممكن من الخدمة بما يكفل رفع مستوي الأداء الحكومي والقضاء علي الروتين‏.‏
وحسب جريدة "الحياة" اللندنية فإن مصادر مطلعة أعربت لها عن اعتقادها بان الحكومة الجديدة ستضم وجوهاً جديدة غير مستلهكة ستكون في غالبيتها من أمانة السياسات في الحزب الوطني الحاكم التي يرأسها جمال مبارك (نجل الرئيس المصري)، ومن الذين يحملون أفكارا إصلاحية.
وقالت هذه المصادر إن بعض هؤلاء يحتلون حالياً مراتب متقدمة في صنع القرار من خلال توليهم ملفات اقتصادية ومالية مهمة تبلورت في المؤتمر السنوي للحزب الوطني الحاكم في أيلول (سبتمبر) الماضي. كما اضطلع بعضهم بوضع ملفات أخرى ستعرض على الرئيس حسني مبارك قبل اقرارها في المؤتمر المقبل للحزب الذي يعقد قريبا.
وأوضحت المصادر أن شخصيات ستسند إليها حقائب وزارية ساهمت بالدفع في اتجاه الإصلاح السياسي في الشهور الأخيرة، من خلال الاجتماعات المتكررة التي عقدتها أمانة السياسات في الحزب الحاكم. واعتبرت أن ما تسرب من مواقف، عبر مقالات وندوات ومؤتمرات خلال الفترة الأخيرة يعبر عن أجندة الإصلاح التي تحظى بدعم من مبارك.
وأضافت أن التغيير الوزاري يهدف إلى التعامل مع متغيرات دولية وإقليمية ومحلية، خصوصاً أن على الحكومة في الفترة المقبلة تطبيق حزمة من الإجراءات الإصلاحية الاقتصادية تتضمن إصلاح النظام الضريبي والمحاسبي والمالي والتعجيل بعملية الإصلاح الاقتصادي والإسراع ببرنامج الخصخصة ودعم سياسات الاستثمار، وهي إجراءات لا بد منها لتتمكن مصر من الاستمرار في الحصول على القروض والمساعدات الخارجية.
والى جانب الإصلاح الاقتصادي سيكون على الحكومة الجديدة تهيئة المناخ لطرح برنامج شامل للإصلاح السياسي يتضمن مصالحة وطنية وتوسيع مجال المشاركة الحزبية, وتطوير قانون الأحزاب، إضافة إلى الإصلاح الدستوري التي عبر مسؤولون في الدولة بينهم رئيس مجلس الشورى صفوت الشريف عن اعتقادهم بإمكان الخوض فيها. ومعروف أن قوى المعارضة تصر على إجراء تعديلات في الدستور لتوسيع المشاركة السياسية وتغيير أسلوب اختيار رئيس الجمهورية ليكون بالانتخاب بدل الاستفتاء.

وتراقب الدوائر السياسية المصرية عن كثب دور جمال مبارك بعد أن أعيد فتح ملف خلافة الأب ( 76 سنة) إثر إعلان مرضه الذي اضطره إلى الغياب ما يزيد عن أسبوعين خارج البلاد فوض خلالهما كل صلاحياته القانونية والدستورية إلى رئيس الوزراء، وترى هذه الدوائر أن التغيير الوزاري سيكون بمثابة اختبار لحجم الدور الذي يلعبه جمال مبارك نجل الرئيس المصري في رسم السياسات العامة للدولة كما انه سيكون بمثابة اختبار لمدى صحة التكهنات التي تصفه بأنه لاعب أساسي في اختيار الفريق الحكومي الجديد.
ولا يشغل جمال مبارك أي منصب تنفيذي غير أن الدوائر السياسية تعتقد انه يلعب دورا متناميا عبر لجنة السياسات التي يترأسها داخل الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم. واعتبرت الدوائر السياسية أن إبعاد وزير الإعلام السابق صفوت الشريف من الحكومة قبل أسبوعين مؤشر على الدور الذي يمكن أن يلعبه جمال مبارك في اختيار أعضاء التشكيلة الحكومية الجديدة.
وحسب الصحافة المصرية, فان جمال مبارك الذي يقدم نفسه باعتباره ممثلا "للإصلاحيين الشباب" داخل الحزب الحاكم كان يريد التخلص من الشريف العضو النافذ في "الحرس القديم" الذي هيمن بحكم منصبه على الإعلام المصري مدة 22 عاما.
وخصصت صحيفة "صوت الأمة" الأسبوعية المستقلة أخيرا صفحة كاملة لتحقيق عن "رجال جمال مبارك" بعد تعيين سبعة من أعضاء لجنة السياسات في مجلس الشورى (احد مجلسي البرلمان لكنه يتمتع بصلاحيات محدودة) بقرار جمهوري.
ونشرت الصحف المستقلة والمعارضة خلال الأسبوعين الأخيرين تكهنات كثيرة حول المقربين من جمال مبارك الذين قد ينضمون إلى التشكيلة الحكومية الجديدة. ومن بين هؤلاء برز حسام بدراوي وهو طبيب مرشح لتولى وزارة التعليم ومحمود محي الدين وهو خبير اقتصادي مرشح لتولي وزارة المال. وتنتظر المعارضة المصرية تركيبة الحكومة الجديدة لكي تعرف ما إذا كان "رجال جمال مبارك" سيهيمنون عليها.
ومن جهته قال عبد الله السناوي رئيس تحرير صحيفة "العربي" الناطقة باسم الحزب الناصري إن "التشكيل الوزراي الجديد سيعكس موازين القوى السياسية الجديدة وسيكشف مدى دقة التكهنات التي تحدثت عن أن جمال مبارك هو اللاعب الرئيسي في صياغة التشكيل الحكومي الجديد وسنرى عدد المناصب التي ستذهب إلى نجوم لجنة السياسات".
وأضاف السناوي أن "الرئيس مبارك يعتزم الترشح لولاية خامسة واعتقد أنه سيضع كل هذا في اعتباره وأنه يريد أن يثبت للرأي العام انه وحده صانع القرار السياسي".

وكان من المقرر أن يجري الرئيس مبارك التعديل الوزاري في حزيران/يونيو الماضي ولكنه أرجأه بسبب سفره إلى ألمانيا حيث أجريت له جراحة لإزالة انزلاق غضروفي في العمود الفقري.
ويأتي هذا التغيير الوزاري وسط دعوات متواترة إلى الإصلاح بعد انتقادات وجهت إلى الأداء الاقتصادي لحكومة عبيد التي تركت تركة مثقلة للوزارة الجديدة بعد أن أدى قرارها تحرير سعر صرف الجنيه المصري في كانون الثاني/يناير 2003 إلى موجة ارتفاع في الأسعار تراوحت بين 15 و80 بالمائة بالنسبة للسلع المستوردة إذ فقدت العملة المصرية 56% من قيمتها.
وتنتقد الصحافة المصرية كذلك بشكل منتظم الفساد في المؤسسات العامة. وكان الرئيس المصري الذي تزعم حركة رفض عربية لمشروع الشرق الأوسط الكبير الأمريكي ساعد في إثارة توقعات بالإصلاح إذ أكد مرارا خلال الشهور الأخيرة ضرورة أن يأتي الإصلاح من الداخل ومشددا على أنه لا يمكن فرضه من الخارج.


عودة للأعلى