دبي - العربية.نت
اكتظت شوارع مكة الرابطة بين الحرم المكي ومقابر المعلاة بالمشيعيين الذين قدموا من أنحاء شتى في منطقة مكة المكرمة لتوديع فقيدهم الشيخ المحدّث الدكتور محمد علوي مالكي أحد أبرز العلماء السعوديين الذين اختلفوا مع المؤسسة "التقليدية الدينية" في بلاده،
واتهم المالكي في عقيدته، ونسبت له تهم التصوف وتشويه العقيدة السلفية الصافية التي ينهجها العلماء السعوديين، والتي تذم الابتداع في الدين، واستحداث أمور وصفوها بالبدعة المذمومة بنص الحديث الشريف، وهو ما ينفيه المالكي في كتاباته وردوده، وسجالاته العلمية مع علماء بلاده الذين وصفه بعضهم "بالضال".
وتوفي المالكي فجر الجمعة في مدينته مكة المكرمة إثر ارتفاع حاد في السكر بلغ 700 درجة، وقد صلى عليه إمام الحرم عقب صلاة العشاء في حشد بلغ مئات الآلاف من أتباعه ومريديه، الذين حملوه على أعناقهم إلى مقبرة المعلاة (تبعد حوالي ميل عن المسجد الحرام). وقد وري الثرى وسط حزن كبير من تلامذته الذين ألقى فيهم آخر درس في حياته قبيل وفاته بساعتين فجر الجمعة في منزله بحي الرصيفة.
وذكرت جريدة "المدينة" السعودية أن الشيخ زار المستشفى ليلة الجمعة إثر ارتفاع السكر وخرج بعدها بعد أن أحس بالتحسن وبعد أن أجرى الأطباء له كافة الفحوصات الطبية اللازمة لتعاوده النوبة ثانية وهو في منزله بعد ان انتهى من القاء درسه لطلابه في حوالى الساعة الثانية فجر الجمعة وفق ما قاله عدد من المقربين له. واثناء تناوله طعام السحور عاودته الآلام من جديد ليودع الحياة في منزله ولم تفلح الجهود التي بذلها أطباء المستشفى الذي نقل اليه مرة أخرى رغم قيام الفرق الطبية بانعاش بمحاولات يائسة لانعاش قلبه.
وقد نعى عدد من وجهاء مكة الفقيد، وتحدث د. محمد عبده يماني وزير الاعلام السعودي السابق وأحد اقرب المقربين للشيخ المالكي، والدموع تنهمر منه وقال "الحقيقة في هذه اللحظات لا نقول الا انا لله وانا اليه راجعون فالمصاب عظيم بفقدان عالم جليل وهو السيد الشيخ الدكتور محمد بن علوي مالكي الذي كان علما من اعلام مكة المكرمة بيته مفتوح وقلبه مفتوح للناس ولكل طلبة العلم التي تفد لمكة المكرمة لطلب العلم او الحاجة يستقبلهم في منزله ويرحب بهم وظل يحرص على اعطاء الدروس الفقهية والعلمية في الحديث النبوي الشريف وفي القرآن وتخرج على يده المئات الذين جابوا اطراف العالم الاسلامي والكرة الارضية واصبحوا في بلادهم من الاعلام والعلماء".
وأضاف يماني أن "الخسارة اليوم عظيمة ولكن عزاؤهم في ذلك انه انتقل الى جوار من هو أفضل وأعظم من أي شيء في هذه الدنيا الى جوار ربه الكريم الى من كتب على نفسه الرحمة وقال "ونحن وأنتم ترون كل هذه الوفود التي جاءت تعزي فيه لتعبر عن ألمها وحسرتها ولكنها في الوقت نفسه تعبر عن رضاها لقضاء الله وقدره".
