طبـاعة


حفـظ


ارسال
Bookmark and Share
الأربعاء 23 ذو الحجة 1425هـ - 02 فبراير 2005م

مسيحيو لبنان يقبلون على "الزواج الجماعي" للحد من العلاقات الجنسية قبل الزواج

 

بيروت - العربية. نت

لم تعد مسألة إقامة أعراس جماعية محصورة في الطوائف المسلمة في لبنان، فمنذ آب/ أغسطس من العام الماضي نظمت لجنة "عرس لبنان" ثلاثة أفراح جماعية مسيحية، ويرى بعض الشباب المسيحيين ان سبب إقبالهم على تلك الحفلات بعد أن كانت في نظر المجتمع المسيحي أمرا معيبا هو الضائقة المالية التي لم تعد تفرق بين مسلم ومسيحي. ويعزو البعض الآخر السبب الى حث الشباب على الزواج، والحد من القيام بعلاقات جنسية قبل الزواج. بينما يعتبر البعض الثالث وهم قلة ان المسألة تقترب من ان تكون موضة جديدة يركب موجتها الشباب الذين يطمحون دائما الى تغيير كل قديم.

وأوضحت صحيفة "النهار اللبنانية"، التي نشرت التحقيق، أن معظم الشباب المتزوجين في الزواج الجماعي الذي نظمته لجنة "عرس لبنان" عبروا عن فرحتهم الكبيرة لإقدامهم على هذه الخطوة، ويقول طوني مخلوف الذي تزوج في عرس جماعي أنه سعيد جدا لأنه تزوج في زواج جماعي، ويقول ان وضعه الاقتصادي المتواضع جعله يفكر في هذا الزواج. وبعدما عاش التجربة يعتقد ان لو كان وضعه أفضل لما كان يختار غير الزواج الجماعي: "كان حدثا جميلا بالنسبة إلي، ولو خيرت مرة أخرى سأعيد الكرة بالتأكيد" وينصح طوني الشباب بان يختاروا هذا الطريق لانه يكسبهم خبرة في التضامن مع الغير: "كنت أتقاسم العمل مع فريق من 13 ثنائيا، كنا نخطط وننفذ ونتعب ونرتاح معا". ويعتبر طوني ان العرس ليس هدفا في ذاته، انما هو وسيلة لأهداف أخرى:"العرس ليس غاية، انما هو وسيلة لهدف أسمى يتمثل في العائلة". وتشاركه زوجته ريتا حنينان فرحته هذا الزواج وهي ليست نادمة على اختيارها".
وعند سؤال ريتا فيما إذا كانت تتمنى أن لو انها تزوجت بعرس خاص تكون فيه سيدته ومميزة بين أهلها وأقاربها، صمتت قليلا ثم أجابت: "كانت كل عروس مميزة، لم تلغ إحدانا الأخرى، بل على العكس كنا نكمل بعضنا البعض". وتحاول ان تعود بذاكرتها الى وقت الزفاف ":المميز ايضا ان الضغط ساعة الزفة لم يكن علي فقط، بل كنت اتقاسمه وزميلاتي في العرس، فلم يعد ينظر الحضور إلي فقط انما النظر يتوزع علينا".وتضيف بنبرة واثقة ":لو كنت وحدي لكان الضغط وقع علي فقط، وهذا ما أراحني لأني أحسست أني لست وحدي المعنية".

ويشاطر مارون خطار طوني في رأيه حيث يرى أن عرسه الجماعي اختصر الكثير من الوقت والجهد مارون:"وفر علي الكثير من المال، واكسبني معارف جددا". ويضيف: "لا يكسب الزواج قيمته بعدد الديكورات والزينة التي نضعها، فالهدف أولا وأخيرا هو الزواج". اما زوجته غلوريا التي استغربت الفكرة بداية، فتقول أنها اندفعت "لا شعوريا" عندما بدأت الاجتماعات بين المجموعات التي سبقت العرس: "كنا قلبا واحدا وأيدي واحدة". وتبدو غلوريا فرحة كثيرا بما جرى، اذ كانت تكرر دائما ان كل شيء كان "رائعا ومميزا". "كانت الخطوة رائعة ومميزة، كانت حدثا بحد ذاتها"، ولعل اكثر ما يميز هذه الخطوة بالنسبة اليها الارتياح من ضغوط الأعراس: "كنا نشعر بالراحة من الضغط الذي يرافق الاعراس الفردية الاخرى". ولم تكن غلوريا تتوقع ان يحدث عرسها الضجة الإعلامية التي رافقته: "اتصل الناس بنا ليقولوا إنهم رأونا على التلفزيون وفي الجرائد، لم اكن أتخيل أن عرسي سيحمل هذه البهجة".

