دبي- العربية.نت
المسلسل الكوميدي السعودي “طاش ما طاش” ظاهرة غريبة من نوعها لأنه يبث على قناة تلفزيون حكومي يفترض أنها تسعى للحفاظ على "استقرار" المجتمع والدفاع عن وضعه الحالي الذي تحفز عليه القوانين والعادات، ولكن المسلسل يقوم بالعكس تماما حيث يدعو للتغيير ويحفز التمرد ويثير الجدل في المجتمع السعودي المحافظ. هذه خلاصة تقرير صحفي أعدته جريدة "اللوموند ديبلوماتيك" الفرنسية الشهيرة التي حاولت فهم المجتمع السعودي من خلال تفاعله مع مسلسل طاش ما طاش.
ولعل ما لفت نظر الجريدة تلك المظاهرة التي قام بها 40 سعوديا في رمضان الماضي قبل الإفطار على بوابة وزارة الإعلام في الرياض محتجين على مسلسل "طاش ما طاش" ومطالبين بإيقافه بعد الحلقة الشهيرة التي انتقدت الإجراءات الرسمية والدينية في السعودية التي تجعل من وجود المحرم شرطا أساسيا لإنهاء المعاملات ودخول الكثير من الأماكن بالنسبة للمرأة، وهي الحلقة التي كفر بعض العلماء السعوديين مثل الشيخ صالح السدلان القائمين على المسلسل على أساس أن هذا استهزاء بالدين (وهو الأمر الذي اعتذر عنه الشيخ السدلان لاحقا). وكان المسلسل قد عرضفي تلك الحلقة المشاكل التي واجهت سيدتان بسبب سفر محارمهما للخارج، حيث لم يستطيعا أن يتحركا بحرية في البلد ولا أن يقضيا حوائجهن دون مشاكل أو مضايقات أو تعقيدات بسبب عدم وجود محرم.
طاش ما طاش، الذي رصد التقرير شعبيته الهائلة في السعودية والأردن وغيرها والذي يجعل الشوارع أثناء بثه خالية من الناس حسب تعبير الجريدة، كان مدخلا للصحيفة الفرنسية على فهم واقع المرأة السعودية أو "رمز المجتمع السعودي المختفي"، كما كانت محاولة لفهم نظام التلفزيون السعودي حيث تقول الصحيفة بأن القناتين بقيتا تسودان الساحة الإعلامية في السعودية بدون منافس حتى حرب الخليج عام 1990 وغزو العراق للكويت والتي لم تغطيها القناتان بالشكل المطلوب -حسب ما يرى بعض السعودييهن، الأمر الذي حفز وزارة الإعلام السعودية على إطلاق قناة رياضية والقناة "الإخبارية"، وهي خطوة جعلت القنوات الفضائية – والتي يحرمها بعض المفتين السعوديين - "جزءا لا يتجزأ من المنزل السعودي.
وتحدثت الصحيفة ايضا عن بطلا المسلسل عبدالله السدحان وناصر القصبي واللذان – بحسب الصحيفة – لم يحلما أن يحصل لهما هذا النجاح. وقد بدأ النجمان مسيرتهما الكوميدية خلال مسرح الجامعة حيث كانا يدرسان الهندسة الزراعية. لكن النجمان تركا هذا المجال "البيروقراطي" واتجها إلى الكتابة المسرحية. وفي عام 1990 قدم النجمان فكرة برنامج لوزير الإعلام السعودي انذاك علي الشاعر، وبعد ثلاثة سنوات من ذلك التاريخ ولد مسلسل طاش ما طاش، والتي أعلن فيها النجمان عن نيتهما لـ "نقد التقاليد والعادات الإجتماعية، والإجراءات الإدارية والعادات السياسية".
ولم يترك النجمان أي شئ إلا وتعرض للنقد بدءا بالتزمت الديني مرورا بالتميز ضد المرأة والغلو والمبالغة في التقاليد أو الأخطاء الرياضية المشينة، والفساد الإداري والبيرقراطية، وأخطاء الشرطة حتى انهما انتقدو بقايا التزمت القبلي ايضا. ودخلوا في منطقة حساسة جدا حين انتقدوا المنافقين الذين يحيطون ببعض المسئولين والإدارات الحكومية السعودية وإجراءاتها.
وأشارت الصحيفة إلى الانتقادات المختلفة التي عرضها المسلسل من خلال حلقاته بدءا بي مشاكل الأزواج والزوجات داخل المنزل، وإلى كبار السن الذين تضاربوا على امرأة جميلة، وحتى أحداث الرياض وكيف أن الإرهابيين أشغلوا أجهزة الأمن السعودي وأربكوهم ووظفوا صغار السن للإرهاب.
