*-إعداد: كريم باقستاني (بلجيكا)، أشرف الخضراء (النرويج)، نصر الدين الدجبي (هولندا)
تحولت عملية الاغتيال التي قام بها ناشط إسلامي في هولندا ضد المخرج الهولندي ثيوفان غوغ إلى طوفان سيجرف معظم اللبنات السياسية والاجتماعية التي بناها العرب والمسلمين في أوروبا على مدى العقود الماضية، وتقضي الإجراءات الأوروبية التي يجري العمل علي إعدادها الآن على الحد من النشاط والوجود الإسلامي، على مستوى الجماعات والأفراد، لن تقل على أية حال عن الإجراءات الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، إن لم تتجاوزها بكثير.
وشكلت حادثة اغتيال المخرج السينمائي الهولندي ثيوفان غوخ المنعطف الثاني بعد اعتداءات مدريد إلى تحدي الأوربيين وجها لوجه الهجمات الإرهابية،لا سيما أن التحقيقات كشفت بأن كل الخيوط منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى تفجيرات الدار البيضاء وصولا إلى مقتل فان غوخ، مرت بمدريد في الحادي عشر من مارس العام 2004، عاصمة البلد الأوربي رقم واحد من حيث تمركز الشبكات المتطرفة التي أدارت الكثير من العمليات في الغرب، بما فيها اللمسات الأخيرة على مخطط اعتداءات نيويورك وواشنطن في العام 2001.
|
مقتل السينمائي الهولندي على أيدي مجموعة (هوفشتاد) الإسلامية المتشددة، سرعان ما صب الزيت في نار معاداة المسلمين والعرب لدى الرأي العام الأوروبي عموما، وفي بلجيكا وألمانيا على وجه الخصوص.
وأحدث من جهة أخرى ما أشبه بالزلزال السياسي الذي كاد أن يضع نهاية قاسية لنموذج التسامح الهولندي المفرط مع المهاجرين، وزج الديمقراطية في خطر، وكاد أن يسدل الستار على تسامح أشهر بلدٍ في العالم عرف بالحديقة الهولندية للثقافات والأديان، إذ يقطن نحو مليون مسلم في هولندا، من مجموع 16 مليون نسمة هم تعداد السكان، 300 ألف منهم من أصلٍ مغربي.
إذا كان قيل عن اغتيال الزعيم اليميني المتطرف بيم فرتوين قبل سنتين، بأنه أفقد هولندا براءتها أو عذرية عقد تسامحها، فإن الفارق هو أن تصفية فرتوين تمت على يد هولندي وليس مسلما"، وأما قاتل فان غوخ فهو العربي المغربي (محمد البويري) الذي شوهد بجلبابه التقليدي، أطلق الرصاص على ضحيته الذي كان يقود دراجته في شارع بأمستردام في وضح النهار. وترك سكينه مغروزا" في جثته مع رسالةٍ مدونه بأياتٍ قرآنية تدعو إلى الجهاد وتتوعد الكفار.
وكان فان غوخ قد تلقى تهديدات بالقتل إثر عرضه فيلمه (الخضوع) دلالة "إلى خضوع المرأة المسلمة، حيث تناول في العنف ضد المرأة في المجتمعات الإسلامية، وأظهرت مشاهد الفيلم امرأة" نصف عارية كتب على جسدها نص قرآني وسط آثار الجلد بالسياط.
هز الحدث الشارع السياسي الهولندي برمته، وخرج عشرات الآلاف في تشييع فان غوخ ( قريب الفنان الهولندي الشهير فانسنت فان غوخ)، وانطلق المئات إلى الشوارع مطالبين "بطرد المسلمين، واستنفرت الحكومات في اجتماعاتٍ طارئة لاحتواء السلام الاجتماعي الذي صار قاب قوسين أو أدنى، فيما تعالت دعوات التهدئة وضبط النفس، وصارت مساجد ومراكز إسلامية وكنائس مسيحية أهدافا" مباشرة للإحراق والتخريب بين طرفي الأزمة، أصدرت خلالها مجموعة (هوفشتاد) تهديدات بشن هجمات ما لم يتم وقف استهداف المسلمين.
وفي الأثناء التي كشفت فيها التقارير الأمنية عن علاقة المغربي المشتبه فيه بقتل فان غوخ مع مواطنه المدعو(سمير عزوز) المعتقل لدى السلطات الهولندية في انتظار محاكمته بتهمة التخطيط لتنفيذ عملياتٍ هجومية على أهداف هولندية منها مفاعل نووي ومطار العاصمة أمستردام، رفعت الحكومة مشروع رفع الميزانية المخصصة لأجهزة الأمن والمخابرات، بما فيه ترحيل المشتبه فيهم من مزدوجي الجنسية بعد إسقاط الجنسية الهولندية عنهم (وحذت بلجيكا حذوها).
ويشار إلى أن الاستخبارات الهولندية تراقب الآن حوالي 200 متشددا" إسلاميا" غالبيتهم المغاربية والعراقية، كانت قاتلت في أفغانستان والشيشان وتدعم مجموعات في العراق.
