يوسف الهوتي: رابين "أعفاني".. وعراق الرشيد "أبكاني"
من قال إن الفرح ليس مهنته؟!
رغم كآبة المشهد السياسي العربي يؤمن الإعلامي يوسف الهوتي بمقولة نيكولاس شامفور بأن اليوم الضائع في حياة الإنسان، هو ذلك اليوم الذي لا يبتسم فيه.. والمقربون من الهوتي من أصدقاء وزملاء عمل يرون فيه شخصيتين مختلفتين كما يقولون، الأولى جادة يفرضها عليه وقوفه أمام الكاميرا وقواعد العمل الإعلامي، أما الأخرى فتمتاز بالمرح وإضفاء جو من الفرح على المحيطين به.
ورغم اعتراض والده الراحل على أن يدرس ابنه الإعلام، إلا أن الهوتي شق عصا رغبة والده دون "أن يشق عصا طاعته"، واختار ولوج مهنة البحث عن المتاعب عوضا عن الانخراط في السلك العسكري، كما فعل معظم أشقائه، "في البداية تعرضت كثيرا لتأنيب والدي - رحمه الله- وفي بعض الأحيان أصبت بإحباط شديد لدرجة أنه كثيرا ما رواد تني فكرة الهجرة إلى الغرب، ولكن بعد أن أثبت وجودي كمذيع ومقدم برامج متميز في التلفزيون العُماني، شعرت بسعادة والدي ورأيت ملامح السعادة في وجهه.
بدأت ملامح عشق يوسف للعمل الإعلامي منذ الصغر، عندما كان طالبا في الصف الخامس الابتدائي في مدرسة قريته "بركا" في منطقة الباطنة بسلطنة عمان، عندما ألقى موضوعا إنشائيا أمام الطلاب خلال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وذلك بعد أن أعجب مدرس اللغة العربية بمقالته رغم وجود طلاب أكبر منه.
وبعد انتقاله إلى أقدم مدرسة في عمان (المدرسة السعيدية) بالعاصمة مسقط "شاركت في الإذاعة المدرسية، وفي المرحلة الثانوية شكلت مع مجموعة من الأصدقاء (جماعة الصحافة) التي أحرزت المرتبة الأولى على مستوى مدارس السلطنة في مجال الإعلام المدرسي".
وبغية صقل موهبته الإعلامية أكاديميا توجه الهوتي إلى مصر للتخصص، حيث درس في الجامعة الأمريكية في القاهرة لمدة سنتين، ثم تابع دراسته في مجال الإعلام في جامعة الإسكندرية، "وفي عام 1988م التحقت رسميا بوزارة الإعلام العُمانية بقسم الأخبار في التلفزيون الرسمي كمحرر ومراسل محلي".
ويردف يوسف "بقيت على ذلك الحال لمدة شهرين، ثم طلب مني وزير الإعلام أنذاك أن أتدرب على تقديم نشرات الأخبار، وبعد أسبوع واحد من التدريب تم نقلي إلى قسم المذيعين بالإضافة إلى عملي كمحرر".
ومع اجتياح القوات العراقية للكويت في أغسطس/ آب 1990 "رشحني وزير الإعلام لتولي رئاسة دائرة الأخبار في التلفزيون، فكان هذا الأمر بمثابة مفاجأة لي نظرا لوجود زملاء أكبر سنا وأكثر خبرة مني، ولكن كان لابد لي من قبول المهمة نظرا للظروف التي كانت تمر بها منطقة الخليج العربي".
ثم كانت المفاجأة الأخرى للهوتي كما يقول، عندما أشاد السلطان قابوس بن سعيد بالسياسة الإعلامية والإخبارية في متابعة أحداث حرب تحرير الكويت، "وبالطبع كان يشير بذلك إلى دائرة الأخبار في الإذاعة والتلفزيون العُمانيين التي كنت أرأسها في تلك المرحلة.