وذكرت الصحيفة أن آخر مرة التقى فيها اليماني بالشيخ المالكي كانت مع بداية شهر رمضان الكريم عدة مرات وخلال الدروس الرمضانية المستمرة منذ سنوات في منزله وأنه قد حضر مع طلابه وكانت دروسا جملية.
|
المالكي المثير للجدل والسجال الطويل في بلاده، لدرجة كبيرة في العقود الماضية بسبب اتهامه بنشر البدع والضلال، والوثنية، ظهر آخر مرة في "الحوار الوطني السعودي"، وكان يقدم برنامجاً إذاعيا تبثه إذاعة القران الكريم التابعة للإذاعة السعودية. والقى كثيرًا من المحاضرات في التلفزيون السعودي، وخاصة عن السيرة النبوية.
ورغم ذلك فإن الحكومة السعودية لم تتدخل قط في قضيته وخصوماته، بل كان يلقي في شهر رمضان المبارك في أعوام عديدة دروسه وسط المسجد الحرام بمكة المكرمة، وكان ذلك شديدا على خصومه الذين طالبوا بمنعه من إلقاء دروسه تلك، "حتى لا يؤثر على المسلمين وينشر ضلالاته بينهم".
وكان بيان لهيئة كبار العلماء السعودية صدر في وقت سابق قد وصف المالكي بأنه على علاقة بالطرق الصوفية في عدة دول بينها مصر، وأنه على اتصال بمشيخة هذه الطرق، وأنه يزور شيخا محتجبا في مصر، وهو ما نفاه المالكي بين عدة تهم وجهت له من قبلهيئة العلماء السعوديين.
ووصف البيان المالكي بنشر كتب بدعية تحمل ضلالات و "معتقدات باطلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي وصلت بالرسول الى درجة من الغلو.. ما قال بها كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل ورد بشأنها النهي الصريح عن مثل هذا الزيغ والزيف والضلال". وكان البيان الذي رفع لمجلس الوزراء السعودي حينها لاتخاذ موقف تجاه المالكي حذر من الفكر الذي يروج له، مطالبا "بحماية عقيدة السعودية القائمة على حماية جناب التوحيد" من " داعية سوء يعمل على نشر الضلال والبدع في كتبه المملوءة بالخرافات والدعوة الى الشرك والوثنية".
|
ورد المالكي على كل التهم الموجهة له والتي وصفها بالباطلة مؤكدا أن لا علاقة له بالطرق الصوفية في مصر، معترفا ببعض "الأمور التي فاتته.. وبوجهة نظره في بعض المسائل (الخلافية) معهم".
وكانت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء قامت بقراءة كتبه التي اعترف أنهما له ومن إعداده وتأليفه ، وجمعت ما وصفته بـ"الأمور الشركية والبدعية التي فيها"، وهو ما رفض المالكي التجاوب معه إلا من خلال رسالة ضمنها رأيه.
ومن جملة المآخذ التي كتبها تقرير لجنة الافتاء السعودية حول المالكي قصيدة للبكري تتضمن حسب الهيئة "أنواعا من الشرك الأكبر وإعراض عن الله تعالى" وهي قصيدة تضمنت الغلو في شخص الرسول عليه الصلاة والسلام ناسبة له لا تنبغي إلا لله عز وجل. إضافة إلى قول المالكي بافضلية ليلة المولد النبوي على ليلة القدر، وكذلك اعتقاده بحياة النبي صلى الله عليه وسلم على الاطلاق، وأنه يصلي الصلوات الخمس ويتطهر، ويجوز أن يحج ويصوم، ولا يستحيل ذلك عليه وتعرض عليه الأعمال. ونشرت الرسالة عدة مآخذ على المالكي طالبته بالتوبة منها، ومن بينها أيضا اعتقاده ببركة قبور الأنبياء والصالحين، ووجوب الهجرة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
الجدير ذكره إلى أن العقيدة السلفية لا ترى جواز هذه الأمور بنصوص الشرع، وأن زيارة القبور لا تجوز، وأن قبر الرسول عليه السلام لا يقصد بذاته، وإنما يقصد مسجده للصلاة عليه، ثم السلام عليه لمن يزور المسجد، وهو من مجمل اعتقاد السلف.
