بيروت - بولا حريقة
منذ حرب الخليج الثانية (حرب الكويت)، وأطفال العراق يدفعون ثمن حروب الكبار وأطماعهم خوفًا وجوعًا واضطرابات نفسيّة وسلوكيّة، الأمر الذي يستلزم الإسراع في اتخاذ الإجراءات الإنسانيّة اللازمة لإنقاذ أطفال العذاب في العراق من مصيرهم القاتم حتى بات يخشى أن يصبحوا جيلاً تائهًا سيكون بلا شكّ عاجزًا عن بناء المستقبل الذي يطنب المجتمع الدوليّ في وصفه بالمشرق، على حدّ ما جاء في صحيفة لودروا الكنديّة التي أشارت إلى أنّ أطفال العراق، ضحايا صامتون، أشبه بأجساد بلا أرواح، لا أحلام لهم سوى الموت لعجزهم عن تحمّل الخوف ومواجهة الجوع الذي يصطادهم بالمئات دون أن تحرك المنظمات الإنسانية ساكنًا لإنقاذهم.
وفضلاً عن هذه المعاناة المريرة يواجه أبناء العراق مشكلة توقفهم عن متابعة الدراسة بسبب الخطف الذي يتعرضون له في طريقهم من وإلى المدرسة، أو بسبب الموت الموزع على الطرقات، وأخيرًا ليس آخرًا بسبب التهديد بتفجير المدارس.
|
وتشير نائب مدير مدرسة الأمل الابتدائيّة أزهار عكموش إلى أن الإدارات التربوية تعرضت لتهديدات بتفجير الصروح التربوية وتحويلها إلى ركام على مَن فيها إذا سمح باستعمال قاعاتها كمكاتب اقتراع في الانتخابات المزمع إجراؤها في كانون الثاني/ يناير المقبل، ما اضطرّ المدراء إلى اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر مستعينين بقوّات الأمن لتفتيش الداخلين إلى المدارس من أساتذة وطلاّب وأهالي، وأية سيارة مشبوهة تتوقّف أمام المداخل الرئيسيّة أو بجوار الصروح التربويّة.
وأكدت عكموش على أنّ هذه التهديدات جديّة إذ لا يخلو حائط من الشعارات التي تطالب الهيئة الإداريّة بإخلاء المدرسة بأسرع وقت ممكن. وتضيف عكموش أنّ نهاية سبتمبر/أيلول الماضي شكّلت منعطفًا خطيرًا بالنسبة لطلاّب المدارس في بغداد إذ قتل حينها ما يزيد على 42 عراقيًّا من بينهم 37 طفلاً في انفجار سيّارة مفخّخة، فاضطرّ الأهالي إلى عدم تسجيل أبنائهم للعام الدراسيّ الجديد خشية مقتلهم في الشوارع.
ونظرًا لوقوع مدرسة الأمل في منطقة قريبة من طريق المطار، حيث تكثر السيارات المفخّخة التي تحصد الأبرياء، يخشى ذوو الطلاّب أن تستهدف التفجيرات الباصات التي يستقلّها التلاميذ للوصول إلى المدرسة أو مغادرتها، ما أجبر العديد منهم على منع أبنائهم عن متابعة الدراسة.
وتقول المدرّسة أنوار علي إنّ الإحصاءات الرسميّة تشير إلى أنّ طالبًا واحدًا على خمسة ما زال يتابع الدراسة في العراق وهذا ما سيولّد مأساة اجتماعيّة ثقافيّة كبرى تتجلى في تحول جيل عراق الغد إلى الأميّة بعدما كان التعليم إلزاميًّا منذ 1976.
|
وترى أزهار عكموش أنّ الموت الموزّعَ في الشوارع والمدن والمنازل، إضافة إلى الإجراءات الأمنيّة المحيطة بالمدارس جعلت الأطفال يترقّبون الموت حتّى أصابتهم الاعتلالات النفسيّة والاضطرابات السلوكيّة.
