صنعاء - محمد سعيد
على عكس غالبية اليهود في العالم، يسود إيمان عميق في أوساط يهود اليمن البالغ عددهم 200-300 تبقوا من أصل حوالي 60 ألفا في الأربعينات من القرن الماضي، ان الدولة اليهودية "إسرائيل" هي فكرة مضادة لأصول الديانة اليهودية. وأوضح الحاخام الأكبر ليهود اليمن يعيش بن يحيى أن الحياة في إسرائيل (زارها مرتين) لا تروقه لمظاهر الانحلال الأخلاقي المتفشي هناك.
ومافتئت الفئة القليلة من اليهود اليمنيين التي آمنت بإسرائيل وهاجرت إلى هناك، تطالب بتعويضات عن ممتلكات يقول المهاجرون إنهم تركوها وراءهم. وكان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أعلن في 1996 أن اليهود اليمنيين يمارسون حقوقهم السياسية، إلا أنه شدد على أن الذين هاجروا باعوا كل ممتلكاتهم وقبضوا أثمانها.
وكانت إسرائيل كثفت حملات إعلامية بزعم أن يهود اليمن "يتحرقون" من أجل الهجرة لإسرائيل وأنهم كانوا يعانون من الاضطهاد بسبب منع الحكومة اليمنية إياهم من السفر خارج اليمن، إلا أن عددا كبيرا من يهود اليمن لم يتجهوا -بعد إلغاء حظر السفر عليهم- إلى إسرائيل بل إلى لندن أو نيويورك بسبب اعتقادهم الديني الصارم ببطلان قيام إسرائيل.
|
في مقابلة فريدة مع الحاخام الأكبر ليهود اليمن يعيش بن يحي، أوضح أن الغالبية من اليهود المتبقين في اليمن تجمعت في مدينة ريدة وما حولها بعد أن تضاءل عدد اليهود اليمنيين بسبب هجرة أغلبهم. وقال يحيى إن سبب تجمعهم في مدينة واحدة هو "رغبتنا في إقامة صلواتنا وأعيادنا والسبوت معاً فضلاً عن إقامة مدارس لأبنائنا وبناتنا لتعلم التوراة والزبور".
ويؤكد الحاخام أن اليهود المتبقين في اليمن لا يزيدون عن "200 -300" شخص ، مشيرا إلى أنهم كانوا يشكلون حوالي ربع سكان اليمن قبل هجرة 1948م. أما عن طريقة دخولهم وزياراتهم إلى إسرائيل فقد أوضح أنه يتم منحهم تصاريح من قبل السلطات الأردنية أو المصرية، ولا يختم على الجواز اليمني ختم دخول أو خروج لإسرائيل. وقال يحيى إنه زار إسرائيل مرتين بهدف زيارة أقاربه "منهم أولاده وبناته".
ويشير الحاخام إلى أنه يشعر بالارتياح في إسرائيل إلا أمرا واحدا لا يبعث على الراحة يتعلق بالشرف. ويضيف الحاخام "لا تستطيع أن تفعل شيئا حتى لو رأيت زوجتك أو ابنتك تصاحب أو تعاشر شخصا آخر وهذا يخالف تقاليدنا وطباعنا كيهود يمنيين، إضافة إلى أننا متدينين لا يرضينا ذلك". ويؤكد أن "أرض إسرائيل طيبة، ولكن لا نفس لي للعيش في ظل ذلك الفساد الأخلاقي، نحن بيئتنا في اليمن محافظة تماماً مختلفة عن تلك الأجواء".
ورفض الحاخام الإدلاء برأيه حول قتل الأطفال الفلسطينيين على أيدي آلة الحرب الإسرائيلية مكتفيا بالقول "ما دخلي بهذا الموضوع، أنا يهودي يمني اهتم بمعيشتي وبشأني وببلدي، ولا علاقة لي بالأمور الأخرى".
أما عن رغبته في تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية، قال الحاخام يعيش بن يحيى "نحن نحب السلم، والتطبيع مسألة تبقى في علم الله، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } ـ استشهد بنص الآية القرآنية السابقة تماماً".
