حلب(سوريا) - د. محمد ضو*
تشكل حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال أحد أكثر أشكال العنف الموجه ضد الأطفال قسوة من حيث آثارها المدمرة على نفسية الطفل ونموه، ومن حيث أبعادها الاجتماعية السيئة.
والطبيب الشرعي بحكم عمله هو المنوط به مهمة الكشف على هذه الحالات ومساعدة العدالة في الوصول إلى الجاني، والمساعدة على حماية الطفل من أي شكل من أشكال الاعتداء.
ويعرف المتخصصون الاعتداء الجنسي على الطفل بأنه يتمثل في استخدام الطفل لإشباع الرغبات الجنسية لبالغ أو مراهق، وهو يشمل تعريض الطفل لأي نشاط أو سلوك جنسي ويتضمن غالبا التحرش الجنسي بالطفل من قبيل ملامسته أو حمله على ملامسة المتحرش جنسيا.
ومن الأشكال الأخرى للاعتداء الجنسي على الطفل المجامعة وبغاء الأطفال والاستغلال الجنسي للطفل عبر الصور الخلاعية والمواقع الإباحية. ويمكن ملاحظة مؤشرات الاعتداء الجنسي في كثير من العلامات الجسدية كصعوبة المشي، والملابس الممزقة، أو ملابس داخلية ملطخة بالدم، أو الاحساس بالألم والرغبة في حك الأعضاء التناسلية، والإصابة بالأمراض التناسلية خصوصا قبل سن المراهقة، حصول حمل عند الفتيات.
وهناك أيضا مؤشرات نفسية تدل على حصول الاعتداء مثل إبداء الانزعاج أو التخوف أو رفض الذهاب إلى مكان معين أو البقاء مع شخص معين، والتصرفات الجنسية أو التولع الجنسي المبكر، والاستخدام المفاجئ لكلمات جنسية أو لأسماء جديدة لأعضاء الجسم الخاصة، والشعور بعدم الارتياح أو رفض العواطف الأبوية التقليدية، ومشاكل النوم على اختلافها: القلق، الكوابيس، رفض النوم وحيدا أو الإصرار المفاجئ على إبقاء النور مضاء، والتصرفات التي تنم عن نكوص: مثلا مص الاصبع، التبول الليلي، والتعلق الشديد أو غيرها من مؤشرات الخوف والقلق، وتغير مفاجئ في شخصية الطفل وغيرها من المؤشرات الكثيرة.
|
وتوضح إحصائيات عام 2002 أن عدد المراجعين لمركز الطبابة الشرعية في مدينة حلب السورية بلغ (11665) حالة وبلغ عدد حالات العنف /8350/ حالة، وبلغ عدد حالات العنف ضد الأطفال 1945 حالة، أي ما نسبتها 23.3% من مجموع حالات العنف الكلي. وبلغ عدد حالات العنف الجنسي :249 أي ما نسبته 12.8% وحالات العنف الجسدي 1696 أي ما نسبته 87.2% . وتوزعت الحالات حسب الجنس على الشكل التالي : 179 حالة من الذكور أي ما نسبته 71.8% و70 حالة من الإناث أي ما نسبته 28.2%.
وتوزعت الحالات حسب نوع الاعتداء على الشكل التالي : 183 حالة حصل فيها اعتداء جنسي أي ما نسبته 73.5%، و62 حالة تحرش دون حدوث اعتداء جنسي أي ما نسبته 24.9%، و4 حالات قتل فيها الطفل بعد الاعتداء أي ما نسبته 1.6% فيما توزعت الحالات حسب علاقة المعتدي بالطفل المعتدى عليه على الشكل التالي : 55 حالة كان المعتدي من المحيط العائلي أي ما نسبته 22.1%،72 حالة كان المعتدي من الجيران أي ما نسبته 28.9%، و81 حالة كان المعتدي من محيط العمل الذي يعمل به الطفل أي ما نسبته 32.5%، و41 حالة كان المعتدي من الغرباء أي ما نسبته 16.4%.
وأوضحت الإحصائيات إن الحالات المبلغ عنها لا تشكل سوى نسبة لا تتجاوز الـ 10 % من نسبة الحوادث الفعلية؛ وذلك يعود إلى حساسية هذا الموضوع وخاصة في مجتمع محافظ كالمجتمع السوري، وهذا يقود إلى ضرورة كسر جدار الصمت الذي يمنع دراسة هذه الظاهرة، وأن أغلب حالات الاعتداء تتم للأسف من قبل أشخاص يفترض أن يؤمنوا الحماية للطفل، وفي أماكن يفترض أن تكون المكان الآمن للطفل .
كما أكدت الدراسة أن حوالي ثلث الحالات يتم تكرار الاعتداء على الطفل دون وضع حد لذلك، وأن 75% من الحالات يكون الطفل متسرباً من المدرسة، وهذا يقودنا إلى ظاهرة يجب الانتباه إليها وهي ظاهرة التسرب من المدرسة وظاهرة عمل الأطفال.