في مقتل اليميني فورتين في العام 2002، خسر حزب العمال اليساري الحاكم، حينئذ، نحو نصف حصته من الأصوات في الانتخابات فيما بعد، بينما تجد الحكومة اليمينية الحاكمة الآن، نفسها بعد مقتل فان غوخ في وضعٍ أقوى بكثير، في الحين الذي اتسعت فيه دائرة تداعيات هولندا، لتبسط ظلالها على الشارع السياسي في بلجيكا، على أثر الصدمة التي أظهرت المسلمين كافة في صورة إرهابيين.
وتحركت الحكومة على الفور في مهمةٍ مزدوجة، أولها التصدي لأحداث مماثلة محتملة على أيدي مجموعات إسلامية متشددة على أراضيها، والثانية مواجهة ردة فعل الشارع البلجيكي الذي وجد في اليمين المتطرف الفرصة السانحة لسطوع نجمه السياسي، والتي عززت فعلا "صفوفه في حزب (فلامز بلوك) الأكثر شعبية في المقاطعات الفلامانكية الناطقة بالهولندية، رغم تزامن الأحداث مع قرار المحكمة البلجيكية العليا بإدانة الحزب بالعنصرية لانتهاكه قانون مناهضة العنصرية، وهو ما أدى عمليا إلى إغلاقه بسبب حرمانه من التمويل الحكومي وممارسة الدعاية الإعلامية. إلا أن (فلامز بلوك) الانفصالي في دعوته العنصرية إلى إلغاء نظام الفيدرالية مع ال(والون) الناطقين بالفرنسية، والذي يعتبر مكروها" داخل المؤسسة السياسية الاتحادية، استبق قرار المحكمة بالتحضير لإطلاق حزبٍ جديد يعرف الآن ب(فلامز بيلانغ) أي المصلحة الفلامانكية، وصوت أعضاء الحزب على تحديث موقفه والتخفيف من حدة لهجته المعادية للمهاجرين والأجانب، في مناورة لتجنب الاصطدام مع التشريعات الدستورية للدولة، واستقطاب المزيد من جيل الشباب من الأجانب إلى صفوفه. وكان الحزب حقق رقما "قياسيا" في صعوده في الانتخابات المحلية والأوربية الماضية، خاض فيها الناشط الإسلامي المثير للجدل (أبوجهجه) معركة خاسرة في مدينة (أنفيرس) العاصمة غير الرسمية للفلامانك.
ومثلما توجست الحكومة مخاوفها من تداعيات مقتل السينمائي الهولندي، حيث أقرت دراسة خطة إجراءات صارمة وعاجلة ضد "الإسلام المتشدد" بإغلاق مواقع الإنترنت والإذاعات المحلية ورفض دخول الأئمة المتشددين إلى أراضيها، كما شددت السلطات قبضتها على حماية شخصياتٍ بلجيكية وأوربية من الاغتيالات، على أثر سلسلة رسائل تهديد بالقتل (نحرا) ضد ثلاثة مسؤولين ووزراء بلجيكيين، من بينهم ( ميمون بوسقاله ) عضوة مجلس الشيوخ من أصلٍ مغربي، على خلفية انتقادها المبطن باتهام المجلس التنفيذي لمسلمي بلجيكا لعدم إدانته مقتل فان غوخ، ولأنها انتقدت ( الزواج القسري) داخل أوساط الجالية في إطار عرضها شرخ التناقضات بين العادات والثقافة البلجيكية والمغربية، وذلك في كتابٍ نشرته قبل عامين بعنوان ( الكوسكوس والفريت)، حيث الأول يعرف به المطبخ المغربي والثاني البطاطا المقلية يرمز إلى البلجيك.
|
وحيث ما زالت آثار مقتل ثيوفان غوخ المعادي للمسلمين تلقي بظلالها على كافة الدول الأوروبية، تبارى سياسيون في عدد من هذه الدول بصورة مكثفة في تقديم أطروحات وخطط في كيفية التعامل مع المسلمين ترتكز في أغلبها على الجوانب الأمنية، وكيفية دمجهم بطريقة تضمن الخروج من كابوس النزاعات الطائفية والبعد عن العنف. وفي هذا الإطار شهدت العاصمة النرويجية مظاهرة مساء السبت الماضي للتنديد بالإرهاب دعا إليها الصحفي النرويجي من اصل باكستاني، وسار المتظاهرون في كبرى شوارع العاصمة وهم يحملون الشموع.
ورغم مشاركة أركان الحكومة النرويجية ممثلة في رئيس الحكومة شيل ماغني بوندفيك إلى جانب عدد كبير من البرلمانيين ورؤساء الأحزاب الرئيسية مثل حزب العمال والحزب الاشتراكي وحزب المحافظين، فإن عدد المتظاهرين لم يتجاوز بضع مئات كما غاب عنها غالبية المسلمين الذين أعلنوا مقاطعتهم لها. وقال بوندفيك "للعربية.نت" إننا هنا كمسلمين ومسيحيين نتظاهر ضد العنف والإرهاب ولابد أن نتعاون في محاربة الإرهاب، معتبرا أن مشاركة المسلمين في المظاهر يعني رفضهم الإرهاب والتعصب الديني".