وعن الأسباب التي تمنعهم من حمل السلاح قال الحاخام الأكبر "نحن نعد في حماية المسلمين "أهل ذمة"، وبناء على ذلك فلا يصح أن نتسلح "حتى بالجنبية"، وهذا أمر قديم وهي عهدة توارثناها جيلاً إثر جيل".
|
يعود الاعتقاد ببطلان قيام إسرائيل وهو اعتقاد متفشي في أوساط يهود اليمن علاوة على أصوله الدينية لحملة ضخمة قامت بها مجموعة "ساتمار هاسيديم"، وهي منظمة يهودية نشأت في القرن الثامن عشر الميلادي برومانيا، وتقف هذه المنظمة في مواجهة "الصهيونية" كفلسفة وحركة على أساس إيمانها أنه من "الكفر" أن يكون لدى اليهود دولة يهودية مستقلة قبل أن يأتي "المسيح" إلى الأرض ويرشد اليهود لما ينبغي عليه فعله، الأمر الذي تجد هذه الحركة الكثير من النصوص في التوراة التي تؤيده. وكان لهذه المجموعة القدح المعلى في ترسيخ هذه القناعة لدى يهود اليمن.
تضم حركة "ساتمار" حاليا حوالي 250 ألف عضو ويقع مركز الحركة بمدينة "نيويورك" في انعزال كبير عن المجتمع الأمريكي لحماية أفرادها من الكثير من مظاهر الحياة في المجتمع الأمريكي الذي تعتقد "ساتمار" أنها مخالفة للديانة اليهودية. ومنذ بداية الثمانينات الميلادية، قامت "ساتمار" بإرسال ممثلين لها إلى اليمن في حملة نادرة من نوعها لتشجيع اليهود هناك على عدم الهجرة لإسرائيل الأمر الذي يبدو أنه ترك أثرا واسعا بينهم.
حملة هذه المنظمة انكشفت بعض المعلومات عنها بعد أن أعلن اليهودي اليمني موشي حباني (45 عاما) انفصاله عن "ساتمار" وانتقاله من لندن حيث كان يعيش إلى "ريهوفوت" بإسرائيل، حيث يتجمع معظم المهاجرين من اليهود اليمنيين. موشي حباني والذي مازال يلبس الملابس اليمنية التقليدية المعروفة ويتأطر خنجره التقليدي -شأنه شأن كثير من اليهود اليمنيين في إسرائيل- قال بأن ساتمار كانت تقول لهم عندما كانوا في اليمن ان من يهاجر إلى إسرائيل يفقد ديانته اليهودية.
في اليمن كان يعيش 60 ألفا من اليهود هاجر عدد كبير منهم جوا في 1948م في حملة "إسرائيلية" سريعة وضخمة. هؤلاء الذين وصلوا في ذلك الوقت عانوا بشكل واضح من عنصرية اليهود الأوروبيين ضدهم ومن الفقر، ونشر بعض اليهود اليمنيين في إسرائيل وثائق تؤكد أن مئات الأطفال اليمنيين خطفوا من أسرهم في ذلك الوقت ليباعوا للأسر اليهودية الأوروبية في إسرائيل.
ويشير نبيل السهلي الباحث في مركز جنين للدراسات إلى أن عدد المهاجرين اليهود من اليمن منذ 1948 بلغ 51127 يهودياً، من بينهم 48315 يهودياً هاجروا خلال الفترة 1948-1951.
بعد حملة "ساتمار" بقي تقريبا في اليمن حوالي 1000 يهودي يمني حسب الإحصائيات الإسرائيلية، وكانوا هؤلاء ممنوعين من السفر تماما خارج اليمن حتى 1993 حين رفع هذا الحظر عليهم. هذه الإحصائيات تقول إنه من هؤلاء الـ1000 بقي حتى الآن حوالي 250 يهوديا يمنيا رفضوا السفر لإسرائيل بسبب حملة "ساتمار"، كما أن عددا كبيرا من المسافرين سافروا في الحقيقة للندن ونيويورك ليقيموا في الأحياء الخاصة بمجموعة "ساتمار هاسيديم". وتعتقد إدارة الهجرة الإسرائيلية أن "ساتمار" نجحت في حملتها بشكل ملحوظ في اليمن بسبب أن المجموعة اليهودية الموجودة في اليمن "غير متعلمة ولذا سهل إقناعهم"، وبسبب دعم الحكومة اليمنية "المعادية لإسرائيل"، وبسبب أن "ساتمار" ركزت خصوصا على يهود اليمن أكثر من تركيزها على اليهود الآخرين لاعتقادهم أن هؤلاء من المجموعات الأصلية التي استقرت في اليمن منذ ما قبل الميلاد ومازال الكثير منهم يتمسك بأصل الديانة اليهودية بعكس يهود الاتحاد السوفيتي مثلا الذين يعتبر معظمهم علمانيين. لكن الحقيقة أن "ساتمار" استفادت كثيرا من الأحداث العنصرية المسجلة ضد اليهود اليمنيين المقيمين في إسرائيل، ولكونها تربط مذهبها بنصوص التوراة مباشرة بعيدا عن الدوافع السياسية الأمر الذي كان مقنعا بالفعل للكثيرين.