وفي عام 1991 عمل الهوتي مراسلا لقناة MBC في عُمان لتغطية الأحداث في منطقة المحيط الهندي، "وبقيت أجمع بين عملي في التلفزيون العماني ومراسلا لـ MBC حتى عام 1995، عندما أعلنت عن الزيارة السرية لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحاق رابين لمسقط، ونتيجة لذلك أصدر وزير الإعلام قرارا بفصلي، ثم تراجع بعد ذلك واكتفى بإصدار قرارا بإعفائي من منصبي كمدير للأخبار".
تفرغ الهوتي بعد ذلك لتقديم برنامج "دائرة الضوء" والذي حقق شعبية كبيرة في أوساط المجتمع العُماني، "في كثير من الأحيان كانت الشوارع تخلو من المارة لمتابعة حلقات البرامج، نظرا للقضايا التي كنت أطرحها في البرنامج، والذي استطاع أن يصل إلى المناطق الفقيرة من البلاد، بالإضافة إلى متابعة ومراقبة عمل الحكومة ولاسيما الوزارات ذات الطابع الخدمي، وإظهار السلبيات من خلال طرح رأي المواطن وصاحب الشأن، وثم مساءلة المسؤولين الحكوميين عن تلك المشاكل".
ويوضح يوسف أن البرنامج أصبح "بعبعا" يخيف الكثير "من المسؤولين المتساهلين، وكل من يتخاذل في القيام في واجباته، ورغم المضايقات والتهديدات التي كنت أتعرض لها، إلا أن السعادة كانت تغمرني عندما كنت أرى برنامجي يساعد في حل مصاعب الناس ويخفف عنهم".
ومع انطلاقة العربية قبل نحو عام ونصف انضم يوسف الهوتي لها ليكون من المشاركين في انطلاقتها، "لقيت ترحيبا وتشجيعا كبيرا من زملائي في القناة باعتباري أول مذيع خليجي ينضم إلى المحطة، وكان أمامنا تحدي، لأن انطلاقتنا تزامنت مع الحرب الأمريكية البريطانية على العراق، واستطعنا أن نثبت حضورا قويا، ولله الحمد فرغم أن قناة العربية لا تزيد عن عامين، ولكن ما يشاهدها يعتقد أنها أنهت عقدين من الزمن لانتشارها السريع، وثقة المشاهد بها".
ويردف يوسف "وقد انعكس ذلك النجاح المذهل للعربية علي وعلى بقية زملائي، وهذا ما جعلني أحظى باحترام الجمهور أينما حللت بالوطن العربي، لأن ما نقدمه من جهد يلاقي الاحترام والتقدير".
وعن ما أضافت له قناة العربية يقول الهوتي "أضافت لي أشياء كثيرة، فهي نقلتني من المحلية إلى الجمهور العربي في مختلف أنحاء العالم، وجعلتني أكثر اهتماما بالأحداث السياسية في الوطن العربي والعالم.
ومن خلالها وصلت إلى أن ما يؤثر في أي بقعة في العالم من أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية يؤثر بطريقة وبأخرى على وطننا العربي الكبير، وهذا ما دفعني إلى دراسة تاريخ وحضارة الأمة بشكل عميق وتركيز أكثر، ودافعي من وراء ذلك هو أن نتمكن من طرح قضايا هذه الأمة بنفس غير مهزومة ولا مكسورة، وإنما ألقي الضوء عليها باعتبار أن ما تمر به من أزمات هي فترة آنية ستنهي يوما ما".
ومن الأحداث التي رسخت في ذهن الهوتي سفره إلى قطر لتغطية مؤتمر القمة الإسلامية الذي عقد في الدوحة قبل وقوع الحرب ببضعة أيام، "عندما وصلت فوجئت بأن السلطات القطرية ترفض دخول أي مراسل صحفي لقناتي العربية وmbc لتغطية أحداث المؤتمر، غير أنني استطعت أن اجتاز الحواجز ودخلت إلى أروقة المؤتمر دون معدات تصوير، ولكن اكتشفت أن ما حدث كان (فضيحة)، وليس لقاء ولاسيما عندما تخاصما الوفدان العراقي والكويتي، وعلمت من ذلك اليوم أن الحرب واقعة لا محالة، فقررت البقاء في قطر".
