القاهرة - رويترز
يمثل الفنان التشكيلي المصري فاروق حسني الذي يتولى وزارة الثقافة في بلاده منذ عام 1987 علامة بارزة في تاريخ هذه الوزارة إذ بقي فيها أطول فترة ولا يزال، رغم ما واجهه من عواصف منها قول كاتب مصري في مؤتمر دولي بدار الاوبرا أمام أكثر من 300 كاتب عربي وأجنبي ان الحكومة المصرية تحمي الفساد وتفتقد المصداقية.
وتجاوزت الانتقادات التي استهدفت الوزير مناقشة أدائه الوزاري وجدارته بالمنصب وصولا الى التعريض بحياته الشخصية. ولكن المفاجأة أن أحد المقربين منه وهو الصحفي المصري محمد عبد الواحد المدير السابق للمكتب الإعلامي للوزير، وبعد أن ظل لسنوات يدافع عن سياساته أعلن هذا الأسبوع أن اختيارات حسني لقيادات وزارته "دليل واضح على عدم صلاحيته كوزير". وأضاف في كتابه (مثقفون تحت الطلب) الذي صدر أمس متزامنا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي تنتهي دورته السابعة والثلاثون الأربعاء القادم أن حسني "رجل فذ في إدراك موضع خطاه.. تزداد خبراته في شغل الناس به لأن مهارة شغل الناس الى درجة الإلهاء ضرورة وشرعية سياسية في البلاد التي يكون فيها المسؤول في حد ذاته قرارا وليس صانع قرار".
ولا يحمل غلاف الكتاب الذي يقع في 400 صفحة اسم دار نشر؛ وان كتب في صفحة داخلية أن الناشر هو (دار غرناطة) غير المعروفة في مصر. وقال المؤلف لرويترز انه أصدر الكتاب على نفقته الخاصة.
ولكن الغلاف الخلفي للكتاب يحمل قصيدة من نثر العامية المصرية سبق نشرها في صحيفة (القاهرة) التابعة لوزارة الثقافة وكتبها صاحبها في أحد المعارض التشكيلية لحسني ومن سطورها..
لوحتك خطفتني من عنيه
زي لغم قابض على الرجلين
حبستني جوه البرواز
كتفتني
حللتني
بالضبط زي الارض ما بتحلل الميتين
طلعني يا فنان
لوحاتك وقعت دماغي في دماغي جوه الالوان
انت جايب الالوان دي منين
هل قلبت السما على ضهرها
ساعة مغربية
ولزقتها في اللوحات
طب وديت النجمات فين
فين النجمات
|
صورة حسني على غلاف الكتاب تصوره قائد أوركسترا موسيقي في يده عصا وأمامه نوتة موسيقية وأربعة من الرجال تبدو رؤوسهم نسخا متشابهة وفارغة. وقبل قراءة الكتاب يتبادر الى الذهن سؤالان أولهما عن مدى الحياد الذي يمكن أن يتمتع به المؤلف بمجرد خروجه من الوظيفة ويفترض أن تفصله مسافة زمنية عن الحدث الذي لا يزال ساخنا.
أما السؤال الثاني فعن مصداقية موظف اعتبر العمل كمستشار إعلامي يلازم الوزير كظله يقف في مقدمة طابور المدافعين عنه أبقى وأهم من العمل الصحفي إضافة الى الوثوق بما يورده من أحكام كان يبحث في السابق مع الوزير عن ردود اذا وجهت اليه من خصومه. ولكن عبد الواحد في شجاعة تحسب له أشار في المقدمة الى رغبته في تسجيل شهادته عن الوزير ورجاله وهم في مناصبهم "في فترة بلغ فيها فاروق حسني ذروة مجده وقوته السياسية".
وأشار الى أن دار الأوبرا المصرية "تمت عسكرتها مع مجيء (رئيسها الأسبق) ناصر الأنصاري من مراسم رئاسة الجمهورية.. "ثم جاء عسكري آخر لكنه حاصل على الدكتوراه (رئيسها السابق) سمير فرج.. اقتنع (الوزير) بأن عسكرة الأوبرا أفضل من أن تصبح عرضا أوبراليا". ويذكر ان الرئيس الحالي لدار الأوبرا هو عبد المنعم كامل راقص البالية السابق. واستعرض المؤلف صعود الوزير "من موظف صغير والى أن أصبح في قصر الزمالك وزيرا للثقافة طيلة 18 عاما".
|
وقال ان صحيفة (القاهرة) كان يتردد فيها نداء شهير عصر كل يوم أحد هو "نسخة الوزير.. نسخة الوزير" في اشارة الى نسخة التجربة الأخيرة لصفحات (القاهرة) لتعرض على الوزير "ليراجعها قبل طبعها".
ويبدو الكتاب أشبه بإعادة نشر غسيل الثقافة والمثقفين المصريين الذين قال الوزير في أحد حواراته الصحفية أنه جاء لمهمة إدخالهم حظيرة الدولة. ورصد المؤلف بعض ما يعتبره تواطؤا بين مثقفين مصريين في معسكرين مختلفين أحدهما متحالف مع الوزير والثاني معاد.
وخلال عمل عبد الواحد مساعدا لرئيس تحرير صحيفة (القاهرة) الاسبوعية التي تصدرها وزارة الثقافة التي اعتبرها بعض المثقفين والصحفيين صحيفة الوزير الشخصية كان يبرر سياساته ويدافع عنه أمام منتقديه.
كما احتفل به في مناسبات منها افتتاح معرض للوزير في مطلع عام 2001 ونشرت مجلة (الأهرام العربي) الحكومية المصرية صورة للحفل يقف فيها الوزير بين عبد الواحد وشاعر العامية عبد الرحمن الانبودي وأمامهم كعكة كبيرة مثل كتاب مفتوح تحمل صفحته اليمنى صورة طويلة لحسني يمشي على شاطئ البحر، واليسرى كلمات في حب الوزير بتوقيع عبد الواحد.
وجمع عبد الواحد عددا من مقالاته التي نشرتها صحيفة وزارة الثقافة في كتاب (حب من طرف ثالث) الذي نشرته عام 2002 الهيئة المصرية العامة للكتاب (مكتبة الأسرة) التابعة لوزارة الثقافة وأهداه "الى أصدقائي الحقيقيين الذين منحوني الحرية وتحملوا تحرري.. أبي وأمي وفاروق حسني".
ويبدو الكتاب أقرب الى ثرثرات المقاهي ووعاء ضخم للنميمة التي تعتمد على الشائعات والحقائق معا. وفي زحام تفاصيل صغيرة يمكن أن يردد القارئ مع المؤلف قوله "ستبقى السنوات الست عشرة الماضية في الثقافة المصرية لغزا ومادة خصبة للكتابة والكذب والحقيقة".
|