ولعل حالة التردد التي أصابت غلوريا عندما سمعت بموضوع الزواج الجماعي، واحدة من المعضلات التي تجسمت أمام رئيس اللجنة المنظمة أنطوان عطوي، اذ انه كان يخشى عندما فكر في إنشاء هذه اللجنة عدم تقبل الفتيات المقبلات على الزواج تقاسم فرحتهن مع أخريات. ويشعر عطوي الذي اطلق فكرة الزواج الجماعي في الوسط المسيحي بارتياح من اجتياز المرحلة الصعبة في مشروعه، الذي اصبح اليوم ينشد الانضمام اليه المقتدرون وغير المقتدرين. اذ يلفت الى ان احد المحامين المرموقين طلب ان ينضم وخطيبته الى العرس الجماعي اللاحق، لكن ما زال الموضوع قيد البحث.
ويرى عطوي أن انضمام المقتدرين إلى الأعراس الجماعية قد يكون فيه جانبا ايجابيا يتجلى بتحسين صورة العرس الجماعي أمام الرأي العام: "لكن في المقابل قد يعتقد البعض ان المسألة أصبحت تجارية، وقد يتوقف الممولون عن مدّنا بالأموال اللازمة.. حيث يندفع معظم الممولين للمساعدة كعمل إنساني، وقد يعتبر البعض أن مساهمته تقابل إعلانا في مؤسسة إعلامية".ويؤكد عطوي أن العرسان يشاركون في جزء من مصاريف العرس، "قصدت ان يشارك المتزوجون في شكل جزئي لكي يشعروا من ناحية بأنهم معنيون بكل شيء، وليسوا زوارا او مجرد متفرجين، ومن ناحية أخرى لكي لا يعتادون على فكرة الاتكالية".
ويضيف عطوي:"اعمل على تخفيف حدة الضغط على المتزوجين خصوصا في الشهرين اللذين يسبقان العرس، لان بعض الأطباء النفسيين قالوا لي ان الضغط في هذه الفترة يؤثر سلبا في تكوين الجنين الأول".
من جابنها تؤكد ساندرا خراط التي تدير مركزا لفساتين الأعراس ويساهم بتزويد العرائس بفساتين الفرح ان الهدف من تمويل الأعراس عمل خيري لا أكثر، "أقدمنا على هذه الخطوة لاقتناعنا بإنسانية الموضوع، لم يخطر ببالنا ان نستخدم المتزوجين عارضي أزياء! ثم ترهف صوتها ليتناسب مع الكلمات المؤنسنة: "عندما يطلب عروسان يعانيان وضعا اقتصاديا سيئا دعمهما من الطبيعي ان اندفع لمساندتهما... فهذا حلم العمر".وتضع ساندرا يدها على جرح يؤلم بعض المتزوجين في الزواج الجماعي عندما تقول: الفساتين قاعدة( متوافرة) ليش(لماذا) ما خلّي العروس(اسمح للعروس) تتمتع فيها"، اذ ان توقيت العرس لا يكون في الأيام المباركة كالأحد مثلا، لان الأخيرة تعود بالنفع على كل الممولين الذين يفضلون المساهمة في باقي أيام الأسبوع عندما تكون حركة العمل ضعيفة. وهذه إحدى معضلات العرس الجماعي.