وتتابع الصحيفة مراقبتها للمسلسل حيث ذكرت أنه تعرض لإحتمالية الإيقاف وبقي الأمر معلقا حتى مجيء وزير الإعلام الجديد فؤاد الفارسي. كما ذكرت الصحيفة موقف هيئة كبار العلماء التي ادانت المسلسل في عام 2000.
وتعرضت الصحيفة إلى تجاهل الحكومة لموقف الهيئة – والتي تعتبر أكبر مؤسسة دينية في الدولة – وإلى موقف وزير الإعلام من تثبيت المسلسل وعدم إيقافه. وعلقت بذلك قائلة "قد يكون تجاهل المؤسسة الدينية مقبولا، ولكن تعريض شعبية المسلسل للخطر فلن يقبل".
وبرر باحث اجتماعي سعودي للصحيفة سبب الحصانة التي يتمتع بها “طاش ما طاش” إلى أنه مسلسل ينتقد "من الهامش" وبشكل مقبول لأنه خفيف ومضحك. وقال الباحث للصحيفة "كل حلقة من حلقات المسلسل تحمل رسالة، وفي بعض الأحيان تحتاج إلى فهم لغز بعض الرسائل والتي ربما لا تجدها حلها في نهاية الحلقة". واعتبر الباحث ان النقد الذي يقدمه المسلسل يأتي بصورة مهذبه دون أن يتحدى النظام. واضاف "نحن نتعامل مع ناقد اجتماعي يتحرك في اطار اجتماعي موجود، ويبقى المسلسل في ذات الإطار حينما يتعرض لنقد بعض المظاهر السايسية وخاصة في التعامل مع الفساد الإداري".
وتحدث السدحان للصحيفة مبينا اعتزازه بحال “طاش ما طاش” اليوم حيث قال "نحن مشروع مستقل وخاص ولكننا نتوافق مع التلفزيون الرسمي السعودي الذي حمانا من الحمير ومعتلو العقول". وفسرت الصحيفة مقصد السدحان برجال الدين مثل اولئك الذين تظاهروا ضدهم عام 2003.
وتقول الصحيفة أن القائمين على “طاش ما طاش” يعترفون بفضل من هاجمهم حيث قال السدحان "يمكننا ان نقيس حجم نجاح المسلسل بالنظر إلى كتابات بعض طلاب الجامعات من بعض التخصصات الدينية مقالات ضد البرنامج وطالبوا بإقافه بإسم الدين".
ومن جهة أخرى لم تغفل الصحيفة الرأي الاخر حيث نقلت صوت محمد الحضيف (الناقد السياسي والإسلامي) الذي قال أنه ليس كل انسان يحب مثل هذا النقد المفتوح تجاه الدين وتأثيراته الاجتماعية، وهذا ليس لإن هؤلاء الناس متزمتون، لإننا إذا قلنا أن المتدينون كلهم محدودي التفكير ومتزمتون يعني أننا تجاهلنا أن في بلادنا مئات المتدينين من الأطباء والمهندسين واساتذة الجامعة والذين نالوا درجات علمية عالية من داخل وخارج البلاد".
واعتبر الحضيف أن الإسلاميين اصبحوا أقليه في السعودية وطالب بحمايتهم من "هجمات الإعلام".
ونقلت الصحيفة أيضا تعليقا من أحد اساتذة اللغة من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة والي ينتقد المسلسل لتعرضه للهجات المختلفة وتجسيده لشخصيات تسيء لأهل المنطقة التي يمثلها. وقال "إن الشخصيات التي يجسدونها سواء الرجل الذي من الجنوب او من الحجاز لا تمثل الواقع"، بل تمثل كيف ينظر سكان المنطقة الوسطى في السعودية (مصدر المسلسل) لسكان المناطق الأخرى.
ونقلت الصحيفة رأي الكاتب والناقد محمد عباس بجريدة الرياض والذي يرى أيضا في المجتمع ظاهرة اجتماعية هامة، حيث يقول العباس - حسب ما تروي الجريدة: هذا المسلسل "يقودنا لحقيقة حزينة: الواقع نكتة كبيرة كلنا شاركنا في روايتها، لكن ليس لأي منا الحق أو القوة لتغييرها. كل ما نملكه هو الحق لمشاهدة الممثلين يقلدون أخطائنا، ولنسمع أصواتنا من خلال أصواتهم". ويضيف العباس: "كلما تعاظمت المصيبة، كلما كان صعبا على مجتمع ما أن يضحك"، ولذا فهذا المسلسل "مشروع رعاية اجتماعية".
|