وذهب الهوتي كما يذكر للتعرف إلى قاعدة السيلية "وحاولت الحصول على بطاقة صحفية لكن السلطات القطرية رفضت مرة أخرى، وبالتالي رفض الأمريكيون إدخالي إلى القاعدة، واستطعت تجاوز هذه المحنة من خلال الالتقاء ببعض الضباط الأمريكيين والبريطانيين والحوار معهم للحصول على معلومات، وفعلا استطعنا أن نحقق سبقا صحفيا بأن تكون العربية أول قناة عربية تبث نبأ اعتقال إلقاء القبض على مقاتلين عرب ونقل بعضهم إلى قاعدة غوانتانامو".
ولا يخفي الهوتي تأثره بما حدث في العراق "عند سقوط بغداد الرشيد بيد القوات الأمريكية لم استطع أن أغلب دموعي، وأذكر أنه عندما انطلقت الرصاصة الأولى على عاصمة العباسيين، لم استطع تقديم التقرير على الهواء عندما كنت في قطر، وبالتحديد في القاعدة التي انطلقت منها أول الطائرات الأمريكية لضرب العراق".
ولكن ما كان يمني نفسي يضيف الهوتي "هو قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون)، فأنا لم أكن يوما من محبي صدام كنت بين أمرين أحلاهما مر، فمن جانب كنت أتمنى زوال النظام الديكتاتوري في العراق، ومن جانب آخر كانت لدي هواجس ومخاوف كبيرة بأن العراق والأمة العربية في طريقهما إلى نفق مظلم لا يعلم نهايته إلا الله".
ويجد الإعلامي يوسف الهوتي أنه كان محظوظا لجمعه بين وظيفة قارئ أخبار ومقدم برامج سياسية واجتماعية، "لكل من الجانبين خطوط يجب أن يفهمها المذيع، فالخط الإخباري قائم على الوضوح والسرعة والحضور الذهني المتقدم باستمرار، خاصة عندما ينتقل المذيع فجأة لنقل حدث مباشر دون أن يكون لديه معلومات مسبقة أو كافية، وهذا يتطلب منه جهدا فكريا وذهنيا كبير.
"وهذا يجعل المذيع مطالبا بمتابعة الأحداث وفهمها بشكل دقيق، وتوسيع مداركه الثقافية والمعرفية بشكل مستمر لمعرفة ما يدور في مختلف دول العالم من نزاعات عسكرية وخلافات سياسية واقتصادية، واختلافات حضارية وثقافية".
أما تقديم البرامج ولاسيما الحوارية منها، فهي تتطلب كما يرى الهوتي "الكثير من المرونة والموضوعية، والإلمام بكافة محاور الموضوع وتشعباته، وخاصة إذا كان هناك أكثر من ضيف في البرنامج، وهذا ما يدفع -مقدم البرنامج- أن يسعى بكل جهده إلى الإلمام المسبق باتجاهات الضيوف السياسية والفكرية بحيث لا يذوب في أطروحات هؤلاء الضيوف، ولا يتوه المشاهد بالتالي في دهاليز أفكارهم".
ويرفض الهوتي أن يكون مذيع الأخبار مجرد ببغاء يُلقن ما يجب قوله "إذا كان لمذيع الأخبار المقومات التي ذكرناها آنفا، فلن يكون عندئذ بحاجة إلى تسيير من غرفة المراقبة والتحكم، ولكن ذلك لا يمنع العمل المشترك والاتصال المستمر والتعاون بين مخرج الأخبار ورئيس التحرير والمذيع، لأن العمل الإخباري جماعي وليس فردي".