ومن جهته قال البرلماني هاغن "للعربية.نت" والمعروف بكرهه الشديد للمسلمين وتهجمه على الإسلام والرسول محمد صلى الله علية وسلم انه يجب أن نقف وقفة واحدة ضد الإرهاب والأصولية، ومؤكداً أن المظاهرة ما هي إلا تعبير عن مساندة العالم في محاربة الإرهاب واستئصال جذوره. الإعلان عن تنظيم المظاهرة لم يجد أصداءا إيجابية لدى عدد كبير من المنظمات الإسلامية داخل النرويج، حيث غاب عنها قيادات المنظمات الإسلامية بسبب اتخاذ المجلس الإسلامي الأعلى قراراً بعدم المشاركة. ولم يشترك من المجلس الذي يضم 36 منظمة إسلامية سوى المركز الثقافي الإسلامي برئاسة الشيخ محبوب الرحمن.
وبرر رئيس المجلس الإسلامي الأعلى محمد حمدان مقاطعة المظاهرة بكون الدعوة جاءت من دون استشارة أو تنسيق مع المجلس الإسلامي الأعلى، وأن أشخاص مثل كارل هاغن الذي شتم الإسلام يشارك في المظاهرة وهذا غير مفهوم لدينا.
وأكد حمدان في حديثه "للعربية.نت" أن المجلس الأعلى ضد أي عمل إرهابي بغض النظر عن مصدره أو انتمائه، مضيفا أن عدم المشاركة في المظاهرة لا يعني تأييد العنف. فالمجلس دوماً يدعو إلى الحوار ونبذ العنف وبناء قاعدة صلبة بين فئات المجتمع النرويجي بمختلف أفكاره وأديانه تقوم على أساس الحوار والنقاء.
|
من جهة أخرى، قدّم وزير العدل الهولندي دونر (Donner) مشروع قانون إلى البرلمان الثلاثاء 07-12-2004 يطالب من خلاله بمعاقبة النشطين في المنظمات المصنفة على قائمة الدول الأوروبية إرهابيا ويهدف الوزير دونر الذي يشترك في المشروع مع وزير خارجية بلده من خلال هذا المشروع إلى تجميد وقطع الطريق أمام عدد من المنظمات العاملة في الساحة الأوربية من أمثال حزب العمال الكردستاني (PKK) وحركة حماس في المهاجر الأوربية ومؤسسة الأقصى الخيرية العاملة في مجال الإغاثة.
علما أن القانون الحالي الهولندي يسمح للحكومة الهولندية بتجميد أرصدة المنظمات المصنفة على قائمة الاتحاد الأوربي مثل الذي وقع لمؤسسة الأقصى الخيرية في شهر 06 – 2003.
والأخطر في الموضوع أن المشروع لا يقف عند التجميد كما هو معمول به في عدد من الدول الأوربية مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا نفسها بل يتعداه إلى متابعة الأفراد النشطين في الهياكل التنظيمية من إدارة المؤسسة أو المنظمة إلى الداعمين الرئسيين ماليا.
المقترح المقدم المتوقع الموافقة عليه من أغلبية الأحزاب بما في ذلك أحزاب المعارضة ينص على أن تصل العقوبة الى سنة سجن للنشطاء في هذه المنظمات والمؤسسات، ولم يشر القانون إلى الأعضاء العاديين الذين يرى المراقبون أنه لا يمكن تجريمهم بصفة مباشرة ما لم يكن دورهم فاعلا ونشطا .
كما يتضمن مشروع القانون الجديد لوائح تهدف لغرض التصدي للمنظمات التي تعمل خارج الإتحاد الأوربي ولم يدرج اسمها ضمن قائمة المنع ويعطي مشروع القانون الحق للوزارة الشؤون العمومية إذا ثبت لديها ما يستوجب إصدار أمر بحق كل من يهدد الأمن العام الوطني من الشراء والكراء أو امتلاك خط هاتفي.
من جهة أخرى فإن هولندا التي أقر برلمانها قانون إجبارية حمل الهوية خارج البيت ابتداء من 01 يناير 2005 يتوقع أن يشتد التضييق فيها على الأجانب الغير شرعيين الذين يعيشون في هولندا وكانوا يتمتعون بحق رفض إظهار الهوية والتحرك بحرية كاملة في البلاد. مما يرجح انخفاض عدد المقيمين الشرعيين في هولندا إلى أكثر من النصف على امتداد سنة 2005 حسب المراقبين، ويلاحظ مع التشديدات الأمنية التي تعيشها هولندا أخيرا بعد قتل تيوفان خوخ أن عدد من المقيمين الغير شرعيين يفرون إلى دول مجاورة ومنهم من اختار العودة إلى بلاده.
|
