غزة - وائل بنات ووكالات
في آخر التطورات المتعلقة برئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات، أعلنت ممثلة السلطة في فرنسا ليلى شهيد اليوم الجمعة 29-10-2004 ان التشخيص الطبي المتعلق بوضع الزعيم الفلسطيني الذي ادخل مستشفى عسكري قرب باريس, لن يصدر قبل بضعة ايام.
وقالت شهيد في مؤتمر صحافي امام مستشفى بيرسي في كلامار (غرب باريس) "تولى اطباء المستشفى الاهتمام بياسر عرفات منذ الساعات الاولى لوصوله. وهو الآن في غرفته. ويقوم الاطباء بكل الفحوص الضرورية من اجل وضع تشخيص صحيح".
وأضافت "لن نعرف شيئا قبل انتهاء الفحوص, الامر الذي يمكن ان يستغرق اياما عديدة", مشيرة الى احتمال ان يكون الأمر "حمى في الامعاء", من دون ايضاحات اخرى. واوضحت ان "ياسر عرفات متعب جدا, الا انه واع ومرتاح لوجوده هنا و طلب مني ان اشكر كل السلطات الفرنسية والمستشفى لاستقباله في هذه المهلة القصيرة. وهو سعيد لوجوده في فرنسا".
وكان وزير شؤون المفاوضات في السلطة الفلسطينية صائب عريقات أعلن في وقت سابق ان السلطة تلقت ضمانات وتأكيدات رسمية من اسرائيل بضمان عودة الرئيس ياسر عرفات بعد اجرائه الفحوصات وتلقيه العلاج في مستشفى في باريس.
واشار عريقات إلى أنه تم ابلاغ الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وجهات اخرى بهذه الضمانات، وعبر الوزيرالفلسطيني عن امله في شفاء رئيس السلطة الفلسطينية وعودته في اسرع وقت "ليواصل قيادته لشعبه نحو الدولة الفلسطينية المستقلة".
وردا على سؤال عن عدم تعيين الرئيس عرفات نائبا يتولى مهامه في فترة غيابه, قال عريقات ان "النظام الفلسطيني يقوم على نظام المؤسسات",موضحا ان "المجالس والهيئات القيادية تسير وتعمل بوضع طبيعي".
واضاف عريقات ان رئيس الوزراء السابق محمود عباس سيتولى مؤقتا رئاسة اجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفته امين سر اللجنة بينما سيترأس اجتماعات مجلس الامن القومي الاعلى موقتا احمد قريع بصفته نائب رئيس المجلس".
على صعيد آخر دعت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) في الى تشكيل قيادة وطنية موحدة لتكون مرجعية سياسية عليا للشعب الفلسطيني من اجل الاعداد لانتخابات عامة يشارك فيها جميع ابناء الشعب الفلسطيني.
وذكر بيان صادر عن اسماعيل هنية عضو القيادة السياسية لحماس أن"هذه الاسس السياسية اصبحت اكثر الحاحا في المرحلة الراهنة", في اشارة الى غياب رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات.
وبعد ان أوضح هنية ان حماس تتمنى الشفاء للرئيس الفلسطيني, أكد أن الحركة حريصة على "وحدة الشعب وتوفير كافة عناصر القوة وعدم السماح للعدو الصهيوني باستغلال أي متغير كبير في الساحة الفلسطينية (في اشارة الى غياب عرفات) لجهة اختراق الموقف الميداني"
واضاف ان حماس "تعمل دائما على وضع الخلافات جانبا لمواجهة العدو الصهيوني الجاثم على الارض الفلسطينية", مشددا على اهمية "الاستمرار في نهج المقاومة وعدم الاكتفاء بدهاليز المفاوضات العقيمة وترسيخ القيم التي ترسخ الوحدة السياسية والاجتماعية والميدانية".
|
وسعت "العربية.نت" لاستكناه الوضع السياسي الفلسطيني مع عدد من الخبراء الذين أشار غالبيتهم إلى أن الحال السياسي يمر بمنعطف خطير في ظل الوضع الصحي "الغامض" للرئيس عرفات، واختلاط كثير من الأوراق السياسية في الداخل والخارج. وتبدو المرحلة الراهنة بنظر كثيرين معقدة وشديدة الحساسية نظرا لأنها تتزامن مع تعقيدات تحيط القضية الفلسطينية برمتها، كما أنها تأتي بالتزامن أيضا مع وضع اقليمي "متحرك" ووضع دولي تمثل الانتخابات الأمريكية أبرز معادلاته المتغيرة.