ويرى الهوتي أن مذيع الأخبار قد يكون مظلوما في القنوات العامة، "ولكن في القنوات الإخبارية المتخصصة يكون له دورا كبيرا ويحظى باحترام كبير على كافة المستويات، ولاسيما في العالم العربي، حيث أضحت السياسية خبز المواطن اليومي".
وعن أطرف ما تعرض له من مواقف خلال رحلته الإعلامية، يقول يوسف "أتعرض بشكل مستمر لمواقف طريفة تبعث على الضحك والمرح، وبعضها يكون مقصودا لكوني أحب المرح والضحك، إلا أن بعض الآخر يحصل بمحض الصدفة دون أن يكون لي أي يد فيها".
ويتابع أبو نواف (يوسف) "من المواقف الطريفة أنني كنت التقي بضيف في الاستديو خلال إحدى نشرات الأخبار في قناة العربية، وعندما انتهى الضيف وشكرته أراد الانصراف مباشرة، دون أن ينتظر قليلا ريثما يتم بث تقرير، فوقف حاملا معه مكيروفون الأخبار وسحبني معه مما جعلني أغشى من الضحك".
ومن المواقف التي لا ينساها الهوتي ما حدث معه في التلفزيون العماني عندما كان يقدم مع زميله علي الحسيني أحد نشرات الأخبار، "وبينما كنت أقرأ تقريرا إخباريا، وإذ بعلي يسقط من كرسيه ليقع خلف منصة الأخبار، ولم يستطع العودة لأن عمامته سقطت بعيدا عنه، وبقي يضحك بصوت مسموع وهو مستلقي على الأرض حتى نهاية الأخبار، وكنت أشاركه الضحك رغما عني.. وفي اليوم التالي نشرت الصحف العمانية خبرا مفاده (فضيحة في التلفزيون الُعماني)".
من جهة أخرى يعترف أبو نواف أن عمله في الحقل الإعلامي أبعده عن أهله يقول "تزوجت في سن صغيرة وعندي الآن خمسة أولاد أكبرهم نواف وهو في سن الـ(14)، والحق أنني منذ بدأت العمل لم تسنح لي فرصة أن أعيش أفراح العيد مع أسرتي، نظرا لطبيعة العمل التي تفرض علي التواجد خلال الأعياد في استديو الأخبار، ولكن مع ذلك أنا كثير الحنان والحب والتقارب مع أسرتي".
ويردف الهوتي "وإذا كنت حققت شيئا من النجاح في حياتي العملية، فإن الفضل في ذلك يعود بعد الله سبحانه إلى وقوف زوجتي بجانبي وتفهمها لطبيعة عملي وبذلها أقصى طاقة لديها لتعوض أطفالي عن غياب والدهم.. وأنا أحاول قدر المستطاع أن أوفر لهم العيش الكريم، وتعليمهم في أفضل المدارس، وقضاء إجازاتي معهم قدر المستطاع".
وعن علاقته بالسفر يشير الهوتي إلى حبه الكبير للترحال والسياحة "السفر يعني لي وجه آخر لحياتي، وطالما تمنيت عندما كنت طفلا أعيش في قريتي أن أعرف ما الذي يدور وراء الأفق، وعندما سنحت لي الفرصة للسفر والانتقال للدراسة خارج البلاد، لم ألو جهدا في إشباع نهمي للسياحة، حيث زرت معظم الدول الأوربية خلال فترة وجودي في الجامعة".
وبعد التخرج والالتزام بالعمل والحياة الأسرية، يقول أبو نواف "قلت الأسفار وأصبح أغلبها لضرورة العمل والمناسبات الهامة، إلا أنني أبقيت شهرا من كل عام موعدا مع السفر للراحة والاستجمام مع أفراد عائلتي، وأحب كثيرا زيارة بلدان الشرق الآسيوي لما تتميز به من جمال الطبيعة، ولأن مجتمعاتها بدفئها وحميميتها قريبة من مجتمعنا العربي".