محللون.. "اعادة الانتشار" تنفيذ لوعد الأسد لواشنطن

نشر في:

قال محللون سوريون لـ"العربية.نت" إن قرار إعادة انتشار القوات السورية في لبنان هو تطبيق للوعد الذي قطعه الرئيس السوري بشار الأسد لمساعد وزير الخارجية الأمريكي وليم بيرنز الذي زار دمشق أخيرا. وتوقع هؤلاء أن يجري تعديل معاهدة الصداقة والتنسيق بين سورية ولبنان بشكل يضمن استنجاد لبنان بقوات سورية في حال وقوع أي اعتداء إسرائيلي عليه.

يقول الباحث السوري في الشؤون العسكرية هيثم الكيلاني لـ"العربية.نت" إن دمشق اتخذت "استراتيجية جديدة تتعلق بتحرير لبنان بكل ما يخص شؤونه الداخلية والقومية في الوقت نفسه على أساس أن سورية تهتم بالشؤون القومية فيما يتعلق بالسياسة اللبنانية الخارجية". وتشير أوساط سورية إلى أن دمشق تريد التعامل مع الملف اللبناني بأسلوب جديد يمتص الضغط الدولي ويستعيد ثقة الأوروبيين، وخاصة باريس التي قررت مؤخرا إطلاق دمشق في المحاكم الأمريكية ربما لغاية تتجه صوب العراق.
من ناحيته يشير المحلل الاستراتيجي السوري بسام العسلي لـ"العربية.نت" إلى أن "الخطوة السورية ليست عملية عسكرية معزولة عن العامل السياسي والعامل الزمني اللذين فرضهما قرار مجلس الأمن 1559 وزيارة بيرنز وقرار الكونغرس، مشيرا إلى أن هذا الاتجاه كان قائما لدى السوريين منذ عام.
وفيما إذا كان الانسحاب السوري من لبنان يدفع إسرائيل إلى الخروج من "مزارع شبعا" اللبنانية، يقول العسلي إن "القرار الأول والأخير هو قرار أمريكي فإذا أرادت الإدارة الأمريكية كسب ورقة في زحمة الانتخابات فقد توعز لإسرائيل بالانسحاب من شبعا، وبذلك يصبح المناخ محليا ودوليا مناسبا لإعادة انتشار جديدة وهذا الشئ المتوقع والطبيعي، وقد تحدث التفافات حول أي من القرارات بحكم مسألة العلاقات المتشابكة".
إعادة انتشار أم انسحاب كامل ؟
ومع إعلان دمشق إعادة انتشار قواتها في لبنان انطلقت تكهنات وتساؤلات فيما إذا كانت هذه خطوة سورية نهائية أم تمهيدية لانسحاب سوري كامل من لبنان. وفي إطار الإجابة على هذه التساؤلات، قال الباحث السوري المتخصص بالشؤون العسكرية هيثم الكيلاني لـ"العربية.نت" إن "إعادة الانتشار تقود إلى الانسحاب في المستقبل وهو انسحاب شامل كامل" معتبرا أن "أبعاد هذا الانسحاب ستنطبق في الدرجة الأولى على إسرائيل فيما إذا كانت ستهاجم لبنان بعد ذلك وتكرر ما حدث في العام 1982 حينما ركبت قواتها طريق بيروت دمشق. وحينذاك تضطر القوات السورية أن تدافع عن دمشق دفاع المستميت" – حسب تعبيره.
أما المحلل الاستراتيجي السوري بسام العسلي، فيعتقد في سياق إفاداته أن "ما يرضي اللبنانيين حاليا ليس إعادة الانتشار وإنما هم – حتى المخلصين في التعامل مع سورية أو الذين يضعون المواقف الاستراتيجية موقعها الصحيح – يجدون أن العلاقة هي أعمق من مجرد انتشار، وإنما هي قضية إعادة تنظيم شامل لكل العلاقات بما فيها الإدارة الداخلية في لبنان"، مثل البحث "عن صيغ على ضوء التحولات الجديدة ومنها قد تكون إعادة الانتشار نقطة بداية لتحولات جديدة سياسية واقتصادية واجتماعية".

