القدس المحتلة - قدس برس
"جيش بأكمله أصبح لديه القتل والتنكيل بالمدنيين أمراً ممتعاً وطبيعياً في كل قطاعات الجيش وفي وحداته المختارة"، كلمات قليلة أطلقها أحد الضباط الإسرائيليين في شهادة قدمها أخيراً، قادرة على رسم صورة قاتمة للحياة الفلسطينية التي يتحكم فيها جيش متعطش للدماء بحسب شهادات قدمها مئات من ضباطه وجنوده.
ويبدو أن الطريقة الوحشية، التي قام بها أحد الضباط (من أصل درزي)، وهو قائد سرية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، عندما قتل الطفلة إيمان الهمص، بعد أن أطلق عليها 30 رصاصة بعد قتلها بنيران جنود خاضعين له، 10 منها في الرأس، بدأت تكشف عن جزء من وحشية الاحتلال، من خلال شهادات قامت بجمعها حركة جديدة تطلق على نفسها اسم "يحطمون الصمت"، وتم نشرها في يومية "معاريف" الإسرائيلية.
وفي شهادة تكشف مدى التنكيل بعجوز فلسطينية يقول نقيب في وحدة "ناحل" العسكرية الخاصة "ونحن نجلس لنرتاح في أحد المنازل العربية على الأرائك وقبالتنا امرأة عجوز طاعنة في السن بين الثمانين والتسعين من عمرها.. الرفيقان اللذان جلسا بجانبي أخذا يلعبان معها لعبة ما.. كانا يلوكان الورق ويحولانه إلى كرات صغيرة، ومن ثم يبصقان عليها.
وشهادة أخرى لضابط في كتيبة 50 من "الناحل" هي كتيبة الشبيبة المقاتلة، يقول فيها "قلنا لأحد المطلوبين إن يجلس.. أجلسنا الكلاب إلى جانبه.. اثنان من كل جانب، وصورناه، (كان خائفاً جداً)، وسألناه "لماذا.. أنت خائف؟" لمجرد الضحك".
أما شهادة عريف أول في وحدة عوكتس فيقول "كان هناك إجراء، إذا كانت مجموعة أطفال ترشق الحجارة، نمسك بأحد الأطفال ونربط يديه بالقيود، ونغطي عينيه بقماشة، ونبقيه لعدة ساعات لدى حارس الكتيبة. صعدت إلى الحراسة في الثامنة ليلا، ووجدت أحد الأطفال جالسا، حسب الإجراءات، مع عينين معصوبتين ويدين مقيدتين، ولأن هذه حراسة، وجدت سبيلا لقضاء الساعتين التاليتين "بترفيه" للطفل في النهاية.. قلت له إنه "يمكنه أن ينهض ويذهب"، اعتقدت أنه لا يفهم ما أقول، ولكنه نهض حقاً.. واضح أنني خفت من قائد الحظيرة، قلت له إنني لا أستطيع أن أطلق سراحه، وليعد إلى الجلوس فانفجر باكياً".
وتحدث مئات الجنود المسرحين عن عمليات التنكيل، وإعطاب الممتلكات، وخرق أوامر إطلاق النار والنهب، كونها أضحت ممارسات طبيعية، في صفوف قوات الاحتلال، فـ"هذه ليست أعمالاً شاذة. والأمر لم يعد يحدث في الهوامش، وليس مرضا أصيب به مقاتلو شمشون وحرس الحدود (وحدات عسكرية خاصة) وحدهم. الأمر موجود في كل الجيش بكافة أشكاله وصنوفه وفي وحداته المختارة، ذات مرة كنا جيشاً أخلاقياً. أما الآن فلم نعد"، هكذا قال جنود إسرائيليون، وهم يصفون ما يعرفونه جيدا من ممارسة الجيش الذي ينتمون إليه.
|
وقال الضابط زيف (24 عاماً)، وهو ضابط متفوق في سلاح المدرعات، وكان قائد فصيل في سرية قتالية، ونائب رئيس فرع في مركز التدريب على إطلاق النار، "كلنا (ر)"، وهو ما يرمز إلى اسم قائد السرية، الذي تأكد من قتل الطفلة إيمان الهمص. ويعتقد هذا الضابط أنه كان عليه أن يجلس على مقعد الاتهام إلى جانب الضابط (ر)، لأنه قام بمثل ما قام به ذلك الضابط.
وتابع القول "أنا تحولت إلى غول.. أربع سنوات ونصف من الخدمة العسكرية كضابط قتالي معتز.. أنت تشعر أنك تستنفد ما تربيت عليه، أنت تؤمن بما تفعله، ولكن حينئذ تخرج خارج الدائرة، وتنظر إلى الخلف تدرك أنك كنت وحشاً وطاغية"، على حد تعبيره.
واعتبر زيف أن "الذي فعله (ر) أمر يمكن تفهمه، أنا لا أشعر بالصدمة، لأنني اعتقد أن من يتحمل مسؤولية هذا الوضع المستحيل هم الضباط والجهاز العسكري، لا فرق إذا كان من قُتل فتاة في الثالثة عشرة أو غير ذلك. كم يبلغ عدد الأشخاص الذين قُتلوا، وتم التأكد من موتهم خلال العمليات؟ فهل كانت تلك الحالات على ما يرام فقط لأن عمرهم في الأربعين؟".