ويلف غموض كبير المشهد الفلسطيني خصوصا مع التكهنات المتعددة لليوم التالي الذي يعقب عرفات والاحتمالات المفتوحة وسط عدد من السيناريوهات الفلسطينية والعربية وحتى الإسرائيلية التي تتوقع تفاصيل هذا المشهد.
يعتبر مصطفى الشنار أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة النجاح أن المجتمع الفلسطيني جزء من مجتمعات العالم الثالث المبنية على نظام قبلي يحكمه القائد الأوحد الذي له السلطة على الجميع، وسيوفر –والحال هذي- الغياب المفاجئ له، مناخا خصبا للصراع والاستقطاب بين مراكز القوى في المجتمع ، وهو ما ينطبق بشكل كامل على وضعية الرئيس عرفات .
ويسود شبه اتفاق بين الفلسطينيين أنه لم يجر اعداد الشارع السياسي الفلسطيني لهذا اليوم، وعلى مدى أكثر من 40 عاما من قيادة عرفات لمختلف المستويات السياسية الفلسطينية بدء بحركة فتح ، ثم منظمة التحرير الفلسطينية و مؤسساتها المختلفة و انتهاء بالسلطة الفلسطينية كان عرفات الشخص الوحيد الذي يمسك بزمام الأمور و لا يسمح بأحد أخر بمنافسته على ذلك .
وفي هذا السياق يقول د. عبد الستار قاسم أستاذ العلوم السياسية إن "عرفات قاد الفلسطينيين بشكل شخصي و عطل وجود قيادة جماعية أو نائب له و تفرد بشكل كامل بالسلطة ، وحتى في الأوضاع الصعبة العديدة التي مر بها ، كان يرفض أن يكون هناك آلية انتقال سلس للسلطة ، لأنه خلق العديد من القوى ، ومراكز القوى المتنافسة و المتصارعة على الساحة".
ويرى عبد الجواد صالح النائب في المجلس التشريعي من ناحيته أن هذا الأسلوب في إدارة الشأن الفلسطيني ، الذي غابت عنه المؤسسة ، و تنوعت فيه الأجهزة الأمنية غير الملتزمة بمرجعية واحدة ، هو ما يثير الآن المخاوف على مستقبل المؤسسات المختلفة التي يقودها عرفات في حالة وفاته.
ويفسر د.عبد الستار قاسم إصرار عرفات على القيادة بهذا الأسلوب إلى تخطيطه لحدوث حالة من الفوضى في حالة إقصاءه عن منصبه القيادي بأي شكل ، و بالتالي يصبح هو الوحيد الذي يمكن أن يحفظ التوازن للمشهد السياسي الفلسطيني ، لكنه نسي أنه في حال "غيابه" سيدفع الشعب الفلسطيني ثمن هذه الفوضى .
وعن السيناريوهات التي يمكن أن يشهدها الشارع السياسي الفلسطيني في حالة "غياب" عرفات يقول صالح " القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية ينظم الأمر ففي حالة وفاة الرئيس يخلفه رئيس المجلس التشريعي لمدة 60 يوما ، تجرى بعدها انتخابات لاختيار رئيس للسلطة الفلسطينية ، لكن تطبيق هذا السيناريو يتوقف على التزام كل الأطراف بالقانون ، و عدم تدخل إسرائيل لمنع حدوث الانتخابات أو فرض قيادة معينة" .
وفي السياق ذاته يفترض أمين مقبل رئيس اللجنة الحركية العليا لحركة فتح في الضفة الغربية أن تجري اللجنة المركزية لحركة فتح ، و اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية انتخابات لاختيار من سيخلف عرفات في قيادة حركة فتح و منظمة التحرير .
و المتأمل لهذا السيناريو السلمي –كما يقول مراقبون- يرى أن عرفات قد يستبدل بثلاثة قيادات على الأقل كلا منها سيرغب بطبيعة الحال أن يكون له الميراث الأكبر من تركة عرفات في السيطرة على الشأن الفلسطيني. ويشير الشنار إلى أن الإشكالية التي ستبرز في هذا الخيار هو أن عرفات كان رمزا يتفق عليه الفلسطينيون في الداخل و الخارج ، وهو أمر يصعب تحققه لأي شخصية أخرى في الوقت الحالي بشكل كبير .
ويبدو السيناريو الثاني في عرف هؤلاء المراقبين أكثر تشاؤما ، و يبنى على أن الأطراف المختلفة المهتمة بميراث عرفات السياسي لن توافق على طريقة الانتخابات كأداة انتقال سلمي للسلطة و بالتالي ستدخل في تنافس صراعي قد يصل لاستخدام السلاح كما سبق أن حدث لأكثر من مرة في التاريخ الفلسطيني الحديث ، و حتى في وجود عرفات.