|
يقول المؤرخ اليمني مطهر الارياني إن آثار الرسالتين السماويتين اليهودية والمسيحية تظهر من القرن الرابع الميلادي غير أنها لم تصبح ديانة رسمية للملوك إلا سنة 370م، إذ ظهرت نقوش موحدة في عهد الملك يكرب ( يوهئمن ) تقول "الرحمن الذي خلق نفسه الرحمن رب السموات والأرض" وليس فيها ما يدل على أنه يهودي أو معتنق الديانة اليهودية أو المسيحية، أما بعض قادته ورجال حربه وبعض وزرائه فقد كان واضحاً في نقوشهم أنهم متأثرون بالديانة اليهودية، فقد ذكروا في نقوشهم على سبيل المثال اسم "إسرائيل" أو يذكرون لفظة "إله يهود".
ويشير الأرياني إلى أنه وفي المرحلة التي تلت الملك ابا كريب اسعد الكامل الذي قام بجولة في الجزيرة العربية، والتقى في المدينة المنورة ببعض الأحبار من اليهود فاصطحبهم معه إلى اليمن وتأثر بالديانة اليهودية، وأتاح لهم فرصة التبشير بها، غزا الرومان والأحباش اليمن وتم تنصيب ملك مسيحي في عاصمة المملكة ظفار اسمه ( معد يكرب يصغر ) وأمده الغزاة بالقساوسة والرهبان.
ولما كان اليمنيون يأنفون التدخل الخارجي في شأنهم –بحسب الأرياني- فقد جاؤوا بملك من الأسرة الحاكمة السابقة من أولاد أبي كريب أسعد وثاروا على الملك المسيحي ( معد يكرب يصغر )، وهاجموا العاصمة "ظفار"، وقتلوا الجالية الحبشية، وأعلن الملك الجديد اعتناق الديانة اليهودية لمواجهة أيدلوجية سماوية بأيدلوجية سماوية أخرى، وكان اختيار اليهودية بمثابة حصن دفاعي لهم.
|
عندما دخل الإسلام اليمن كانت اليهودية أكثر الديانات انتشاراً في البلاد، تليها المسيحية، وبقية من الوثنية، ولذلك حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعوثه إلى اليمن بين له أنه سيجد قوماً أهل كتاب، وبمجرد بدء الدعوة الإسلامية في اليمن أسلم أهل اليمن دون حرب، وأسلم أكثر يهود اليمن الذين كانوا منتشرين في اليمن من أقصاها إلى أقصاها وهم من أصل يمني، وليسوا يهوداً جاؤوا من الخارج، حيث ان الذين جاؤوا من الخارج مع أبي كريب أسعد أو بعده كانوا معروفين، ويسميهم اليهود أنفسهم "الهارونيين".
|
على مر العصور من تاريخ اعتناق اليمنيين للإسلام لم يحدث بين اليمنيين واليهود مشاكل تذكر أبداً في اليمن، إذ كان اليهود لا يشتركون في حرب ولا يشتركون في غرم ولا يدخلون في سخرة وتحميهم القبائل اليمنية التي إذا ما مس يهودي يعيش في كنفها من الممكن أن تقوم الحرب بسببه دفاعاً عنه وإلى اليوم.