بعد انتشار القوات السورية إلى البقاع أوفي حال انسحابها المستقبلي، ستتجه دمشق غالبا –كما يقول مراقبون- إلى الاعتماد على بدائل إقليمية سياسية كانت أم اقتصادية. من الناحية الاقتصادية، انطلقت أنباء غير مؤكدة مفادها أن مجلس التعاون الخليجي سيعوض دمشق عن أي خسارة اقتصادية ناجمة عن الخروج من لبنان. وفيما تشير أوساط سورية إلى أن العامل السوري سوف يتضرر ويرجع إلى بلده ليصبح على قوائم "العاطلين عن العمل" أو"منتظري قروض البطالة"، تؤكد أوساط أخرى أن العمال السوريين يسافرون للعمل في لبنان منذ عقود طويلة، ولكن قد يدخل بعض التنظيم على أعمالهم في لبنان.
وفيما يقول بسام العسلي إن خطوة إعادة الانتشار ذات علاقة وثيقة بالأمن العربي، مذكرا أن "تعرض سورية ولبنان لعدوان إسرائيلي منذ 1982 أو قبل عام 1878 منذ عملية الليطاني، كانت العلاقات عبارة عن ردود فعل على الأعمال الاستفزازية الإسرائيلية فدخول سورية إلى لبنان لم يكن بإرادة سورية معزولة عن الإرادة الدولية ومن الطبيعي أن يكون هذا التفاعل مستمر بين التحديات الخارجية وردود الفعل الداخلية"، يرى هيثم الكيلاني أن البدائل الإقليمية الاستراتيجية لسورية "يمكن أن ينص عليها في أي معاهدة للتعاون والتنسيق ما بين البلدين، وربما تطورت هذه المعادلة فيما إذا عدلت معاهدة التعاون والتنسيق".
صمت حزب الله
ولاحظ مراقبون أن حزب الله اللبناني اتخذ منحى الصمت رغم ما أثير في هذا الشهر عن "تجريد الميلشيات من أسلحتها" وفق القرار 1559، فهل صمت حزب الله يرجع لتلقيه ضمانات إقليمية بأن أي انسحاب سوري لن يؤثر عليه، أم لوجود تسريبات وأنباء صحفية عن أن خروج إسرائيل من "شبعا" كفيل بتحويل حزب الله إلى حزب اجتماعي وسياسي فقط.
يقول العسلي في هذا الخصوص إن حزب الله أعلن منذ زمن بعيد أنه عندما تنتهي مشكلة إسرائيل لن يكون إلا تنظيما سياسيا وهذا شئ مقبول بحيث لا يجوز أن يوجد بدولة ميليشيات أو تنظيمات عسكرية مستقلة عن إرادة الدولة، فحركة أمل والمقاومة الوطنية التابعة لوليد جنبلاط انتظمت أكثرها في الجيش اللبناني. وتابع العسلي "عندما تنسحب إسرائيل من مزارع شبعا من الطبيعي أن يتحول حزب الله إلى حزب سياسي، والحكومة اللبنانية على الأقل والتيار العام في لبنان يعترف حتى الآن بالمقاومة بالجنوب ويعتبرون حزب الله حركة وطنية وليس من المتوقع في الظروف الراهنة على الأقل أن يهمش دوره".
ويرى الباحث هيثم الكيلاني أن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن "تشمل البلدين المستقلين سورية ولبنان"، كما يجب أن "تتضمن أي معاهدة مع لبنان نصا يتعلق بعودة القوات السورية للدفاع عن لبنان تجاه أي عدوان" وعن رؤيته للمنحى الذي سيتخذه التصعيد الأمريكي، قال الكيلاني إن "التصعيد سيتراجع إلى حدود تطبيق القرار 1559".

جدير بالذكر أن واشنطن شنت حملة ضغوط دولية على سوريا لحملها على الانسحاب من لبنان بعد وصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض. وأشار مراقبون متخصصون في قضايا الشرق الأوسط إلى أن المحافظين الجدد) حملوا برنامج طموحاتهم لاستهداف حزب الله ودفع سوريا للخروج من لبنان. ونجح المحافظون الجدد في إصدار قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية ومن ثم دفع بوش للعمل في مجلس الأمن مع جاك شيراك من أجل القرار 1559.
ونفّذت سوريا إعادة نشر قواتها من المدن اللبنانية باتجاه وادي البقاع مرات عديدة، أو سحبها إلى سوريا مقللة عدد جنودها في لبنان وهذا ما ساهم في تهدئة المعارضة اللبنانية التي ما لبثت أن نشطت مجددا أكثر مما مضى بعد التمديد للرئيس إميل لحود.
وكانت سوريا في خطوة رفضت مصادر سورية مطلعة وصفها "بالمفاجئة" أو "وليدة ضغوط خارجية"، أعلنت إعادة انتشار واسعة لقواتها في لبنان باتجاه الحدود السورية هي الرابعة خلال 4 سنوات. وتعني هذه الخطوة سحب وحدات عسكرية سورية لا تزال منتشرة في مناطق من جبل لبنان، ولا سيما في مناطق الدامور وعرمون وبولونيا وضهور الشوير وعاليه، باتجاه مواقع خلفية في مناطق البقاع.
وذكرت مصادر لبنانية أن المناطق التي أخلاها السوريون يوم أمس شملت: الناعمة والدامور ودوحة عرمون وبشامون جنوب العاصمة بيروت، وأفادت مصادر صحفية أنه جرى تجميع الآليات والمعدات ونحو 3 آلاف جندي لنقلهم اليوم إلى داخل سوريا. وتنطلق إعادة الانتشار على خطوات مستمرة حتى يوم تقرير كوفي أنان، ويبقى من غير المعروف حدود عملية إعادة الانتشار وفيما إذا كانت تقود إلى انسحاب كامل، في حين تقول مصادر صحفية إن الخطوة التالية في إعادة الانتشار ستكون في مناطق الشمال وتليها منطقة المتن وأخيرا محافظة البقاع.
وعلى الجانب اللبناني أعلن وزير الدفاع اللبناني محمود حمود عملية إعادة انتشار القوات السورية في بيروت رسمياً، وقال حمود في بيان وزعه بعد انتهاء اجتماعه مع نظيره السوري حسن تركماني في العاصمة بيروت اليوم، إن هذا الانتشار يأتي في إطار اتفاق الطائف الذي عقد بين الجانبين عام 1989.