وكان المالكي قد غلا في هذا التوجه حسب العلماء السعوديين، إذ يعتقد بأن لزائر قبر النبي صلى الله عليه وسلم عشر كرامات كلها رجم بالغيب وقول على الله بلا علم حسب لجنة الإفتاء. وقالت اللجنة في ردها "ومعلوم أن الاستشفاع والاستجارة به (النبي) بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من أنواع الشرك الأكبر.
و نقل المالكي في كتابه الذخائر المحمدية حسب ما أوردته اللجنة عن ابن القيم من كتابه جلاء الأفهام ما يوهم أن الطريق الى الله والى جنته محصور في اتباع أهل البيت يعني أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالت اللجنة ان المالكي "تصرف في كلام ابن القيم فلم ينقله على حقيقته، لأن ابن القيم في كتابه المذكور تكلم على ابراهيم الخليل وآله من الأنبياء، وذكر أن الله سبحانه بعث جميع الأنبياء بعد ابراهيم من ذريته ، وجعل الطريق اليه مسدوداً إلا من طريقهم، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فترك الشيخ محمد علوي مالكي نقل أصل كلام ابن القيم رحمه الله وتصرف فيه، فنقل ما يوهم القراء إن المراد أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يخفي أن هذا الرأي هو مذهب الرافضة الاثني عشرية ، وأنهم يرون أن الأحاديث الواردة من غير طريق أهل البيت لا يحتج بها ولا يعمل بها ولو كان الراوي لها أبا بكر الصديق أو عمر أو عثمان وتدليسٌ شنيعٌ أراد به تحقيق مقصد سيئ خطير".
|
يذكر أن الخلاف والجدل الدائر بين الطرفين قد وصل للمسلسل الكوميدي "طاش ما طاش" في الحلقة الخاصة بمعلمي وزارة التربية والتعليم. وتعرضت الحلقة بصورة هزلية للمشكلة بطريقة وبلفتة سريعة حيث قام أحد المعلمين بتحذير الطلاب من الفائت الضالة وبدا في التكفير وتعرض لتكفير الصوفية. وذكر من حول الشيخ أنه ابتسم كثيرا وهو يشاهد هذه الحلقة.
|
حضر اكثر من 600 طالب من طلاب العلم إلى منزل الشيخ ليستمعوا لدرسه الأخير قبل وفاته في الليلة السابقة والذي استمر فيها الدرس على غير المعتاد حتى الساعة الثانية من صباح الجمعة أي قبل وفاته بساعتين رحمه الله. وبعد وفاة الشيخ عند صلاة المغرب لم يستطعن شقيقات الفقيد من الدخول للمنزل بسبب الحشود الهائلة التي التفت حول منزله وبقين داخل السيارات التي تناولن فيها طعام الافطار وبذل رجال الأمن جهوداً كبيرة لتفريق تلك التجمهرات حتى سمح لهن بالدخول والقاء النظرة الأخيرة للفقيد نظرة الوداع. وتهافت اهالي حي الرصيفة والاحياء القريبة المجاورة بموائد طعام الافطار في منزل الفقيد للتعبير. رافقت الجنازة عشر كاميرات فيديو تصور اللحظات الأخيرة من وداع الشيخ المالكي.
يذكر أن الشوارع والطرق المؤدية الى المقبرة قد اقفلت طيلة فترة مرور الجنازة بسبب الحشود الهائلة التي صاحبت الجنازة من المسجد الحرام الى المقبرة، وقد غادر ابن الفقيد ( الاكبر) غادر المقبرة فور دفن والده ولم ينتظر العزاء لشدة تأثره.
|
ولد الشيخ محمد علوي مالكي بمكة المكرمة عام 1362هـ ونشأ بها نشأة دينية تكفل له بها والده "الامام السيد علوي مالكي". وقد تعلم المالكي في حلقات العلم بالمسجد الحرام لدى كبار العلماء بالحرمين الشريفين وعلى رأسهم والده، والشيخ حسن محمد المشاط وعليهما تخرج.
كما درس في مدرسة الفلاح إحدى أقدم المدارس في مكة المكرمة والمدرسة الصولتية ودرس في مدرسة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة. وبعدها رحل في طلب العلم الى الهند وباكستان وأخذ هناك عن كبار علماء الحديث.