أما شربل هاشم، الذي تزوج في أحد الأعراس المسيحية الجماعية، فيوافق اقرانه على متعة التجربة، لكنه يعتبر ان هناك بعض المشكلات التي تعترض الثنائي. ويشير الى ان حرية تحرك الاخير تتقيد امام حرية المجموع: "كان علينا ان نمشي كما يتفق الكل، كنا نشعر ان حريتنا مقيدة الى حد ما، فهناك عروس تريد شيئا بينما اخرى تريد آخر".ثم يحاول ان يلملم الموضوع: "لا يعني ذلك اننا لم نكن متفاهمين بل على العكس علمتنا التجربة كيف نتنازل عن بعض حقوقنا الشخصية لمصلحة الجماعة".ثم يعود الى النغمة القديمة: "كنا مضطرين ايضا لان ندعو عددا معينا من الأفراد". يسكت قليلا ليضيف عابسا: "في ناس زعلت!...".
رغم كل ذلك يرى شربل ان العرس اكسبه أصدقاء جددا ومعارف كثرا: "نزور اليوم بعضنا البعض، ونتذكر دائما هذا اليوم الجميل".وعلى خط مواز لشربل تندفع زوجته لانا لتعبر عن امتعاضها من بعض التفاصيل المزعجة في الزواج الجماعي: "لم أتمكن من التحرك كما أريد فهناك أكثر من عروس". ومع ذلك تعتبر لانا أن كل عروس أخذت حقها في العرس الجماعي، "اعتقد ان كل عروس أخذت حقها، لكني كنت اتمنى ان اكون وحدي، فمن الطبيعي لكل عروس ان تفكر بالاستقلالية في هذه الليلة"، لكنها تضيف متفائلة: "رغم كل شيء، كانت التجربة فريدة من نوعها وانا راضية كل الرضا...".
ومن جهة اخرى، فإن ثمة عقبات عديدة تقف أحيانا في إنجاح الأعراس الجماعية مثل الاموال التي تصرف لتزيين أكثر من كنيسة في كل زواج جماعي لان المتزوجين ينتمون الى كنائس عدة بينما يمكن توفير هذه الاموال لامور قد تفيد البيت الزوجي في شكل اكبر .الا ان الاب في مطرانية الروم الكاثوليك ادوار ابراهيم اكد ان مسألتي المكان ومركزية استجواب الزوجين غير موجودين في الديانة المسيحية "لان الله حررنا منها، فهو روح يمكننا عبادته في اي مكان وزمان. و"يشدد الاب ابراهيم على "ضرورة ان يسأل الثنائي سؤال الرضا من رجل الدين لكن لا يهم اذا تم السؤال في الكنيسة ام في الفضاء الطلق".

وترى استاذة علم النفس في الجامعة اللبنانية مي جبران ان الزواج الجماعي يؤثر سلبا في نفسيات المتزوجين، خصوصا المرأة. وتقول "ان الثنائي يتلذذ من الإحساس بأنه سيد القرار في حفل الزواج، ويمتلك احده الآخر، بينما يؤدي العرس الجماعي الى إلغاء هذه المتعة والتقليل من شأنها ومن متعة التملك، مما يؤثر في نفوس المتزوجين، خصوصا المرأة التي ستشعر بأنها شيء بين الأشياء".
وتضيف جبران "الصورة اصبحت شبيهة بالمؤسسة التي تتعامل مع موظفيها على أساس الكم الرقمي وليس الجوهر، مما يعني ان الموضوع افتقد حميميته وقدستيه، وهو امر لا يستهان به اذا ما فكرنا ان الزواج في بلادنا هو ديني قدسي قبل كل شيء. فالصورة الاجتماعية القيمية للعرس انتفت هنا لتحل مكانها أخرى علائقية".ومن ناحية اخرى تشير جبران الى "ان تأثيرا سلبيا آخر يقع على اهل العروسين الذين سيصبحون مجرد مشاهدين لأحد الاحتفالات بدل ان يشعروا بأن المشهد يعنيهم مباشرة".وعلى العكس من جبران، يبدو رئيس جمعية "تنظيم الأسرة" توفيق عسيران متفائلا بالموضوع، اذ يعتبر ان الزواج الجماعي يعود بفوائد عدة اولا على تركيبة المجتمع ونمطية الأفكار السائدة فيه وعلى وضع الأسرة تاليا. فمن جهة، "يقلل الفوارق الطبقية داخل المجتمع الواحد، اذ يقرب بين الطبقات المدقعة في الفقر وبين تلك الأحسن حالا. ويحقق في ذلك تكافلا اجتماعيا، لان إحساسا واحدا مشتركا يسري داخل المعنيين في صورة مباشرة وغير مباشرة بالزواج، ثم ينتقل الى سائر أفراد المجتمع.
ويشير عسيران الى ضرورة ان يوجد القائمون على تنظيم الأعراس الجماعية آلية لتوجيه المقبلين على الزواج الى "قيمة هذه الخطوة وما يترتب عليهم في المرحلة اللاحقة، لان ذلك يفيد في انجاح بيت الزوجية لاحقا".اما عن الأسرة فيقول: "يللي بيتزوج بالدين يأتي أولاده بالفايض"، موضحا "ان الزوجين سيبدآن حياتهما من دون اعباء وضغوط مما يساهم في تحسين وضعهما المعيشي والأسري ولا يؤثر في نشأة أطفالهم وتربيتهم".ويجيب عسيران:"نمت فكرة الزواج الجماعي في شكل طبيعي في لبنان ولم تكن طارئة عليه، مما يعني انها قد تستمر في الانتشار والتطور، لكن قد تحتاج الى وقت كبير لإنهاء فكرة العرس التقليدي، وألفت هنا الى ضرورة عدم المبالغة في إعداد المتزوجين في العرس الجماعي وحصره قدر الامكان، لكي لا تضيع المسألة وتفقد الحميمية وينتهي الامر برفض الفكرة من الاساس".

عودة للأعلى