وتقول الطالبة نور، ابنة الثامنة، إنّها تحلم دائمًا بأنّ انفجارًا كبيرًا دوّى في محيط منزلها فتستيقظ مذعورة مجهشة بالبكاء. وهي كزميلاتها الصغيرات في الصف تصبن بالذعر عند سماع انفجار أو تحطّم زجاج، وترتعشن خوفًا من أن تتعرضن للخطف والقتل، وتشعرن بالموت يقترب منهن عند سماع صوت المروحيات المحلقة فوق المدرسة. أما السيدة عاكفة والدة الطفلة سميّا فتقول إنّ ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات كانت هادئة ومرحة تتمتع بصحة جيدة، لكنها أصبحت اليوم حزينة وهزيلة تعاني فقدان الشهية وصعوبة في التنفّس وتحوّلت أحلامها إلى كوابيس مخيفة، فهي لا تحلم إلاّ بالموت وتستيقظ مذعورة، ولأنّها باتت تفضل الموت على الاستمرار في عذابها اليوميّ تصاب بانهيار نفسيّ عندما تصحو من نومها لتجد أنّها ما زالت على قيد الحياة، لذلك باتت تخشى أن تغفو، وإن حدث وغفت تمضي الليل تتقلب في فراشها وتئنّ أنينًا موجعًا.
وتقول سحر سالم التي كانت تنتظر أمام المدرسة لاصطحاب ابنتها البالغة من العمر خمس سنوات إن طفلتها تمضي يومها في المدرسة ملتصقة بمعلمتها، وتكمل يومها في المنزل متعلقة بثوب أمّها، إذ تخشى البقاء بعيدًا عن راشد يشعرها بالأمان.
|
وفي أحد الصفوف الصغيرة ذات الجدران المشقّقة يجلس ثلاثون طالبًا وطالبة في الثامنة من العمر وعلى وجوههم ملامح القلق والخوق، فتقول سناء إنّها تخاف من الانفجارات وتحلم بالموت، أمّا نوّار فتجهش بالبكاء المرير عند سماع دويّ انفجار وتشعر بالبرد والارتعاش وترغب بالعودة إلى المنزل.
وتقول معلّمتهم إيناس صالح (25 عامًا) التي كبرت في أثناء الحرب العراقيّة الإيرانيّة بأنّها تحاول تهدئة الأطفال بالغناء أو بمتابعة الشرح عندما تحلّق المروحيّات على علو منخفض، لكنّ شيئًا لم يعد يجد نفعًا إذ تعمّ الفوضى والصراخ والبكاء ويتدافع الأطفال للاختباء تحت الطاولات طمعًا بالقليل من الشعور بالأمان.
وأشارت المدرّسة فوزيّة عبد الرزّاق إلى أنّ تدهور الأوضاع الأمنيّة في العراق حرم الأطفال من المجالات الحيويّة الآمنة للّعب بغية التنفيس عن ضغوطاتهم، الأمر الذي يسيء بشكل كبير إلى نموّهم النفسيّ.
وفضلاً عن هذه المخاوف يعيش الأطفال الذعر من الخطف بعدما أمضوا ثلاثة أيّام في قلق شديد على مصير زميل لهم في الصفّ يبلغ من العمر 12 عامًا كان قد اختطف وهو في طريقه إلى المدرسة ثمّ أُطلق سراحه مقابل فدية وصلت إلى عشرين ألف دولار.
وأوضح عامر (14 عامًا) وهو طالب أجبر على التخلي عن الدراسة أن زميله أيمن اختطف في أكتوبر/تشرين الأوّل بعد عشر دقائق على مغادرته المدرسة ووجدت جثته بين العديد من ضحايا انفجار سيّارة مفخّخة.
من ناحيته أكّد الدكتور محمّد البغدادي، رئيس قسم الطبّ العصبيّ النفسيّ في مستشفى ابن رشد الذي يستقبل يوميًّا نحو خمسة أطفال، على أنّ أولئك يعانون اضطرابات نفسيّة وسلوكيّة مختلفة تعود أسبابها إلى العنف الموزّعة صوره وأشكاله في كلّ شبر من أرض العراق، حتّى بات من الصعب أن تندمل جراحاتهم النازفة مرارة ورعبًا.
وقد كشفت المعاينات السريريّة عن حاجتهم إلى الشعور بالأمان والأمل، فهم خائفون على أهلهم، ومن الجوع، ومن الإصابة بمرض قد لا يستطيع أهلهم دفع تكاليف علاجه، أومن موت الوالد في الحرب ما يجعل منهم أيتامًا معوزين، وقد تجلّت بوضوح في القصص التي رووها صور الرعب الشديد من التفكّك.