ويرى الشنار أن ما يدفع بهذا السيناريو هي حالة الفوضى الموجودة أصلا في الضفة الغربية و قطاع غزة بعد عزل عرفات في المقاطعة منذ 4 سنوات ، والتي أدت لتقويض سلطته على الأرض بشكل كبير ، وتنامي قوة مراكز القوى ، لدرجة أن بعض المدن الفلسطينية يحكمها الآن شخص واحد مسلح ، ولا وجود لسلطة المحافظ و القضاء المستمدة من سلطة الرئيس ، لذلك فإن النخبة السياسية الفلسطينية معطلة ، و حل محلها مجموعات شبابية مسلحة ، انحرف بعضها عن الصالح الوطني وترجيح طرف على آخر على حد قوله.
|
ويشير المحلل السياسي الفلسطيني نهاد الشيخ خليل إلى وجود 3 صمامات أمان يمكنها أن تحد من وجود صراع فلسطيني داخلي في حالة موت عرفات ، أولها أن الأيام الأولى لغياب عرفات لن يحدث فيها اقتتال داخلي لأن الأحزان ستهيمن على المشهد ، و بالتالي ستكون هناك فرصة للاتفاق على آلية محدده لنقل القيادة ، و الثاني وجود مقاومة قوية ستكبح أي اقتتال داخلي في السلطة لأن أطراف السلطة لن تدخل في صراع يجعلها أضعف من المقاومة ، أما الثالث فيتمثل بتدخل أطراف عربية مثل مصر بشكل أكبر للتوصل لقواسم مشتركة بين الفرقاء المختلفين .
السيناريو الثالث الذي يتوقعه المراقبون هو تدخل إسرائيل بشكل مباشر لحسم مسألة خلافة عرفات عبر سيطرتها على ما تبقى من مناطق في الضفة الغربية وإعادة احتلال قطاع غزة بشكل كامل ، و بالتالي عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل اتفاقية السلام التي ، وقعتها إسرائيل مع منظمة التحرير .
أما الشيخ خليل فيقلل من إمكان حدوث هذا السيناريو متنبئا أن إسرائيل ستكتفي بدور المشاهد الذي سيقوم بتسويق الصراع بين الفلسطينيين على السلطة في العالم على انه حرب بين عصابات لا تستحق وجود دولة تمثلها ، في الوقت الذي سيستثمر فيه شارون هذه الحالة في استكمال تنفيذ مشروعه لانفصال عن الفلسطينيين ، و بناء الجدار الفاصل ، ثم يختار من أكثر القادة المحليين في غزة و في الضفة الغربية يمكنه التعامل معه في ظل الواقع الجديد الذي فرضه على الأرض و يتفاوض معه على قدر ما يملك من قوة وسيطرة محدودة.
من جهته يرى قاسم أن إسرائيل لن تتدخل بشكل مباشر في الصراع ، بل ستحرك عناصر مرتبطة معها لإحداث فوضى تنعكس سلبا على المقاومة الفلسطينية ، و تجعل إسرائيل أكثر أمنا. ويرى الشيخ خليل أن بموت عرفات ستتخلص إسرائيل من أخر القيادات الفلسطينية في السلطة و حركة فتح التي تربط بين الضفة الغربيةوغزة اللتين يريد شارون أن يفصل مستقبلهما عن بعض ، مشيرا إلى أن التوقعات الإستخباراتية في إسرائيل تعتمد على أن جيل عرفات يتمسك بالقضايا المصيرية في القضية الفلسطينية مثل القدس و ليس لديهم استعداد للتوصل إلى حل نهائي بمعزل عنها لذلك فإن إسرائيل تحلم بأن يأتي جيل جديد للقيادة أكثر برجماتيه و علمانيه و أقل تمسكا بالتراث الديني و الثقافي .
|
وحول موقف حماس من هذه السيناريوهات توقع الشيخ خليل أن يحاول بعض أطراف الصراع على السلطة الاتصال بحماس للاستفادة من قوتها في الشارع، لكن لن تنحاز حماس برأيه لطرف على حساب الآخر ، بل سيكون موقفها موقف الناصح الداعي للإصلاح و للتوصل لاتفاق ، معللا ذلك بأن كل أدبيات حماس تشير إلى أنها معنية بالمقاومة ، لا بالإنفراد بالسلطة الفلسطينية التي تنظر لها على أنها كيان لا يصلح للبقاء و ينطوي على إشكاليات وبخاصة في تعامله مع إسرائيل و بالتالي هي غير معنية به ، و تكتفي بموقعها في قيادة المقاومة وما يمنحه لها ذلك من سيطرة فعليه على الأرض .
|
