تونس: أكثر المجتمعات العربية شيخوخة
في ظاهرة غريبة على المجتمعات العربية يسير المجتمع التونسي بخطا متسارعة نحو الشيخوخة، حيث أفادت بعض الدراسات عن انخفاض المؤشر الإجمالي للخصوبة في تونس بشكل ملفت للنظر. إذ كانت المرأة التونسية في العام 1966، عندما تصل سن الزواج تنجب أكثر من سبعة أطفال، بما يمثل مؤشرا إجماليا للخصوبة يقدر بنحو7.2 طفل لكل امرأة. إلا أن هذه النسبة عرفت تراجعا بالغ الخطورة. فقد شهد النمو السكاني في تونس تغيرات ملحوظة، فتقلص المؤشر الإجمالي للخصوبة من 7.2 في العام 1966، ليصل في العام 2002 إلى 2.0 طفل فقط لكل امرأة في سن الزواج.
وأوردت صحيفة "الصباح" التونسية نقلا عن مصادر بالديوان الوطني للأسرة والعمران البشري في تونس مجموعة من المعطيات، تشير إلى التغير الدراماتيكي بشأن انخفاض نسبة النمو السكاني في تونس، وذلك في انتظار ما قد توحي به نتائج التعداد العام للسكان الذي جرى مؤخرا من مؤشرات وحقائق.
وقالت الصحيفة إن البرنامج الوطني لتنظيم الأسرة الذي انطلق في العام 1966 كان له الدور والإسهام المباشر في التأثير على مؤشرات الخصوبة داخل المجتمع التونسي، من خلال وضع برامج للتحكم في الخصوبة، والعمل على محاولة تعديلها لتحقيق المعادلة بين نسق النمو السكاني ومتطلبات التنمية الاقتصادية، لكن ذلك المخطط الذي ذهبت فيه الدولة التونسية بمثابرة واضحة "تكاد تلامس التطرف" صارت له الآن أثارا سلبية وخطيرة على المجتمع التونسي الذي يسير نحو شيخوخة متسارعة.
واعتمادا على معطيات المعهد الوطني للإحصاء في ديسمبر/ كانون الأول عام 2003 فإن انخفاض نسبة النمو الطبيعي وصل إلى أقل من 2 في المائة، إذ بلغ مستوى 1.08 في المائة عام 2002 بعد أن كانت 1.14 في المائة عام 2002.
وانخفضت نسبة الولادات من 17.1 مولودا لكل ألف ساكن عام 2000 إلى 16.7 مولودا لكل ألف ساكن عام 2002، وهو مؤشر يعكس سرعة تناقص أعداد الولادات في تونس. في المقابل ارتفعت نسبة الوفيات من 5.6 ساكن على كل ألف ساكن عام 2000 إلى 5.8 على كل ألف ساكن عام 2002.
وكانت معلومات نشرت مؤخرا قد ذكرت أن أعدادا كبيرة من المدارس الابتدائية والثانوية في تونس قد أقفلت أبوابها في الأعوام الأخيرة في قرى ومدن صغيرة، في مختلف نواحي البلاد التونسية، بالنظر لعدم توفر الأعداد الكافية من الأطفال لارتيادها.
ويرجع الكثير من المراقبين تناقص أعداد الولادات، التي تبشر بمستقبل يتسم فيه المجتمع التونسي بالهرم المتسارع إلى التحولات الاجتماعية المتسارعة وإلى السياسة الثقافية للدولة التونسية، وخاصة ما تعلق منها بالحث المتواصل خلال العقود الماضية، على تحديد النسل حتى كانت سيارات إسعاف حكومية تجوب الأرياف التونسية وتحث التونسيات على التوقف عن الولادة.
وكانت أعمال تعقيم تقع في بعض الأحيان في الأرياف دون علم المعنيات بها، من أجل الحد من التزايد السكاني، الذي كانت الدولة تنظر له بوصفه عائقا أمام الرفاهية الاجتماعية.
كما ساهمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وطول مراحل سني الدراسة وعمليات الانتقال من الريف إلى المدينة في تراجع سن الزواج، وانتشار العزوبية بين الشبان والشابات التونسية، حتى بلغ معدل سن الزواج للرجال 32 عاما، في حين وصل سن الزواج لدى النساء إلى 29 عاما، وهو ما ساهم في تراجع نسب الولادات مما يهدد بشيخوخة المجتمع.