ويشير د. البغدادي إلى أن مقتل أطفال عائلة واحدة تتراوح أعمارهم ما بين 5 و12 سنة داخل منزلهم في مدينة الصدر ولّد محيطًا مضطرّبًا إذ لوحظ أنّ أطفال المنازل المجاورة يعيشون خوفًا أشدّ قسوة من الموت نفسه، ففقد البعض منهم الرغبة في الحياة والقدرة على الكلام، والبعض الآخر يبدأ بالصراخ عند هبوط الليل خشية أن تأتيهم الظلمة بالمصير الذي لقيه رفاق الحيّ.
ويضيف أنّه من الطبيعيّ أن تترك الحرب بصماتها على الصغار بشكل لافت لأنّ الأطفال أكثر قابليّة للتأثّر نظرًا لعدم نضوجهم الفكريّ والعاطفيّ والنفسيّ، فيصابون بالتكسّر النفسيّ لشدّة خوفهم وبسبب فقدانهم للطمأنينة الوجوديّة، ومهما صغرت سنّهم فهم قادرون على إدراك حقيقة أنّهم ضحايا أبرياء في نزاعات لا حول لهم فيها ولا قوّة، وأنّهم عاجزون عن مواجهة ذيولها التي تترك بصماتها في منازلهم سواء على صحّتهم أو على لقمة عيشهم.
|
وتطلق صحيفة لودروا الكنديّة الصوت إلى الضمير العالميّ مناشدة المجتمع الدولي الإسراع في اتخاذ التدابير اللازمة لإبعاد شبح الجوع عن أطفال العراق، مستندة بذلك إلى تقارير منظمة اليونيسيف التي تؤكّد على أنّ الجوع يقتلهم، وأنّ حديثي الولادة التي تصل نسبتهم إلى ربع أطفال العراق البالغ يعانون نقصًا في الأوزان بسبب سوء تغذية أمّهاتهم في أثناء الحمل، وأنّ نسبة مماثلة تعاني سوء التغذية، وأنّ طفلاً على ستّة ممّن هم دون الخامسة يموت جوعًا.
وفي هذا السياق تقول الطفلة زهيرة (8 سنوات) إنها نسيت متى تناولت لوحًا من الشوكولا أو قطعة لحم، وأنّها وإخوتها الأربعة يتناولون وجبة واحدة من الطعام في اليوم الواحد مؤلفة من قطعة خبز صغيرة يغمسونها في الماء المحلّى بالسكّر أو بعض الأرز المسلوق.
وتضيف شقيقتها هند (10 سنوات) أنّ انفجار قذيفة قريبًا من منزلها يشعرها بأنّ نهايتها السعيدة قد اقتربت، وأنّ شظيّة ستضع حدًّا لمعاناتها من الجوع، مضيفة، والدموع في عينَيها، أنّها تبكي بمرارة عندما تكتشف أنّ القذيفة لم تحقّق لها حلمها.
وبأسى بالغ تعلّق المدرّسة فاطمة بالقول إنّ أحدًا لم يأخذ بعين الاعتبار التصريح الذي أدلت به الممثّلة الخاصّة للأمين العام الأمم المتحدة لشؤون الأطفال والنزاعات المسلّحة في مارس/ آذار 2003 أولارا أوتونو الذي جاء فيه أنّ مليون طفل ما دون الخامسة في جنوب العراق يعانون سوء التغذية، و150 ألفًا منهم لم تنفع محاولات بعثات منظمة الصحّة العالميّة في إنقاذ حياتهم بواسطة المضافات الغذائيّة من الحديد والفيتامينات لشدّة ما يعانون من سوء التغذية، وأنّ أطفال العراق أبرياء ويتوجّب على الأطراف المتصارعة أن يجعلوا مسألة حمايتهم من أوليّات اهتمامهم، ويباشروا العمل الجدّي الهادف إلى تحصينهم نفسيًّا وإلى حمايتهم من الموت والجوع، كما يتوجّب على المجتمع الدوليّ أن يتحمّل مسؤوليّاته تجاههم.
وتختم فاطمة أن ليس بالبكاء أو التصريحات ينقذ أطفال العراق الذين يسرق الجوع حياتهم، فأولئك الصغار سيبقون أبدًا شاهدين على انهيار العدالة الدوليّة.
|