ويروي ضابط آخر في شهادته عن الأوامر التي تم تزويدهم بها بفتح النار على كل من يحمل في يده زجاجة حارقة. وبالفعل نفذ عناصر الوحدة العسكرية هذه الأوامر، وكان الضحية طفلا في العاشرة من العمر أصابه القناصة بعيد قذفه الزجاجة مباشرة.
|
أما شهادة يهودا شاؤول (22 عاماً)، الرائد في الاحتياط فيشير فيها إلى أنه كان "قذارة"، مضيفا بأنه استمتع بالتحكم في الفلسطينيين والابتسامة تعلو شفتيه. يقول هذا الضابط "جئنا إلى الخليل في المرة الأولى بعد تجنيدنا بسبعة أشهر. أرسلونا إلى موقع عسكري في مدرسة. موقع كان في يوم من الأيام مدرسة للفلسطينيين. أنا كنت مدربا على رشاش قنابل، من أجل الرد على الأسلحة الثقيلة التي يطلقها الفلسطينيون من جبل أبوسنينة نحو الموقع الاستيطاني اليهودي هناك. المسؤول قال لنا وهو يعطينا الإرشادات إن علينا أن نطلق النار عندما يقومون بالإطلاق.
وما يحدث بعد ذلك هو أنني أقوم بالإطلاق مع من حولي على 3 رصاصات تُطلق من الجهة المقابلة، ولكن عملية الإطلاق التي نقوم بها ليست دقيقة، وهي توجه نحو مدينة، وأنا بدوري شريك في ذلك".
وبعد أن يسرد المزيد من قصص إذلال الفلسطينيين يقول يهودا في شهادته "رويداً رويداً تشعر أنك تفقد نفسك، جيل بأكمله يفقد صوابه، ولا يقول أحد أي شيء، ذلك لأن الأمر مريح. الناس لا يريدون أن يعرفوا أن أولادهم يقومون بتوجيه الضربات للناس على الحواجز. ولكن لا سبيل آخر. هذه معلومات دقيقة. وصلت إلى هناك فخرجت جريح النفس. ومن يقول غير ذلك هو كاذب".
|
يروي نقيب في قوة "جولاني" الخاصة، الكتيبة 51، بعضاً من مشاهداته بالقول "في بعض الأحيان يقوم الجنود بذلك من أجل المتعة، يطلقون النار على أجهزة التلفاز. رفاقي من المظليين كانوا يحدثونني عن أنهم كانوا يستلقون على أسطح المنازل في نابلس، ويطلقون النار على الحمامات الشمسية، حتى يروا كيف تنفجر، أو أن بعضهم كان يسرق أقراص الحاسوب والدولارات، من أجل التسلية والاستمتاع فقط".
ويشير نقيب في وحدة "ناحل" العسكرية الخاصة إلى أن الفصيل، الذي كان يخدم فيه، "دخل للسيطرة على بناية من 10 طوابق. أنا وجندي آخر قمنا باقتحام كل الشقق وتجولنا فيها. دخلنا إلى إحدى الشقق فوجدنا فيها عدداً كبيراً من الأجهزة الإلكترونية الثمينة. وخلال البحث والتنقيب بين الأغراض وجدت مكبر صوت للتسجيل. الجهاز أعجبني فأخذته معي إلى البيت".
شاي ساغي (22 عاماً)، نقيب في الاحتياط من كتيبة المظليين رقم 890، واليوم هو طالب في السياسة والإعلام في مركز هرتسليا متعدد المجالات، يقول "كنا نسرق من الشقق نفسها.. كنا نفحص ما يمكن أخذه.. في البداية بدأنا مع أشياء صغيرة مثل الخواتم والقداحات.. ومن ثم طورنا أنفسنا. كاميرات فيديو وكاميرات شخصية.. وفي مرحلة معينة دخلنا في إحدى البنايات في نابلس وأخرجنا منها جهاز ستيريولاستخدام السرية (العسكرية). كما أخرجنا جهاز فيديو وكاميرات فيديو وكاميرا رقمية نوعية وشريط تسجيل.. وكنا نقوم بفحص الغنائم، ومن ثم نوزعها بيننا، ونعطي كل شخص ما يريده".
ويؤكد أن "كل معتقل تقتاده في السيارة العسكرية، تلقى سلسلة من الضربات من كل الرفاق الموجودين فيها، صفعات ورفس بالأحذية العسكرية، هذا روتين". كما يشير إلى أنه خلال عملية "السور الواقي" تم اقتحام محلات الحاسوب، "قضية النهب هناك كانت جنونية عموما".
ويكشف عريف أول في وحدة "جولاني" عن أنه عندما يؤخذ المعتقل من السجن إلى العيادة أو الطبيب، في الطريق يلتقط الجنود صوراً معه، وهو مكبل، وهم "يلقون عليه أعقاب السجائر، أو يلقونه هو، يتخذون الصور معه.. أذكر أحدا ما وضع سلاحه على المعتقل هكذا وتصور معه.. يوجد ألف شيء وشيء".
|