كما دلت الدراسة على أن الحالة الاقتصادية السيئة لعائلة الطفل المعتدى عليه قد تعرّضه لإغراءات ذوي النفوس الضعيفة من المعتدين دون أن يدري طبيعة ما يتعرض له، وإن النسبة الأكبر من حالات الاعتداء حصلت في المدينة، وتحديداً في الأحياء الشعبية المكتظة في أطراف المدينة، وهذا يعود إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تسود في هذه المناطق .
وخلصت الدراسة إلى ضرورة أن يتم التعامل مع الطفل المعتدى عليه أثناء الفحص بهدوء وحكمة؛ لأن الطفل قد ينسى الاعتداء ويتذكر لحظة الفحص وتسبب له أزمة نفسية قد تفوق ما يسببه الاعتداء نفسه.
كما شددت الدراسة على أن العلامات التي تشاهد أثناء الفحص قد لا تكون نموذجية ويجب الانتباه إلى عدم الاعتماد على علامة واحدة إذا لم تكن واضحة، ونوهت النتائج كذلك إلى خطورة غياب التوعية والثقافة الجنسية في المجتمع؛ مما يجعل الكثير من الأطفال يتعرضون للاعتداء دون أن يعرفوا أنهم تعرضوا لاعتداء، وضرورة أن تكون هناك عقوبات رادعة تمنع المعتدين من تكرار أعمالهم وتجعلهم قدوة لغيرهم.
وطالبت الدراسة بالأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية السيئة وتأخر سن الزواج، وعدم وجود مراكز لعلاج المعتدي، وهذا العوامل تؤدي إلى تفاقم هذه الظاهرة .
|
تجدر الإشارة إلى أن الدول العربية كغيرها من دول العالم تعاني من مشكلة الاعتداء الجنسي على الأطفال، ورغم عدم وجود دراسات دقيقة لهذه الظاهرة، إلا أن بعض التقديرات والإحصائيات تكشف عن وجود هذه المشلكة، ففي الأردن بينت سجلات عيادة الطب الشرعي في وحدة حماية الأسرة بالأردن ان عدد الحالات التي تمت معاينتها خلال عام 1998 قد بلغ 437 حالة ، شملت 174 حالة إساءة جنسية على الأطفال كانت مصنفة حسب ما يلي :
48) حالة إساءة جنسية ، كان المعتدي فيها من داخل العائلة ، و79 حالة إساءة جنسية كان المعتدي فيها معروف للضحية - قريب او جار او غيره، و47 حالة كان الاعتداء على الطفل فيها من قبل شخص غريب).
أما في لبنان، فقد أظهرت دراسة صادرة عن جريدة لوريان لوجور ان المغتصب رجل في جميع الحالات، ويبلغ من العمر 7-13عاما، وأن الضحية شملت 18 فتاة و10 صبيان تترواح أعمارهم بين سنة ونصف - 17 سنة .
وأشار المؤتمر الرابع اللبناني لحماية الأحداث الى ارتفاع عدد الاعتداءات الجنسية على القاصرين خاصة الذكور منهم ، على يد أقرباء لهم أو معتدين قاصرين .
و في مصر، أشارت أول دراسة عن حوادث الأطفال في مصر أعدتها د. فاتن عبد الرحمن الطنباري أستاذ الإعلام المساعد في معهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس إلى أن حوادث الاعتداء الجنسي علي الأطفال تمثل 18% من إجمالي الحوادث المختلفة للطفل، وفيما يتعلق بصلة مرتكب الحادث بالطفل الضحية فقد اتضح ان النسبة هي 35% له صلة قرابة بالطفل و65% ليست له صلة بالطفل.
أما في المغرب، فتؤكد الكثير من الدراسات أن 90% من حالات الاعتداء الجنسي تقريبا مسكوت عنها، لكن الأرقام التي يتم الكشف عنها في تقارير وإحصائيات الجمعيات العاملة في ميدان حماية الطفولة تكشف عن هول الجريمة التي تقترف في حق القاصرين، وتؤكد بالملموس أن الأطفال في المغرب كغيره من البلدان تحولوا إلى ضحايا المهووسين جنسيا، و المنتهكين لبراءة الطفولة والمستغلين لأجسادها أبشع أنواع الاستغلال.
ومنذ انطلاق الهاتف الأخضر للمرصد الوطني لحقوق الطفل في ٢٥/١١/١٩٩٩، تلقى هذا الأخير عددا من المكالمات بخصوص العنف ضد الأطفال، وصلت الاعتداءات الجنسية منها إلى حدود يوم ٣٠/٠٩/٢٠٠٣ إلى نسبة ٤٤ في المائة من عدد المكالمات التي قدرت بحوالي ٤٩١١٣ مكالمة، تضاف إلى عدد من الملفات المعروضة عليه، والتي تم البت فيها وعددها ٧٣٢ ملفا، وقد سجل المرصد من بداية عام 2003 إلى حدود ٣٠/٠٩/٢٠٠٣ حوالي ٢٠٤ حالات اعتداء جنسي ضد الأطفال،
* د. محمد ضو: أخصائي في الطب الشرعي – أخصائي في الجراحة العامة، ورئيس الطبابة الشرعية بحلب سابقاً، وعضوالمجلس العلمي لاختصاص الطب الشرعي في سوريا، وعضوالرابطة السورية والعربية للطب الشرعي.
|