أما أعمال وأشغال اليهود فكانوا يميلون في المدن إلى الحرف والمهن اليدوية من تجارة وحدادة ومشغولات فضية وذهبية والأعمال والصناعات الجلدية، وفي الأرياف كانوا يعملون إضافة إلى ما سبق في الزراعة والفلاحة ويملكون الأراضي، ولكنهم عموماً يميلون إلى التجارة.
ولا يميز اليهود اليمنيين عن غيرهم من المسلمين في الشكل سوى خصال من الشعر تتدلى على جانبي الوجه، بالإضافة إلى أنهم لا يحملون المجوهرات الذهبية والفضية والخنجر اليمني الشهير"الجنبية" مع أنهم أمهر من يصنعها جميعاً في اليمن لأسباب يقول عنها الحاخام الأكبر ليهود اليمن حاليا يعيش بن يحي "نحن نعد في حماية المسلمين "أهل ذمة"، وبناء على ذلك فلا يصح أن نتسلح حتى بالجنبية، وهذا أمر قديم وهي عهدة توارثناها جيلاً إثر جيل".
|
ومن المعروف أنه كان لليهود تجمع في صنعاء في حي خاص باليهود يسمى "قاع اليهود" الذي يقع فيه مقر وزارة الخارجية حاليا وأصبح اسمه "قاع العلفي" وهو مقسم إلى 20 حارة في كل حارة معبد أو اثنين إذا كانت الحارة كبيرة. وكان لليهود أكثر من 20 معبداً بتجمع يضم عشرة آلاف فرد يمارسون فيها طقوسهم وأعيادهم كعيد الفصح ، وعيد الغفران وعيد رأس السنة.
|
يتحدث الدكتور عبد الحكيم النعيمي- أستاذ التاريخ اليمني المعاصر- ( جامعة صنعاء) عن سر ترك اليهود لليمن 1948، مشيرا إلى بداية نشاط الحركة الصهيونية بعد حصولهم على وعد "بلفور" إذ بدأت عناصر يهودية نشطة تأتي إلى اليمن خلسة وبشكل متخفي لدعوة يهود اليمن إلى الصهيونية، وإلى قيام إسرائيل كدولة لهم في فلسطين.
وقد كانت هذه الدعاية في ظل الاستعمار البريطاني في الجنوب والحكم الإمامي في شمال اليمن. وجرى كل ذلك بشكل سري صارم، إذ كانت العناصر اليهودية تتسرب سراً إلى اليمن متنكرين بأشكال يمنية للاتصال بيهود اليمن، وكانت موجة الهجرة الكبيرة في 1948، إذ هاجر فيها أربعون ألف يهودي يمني حُملوا على ما اسماه الإسرائيليون بساط الريح تولتها الجمعية اليهودية الأمريكية.
|
يقول الباحث الاجتماعي عبد السلام الشرعي إن اليهود كانوا منتشرين في ربوع اليمن كغيرهم من المواطنين دون خصوصية معينة ، فمنهم من سكن القرية، ومنهم من سكن الحي أو الحارة من المدن اليمنية. ففي صنعاء العاصمة التاريخية لليمن- مثلا – كان معظمهم يقطن في ( قاع اليهود) ضمن ساحة غرب العاصمة وتعرف اليوم بقاع العلفي.
وفي ( حاشد ) سكن اليهود في عدة مناطق خاصة في ناحية ظليمة وفي جانب من ( المداير) وجانب من مدينة ( حبور)، كذلك سكنوا في مدينة إب في حارة ( الجاءه) شرق جنوب المدينة، وفي ( السياني) سكن اليهود في قرية خاصة بهم اسمها( الجدس).
وفي جبله -20 كيلومترا من مدينة إب- سكن اليهود حارة ( المكعدد)، وفي قضاء النادرة سكنوا قرية مجاورة اسمها( حجزان) وكان يشاركهم فيها بعض المواطنين المسلمين، وفي مدينة عدن كان معظمهم في حي كريتر، أما في حضرموت في منطقة ( حبان) وحدها يوجد ( 700) يهودي.