يذكر أن الشيخ تخرج من الأزهر في الدراسة النظامية حيث نال الماجستير والدكتوراه من كلية أصول الدين بالأزهر. ثم رحل أيضا إلى المغرب فأخذ عن جملة من علمائها، ومن ثم عاد إلى مكة وأخذ الحديث والتفسير والأصول وعلوم اللغة العربية عن كبار علماء المسجد الحرام. تعين الشيخ مدرسا بكلية الشريعة بمكة المكرمة وذلك في عام 1390هـ الى سنة 1399هـ.
وقد برز في المسجد الحرام في مقام والده السيد علوي مالكي بعد وفاته في 25 صفر 1391هـ اذ اجتمع عدد من علماء مكة المكرمة وعلى رأسهم الشيخ حسن المشاط والشيخ محمد نور سيف والشيخ محمد سليم رحمت الله والسيد امين كتبي وغيرهم, فكلفوه بالتدريس في المسجد الحرام في حلقة والده السيد علوي التي استمرت خمسين عاما بلا انقطاع وقد اهتم بالتدريس في الحرم لأبناء المسلمين.
وكانت له في المسجد في كل ليلة ثلاثاء دروس متتالية ومتتابعة مستمرة بلا انقطاع صيفا وشتاء لا ينقطع عن ذلك إلا لعذر شرعي. وقد كانت دروس الشيخ متنوعة تجمع بين التفسير والحديث والأصول والسيرة النبوية واللغة العربية والعقيدة الإسلامية والفقه والوعظ والإرشاد. ودرس المالكي في هذه الحلقة العلمية جملة كبيرة من الكتب وخصوصا كتب السنة النبوية. ولم يتوقف نشاطه عن التدريس بالمسجد الحرام, بل تعداه إلى الإذاعة اذ كان له فيها محاضرات دينية وأحاديث أسبوعية تذاع عبر البرنامج العام وإذاعة نداء الإسلام.
وقد شارك في المواسم الثقافية بالرابطة الإسلامية العالمية فكان يلقي في كل عام محاضرة الافتتاح للموسم الثقافي من عام 1391هـ كذلك شارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية العالمية. وقد انتخب محمد علوي مالكي لرئاسة لجنة التحكيم الدولية لمسابقة القرآن الكريم في مواسم 1399/1400/1401هـ وترأس جلسات متعددة في مؤتمر الإمام مالك الذي يعقد سنويا في المغرب.
زار كثيرا من بلاد المسلمين وألقى فيها جملة من الدروس والمحاضرات خصوصا شرق آسيا حيث يوجد فيها أكثر من ثلاثين مدرسة ومعهدا ومسجدا وهو يقوم بالإشراف عليها والسعي في مساعدتها وترتيب مناهجها وتنظيم أحوالها وتوجيه أساتذتها وصرف الإعانات لهم وانتخاب بعضهم لإتمام دراستهم على حساب بعض أهل الخير والمعروف في داخل المملكة وخارجها.
للشيخ مؤلفات عديدة بلغت أكثر من (37) منها دراسات حول الموطأ ،و فضل الموطأ وعناية الأمة الاسلامية به ، ودراسة مقارنة عن روايات موطأ الإمام مالك ، وشبهات حول الموطأ وردها ،وإمام دار الهجرة مالك بن أنس.
كما ألف كتباً عديدة في مصطلح الحديث : أسماء الرجال ،و التصوف ،و علم الأسانيد ، والاثبات ، القواعد الأساسية في علم مصطلح الحديث ، والقواعد الأساسية في علوم القرآن ، والقواعد الأساسية في أصول الفقه. زبدة الاتقان في علوم القرآن ، العقود اللؤلؤية في الأسانيد العلوية ،اتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية ،والطالع السعيد المنتخب من المسلسلات والأسانيد ، كتب عن آثار مكة ، كتاب في رحاب البيت الحرام ، وصنف في الشمائل المحمدية وكتاب : الانسان الكامل.وتاريخ الحوادث النبوية ، والعديد من المؤلفات الأخرى .
|