وقد كان يهود اليمن يعيشون حياتهم الآمنة ويتابعون أنشطتهم في مختلف المجالات، لم تغرهم الهجرة إلى الأرض المحتلة، على الرغم من أن مدينة عدن كانت مفتوحة ومشجعة للهجرة منها وإليها ومن جميع أجناس مجتمعات العالم دون رادع أو تحديد عدا المصالح الاستعمارية البريطانية، وفي مقدمتها أمن البريطانيين المستعمرين.وفي إحصاء قامت به السلطات البريطانية عام 1955م اتضح أن عدد اليهود الموجودين في عدن بلغ 5 آلاف يهوديا.
وتشير الوثائق البريطانية إلى أن يهود عدن كانوا يتمتعون بقدر كبير من الأمان أكثر مما تمتعوا به في أوساط أوروبية، وكانوا يعملون في الحرف اليدوية والصياغة. وكانت تتجمع منازلهم في المدن الصغيرة في أحياء خاصة ليست بعيدة عن الأحياء العربية وهم يعيشون بسلام مع جيرانهم العرب، ولا يتدخل أحد في أمورهم كما لا يتدخلون في المنازعات القبلية ويمكنهم أن يتملكوا الأراضي.
|
ويذكر المؤرخ مطهر الإرياني أن وفدا إسرائيليا زار صنعاء وعدد من المدن اليمنية قوبل باستياء شعبي كبير بلغ الحد ببعض المواطنين أن يتلفظوا عليهم بألفاظ قاسية، ووصل الحال ببعض السكان في قاع العلفي الذي كان يعرف بقاع اليهود قديما إلى طردهم من الحي بعد أن سألوا عن بعض الأسماء التي كانت تسكن هناك وأرادوا التعرف على منازلهم.
كما دعا عدد من العلماء ومشايخ القبائل إلى مقاومة ما أسموه إعادة توطين اليهود في اليمن وشنوا هجوماً لاذعاً على زيارة الوفد اليهودي لليمن محذرين من إعادة توطينهم في البلاد من خلال المساجد والاتصالات الخاصة بكبار المسؤولين.
|
ويبدو أن التعايش بين المسلمين واليهود في اليمن لم يخل من علاقات اجتماعية حميمة وصلت إلى حد الطرف المتبادلة حسب ما يشير تقرير صحفي نشره موقع "المؤتمر.نت" بقلم احمد الحسني، وفي هذا الخصوص يقول حسن المساوى إن أحد المسلمين كان يعمل في الحقل في حمارة القيظ حافياً، والحصى كالجمر تحرق قدميه، وإذا بيهودي يمر بجواره مرتدياً نعله الجلدي الجميل (صناعة يهودية) فاغتاظ من قرع نعل اليهودي، وقال له: أنا حاف، وأنت منتعل أيها اليهودي؟ فرد عليه اليهودي: القرآن يقول "يابني إسرائيل"، وليس "يابني مْجعيِل" و"مجعيل" كلمة عامية تطلق على طبقة العمال، وصغار الفلاحين على سبيل الانتقاص وتنسبهم إلى الغلظة والتقشف.
ويقسم محمد صالح -بائع قات يسكن منطقة بني هات-في تقرير أحمد الحسني أنه سمع في إذاعة لندن (BBC) حواراً مع إسحاق شامير ذكر فيه أن والده من "المقيبرة" بني هات- شمال شرق مدينة العدين، وأنه ولد هناك، وأن عددا من زملائه من أبناء المنطقة مازال بعضهم أحياء.
الذبح على الطريقة اليهودية
أما الحاج أحمد زبران الواصلي فيقول حسب ما يوضحه تقرير "المؤتمر.نت" إن اليهود كانوا يحرصون على النظافة لدرجة أن لكل واحد إناء خاص به رغم ذلك فهم لا يشترون اللحم الجيد، ويحرصون على شراء الماشية الهزيلة يذبحها لهم "المورى" بسكين مستقيمة الحد يقطع فقط القصبة الهوائية للذبيحة طيراً أو ماشية، ثم يطلقها حتى تموت.
ويضيف أن اليهودي لا يلقي بشيء من الذبيحة غير الأمعاء والرئة والقلب والكبد والطحال (الحوايا) والعظم، يأكلون اللحم الصافي، ويدبغون الجلد بإتقان، ويصنعون منه "القرب" والأحذية، والأحزمة الجلدية ذات جيوب الذخائر "المحازق".
ويشير الواصلي إلى أنهم كانوا لا يعملون في عصر الجمعة إلى صباح الأحد، ويخرجون بعدها بملابسهم التي يغلب عليها السواد، وعلى رؤوسهم (قلنسوات) حمراء يتقن صناعتها أصحاب الشأن فيهم. وكانوا يربطون عليها عصابات، وزنانيرهم (شعر الصدغين) متدلية ، لم يكونوا يضفرونها مثل يهود حاشد.
بالنسبة للنساء –يوضح الواصلي- فلم تكن ملابسهن وحليهن تختلف عن المسلمات، ولم يكنّ أكثر جمالاً وأخيراً ( سافروا فجأة كأنما جاءتهم دعوة من الخارج فباعوا ممتلكاتهم، ووضعوا المال في صفائح النفط، وأحكموا لحامها، وحملوها معهم لم يبق أحد غير من كانت من نسائهم متزوجة بمسلم، أو من أسلم".
الزنار "خصال الشعر المتدلية"
حرص يهود اليمن إبان فترة الحكم التركي ( 1872-1918 ) على محاكاة ملابس الأتراك وطرق معيشتهم، فانتشرت في أوساطهم ظواهر مثل تدخين النرجيلة والسجائر، وسماع الموسيقى وارتداء الطربوش التركي ذي الشراريب.
وحينما عاد حكم اليمن إلي الأئمة، وتولى الإمام يحيى الحكم ( 1913 ) سعى لإبطال التأثير التركي (الفاسد ) في بلاده، وأمر الإمام في نفس السنة، بألا يغير أحد من اليهود "علاماته المميزة" ( خصلات الشعر المدلاة على جانب الرأس) التي عرفوا بها "الزنار" وحرم حلقها وحلق الذقن وما شابه ذلك مما يغير من الشكل المعتاد، وحظر على النساء التزين والاختلاط بالرجال الأجانب من المسلمين وغيرهم، وأن يلبسن لدى خروجهن زيهن التقليدي المعروف باسم "شوكك".
الحاج محمد المشامي أحد المعمرين اليمنيين ( 90 عاما تقريبا ) نشأ في قاع العلفي المعروف قديما بـ" قاع اليهود " منذ ولادته يقول إنه يعرف عددا من اليهود وكانت له صداقات ببعضهم ويصفهم أنهم لطفاء وكانوا لا يفرقون بين المسلم واليهودي من حيث المعيشة والمسكن واللعب في الحارة الواحدة. ويقول الحاج صالح المقولي ( 85 عاما) إن بيع ممتلكات اليهود كان يتم بمعرفة كبار السن في الحي من اليهود والمسلمين وكانوا يعتبرون مثل لجنة التثمين.
|
وبخصوص يهود عدن تقول سهام خان- أستاذة مادة الاجتماع السياسي في جامعة عدن- إن الجالية اليهودية في عدن في 1947 كانت من أوسع الجاليات نفوذا بسبب تغلغلها في الحياة الاقتصادية ونشاطها في تهريب العملات الصعبة والذهب المصقول من وإلى الأراضي المحتلة وغيرها من الدول، كما أن بعضهم وأثناء الاحتلال البريطاني ذهبوا إلى فلسطين المحتلة للتدريب العسكري والجاسوسي والتخريبي ونشطوا في الفترة تلك في مجال الخمور والصياغة وبيع الجنس.
إضافة إلى ذلك فقد كان الكابتن هينز "أحد ضباط البحرية الذي جاء إلى منطقة خليج عدن عام 1835م وأشار على بريطانيا باحتلالها لأنها منطقة استراتيجية وأنها المرفأ العظيم الذي يمتلك من القدرات والإمكانات مالا يمتلكه ميناء آخر في الجزيرة العربية" كان يستخدم سياسة في عدن مبنية على قاعدة فرق تسد لأن الحكومة في بومباي لم تشاء حينذاك أن تمده بما يحتاج إليه من الجنود لحماية عدن، وكان يستغل اليهود في المنطقة حتى يكونون عيونا له على العرب علما بأنه كان في عدن ما يقارب 180 يهوديا ويعترف هينز أن أحسن من نقل الأنباء إليه كانوا اليهود الذين وفروا له معلومات عن اليمن نظير مبالغ تافهة.
|
