نجيب محفوظ ونادين جورديمر.. في لقاء أدبي إفريقي يحاكي هام السحاب

يجمعهما نوبل والقارة السمراء وحرف النون

نشر في:

كانت إفريقيا كلها في بيت نجيب محفوظ يوم التقى الأديبة الجنوب إفريقية البيضاء نادين جورديمر التي استضافها معرض القاهرة الدولي للكتاب، ويعتبر ذلك اللقاء الأول بين أديبي نوبل الإفريقيين، حيث حصل محفوظ على نوبل في عام 1988 فيما حصلت عليها جورديمر في 1991.

وقد رتب هذا اللقاء "الإبداعي" الكاتب محمد سلماوي عندما اتصل هاتفيا بنادين جورديمر في منزلها بجوهانسبرج بتكليف من وزير الثقافة المصري فاروق حسني لدعوتها كضيف شرف إلى الدورة السابعة والثلاثين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ولكن جورديمر قالت عبر الهاتف، "إنني في شوق لرؤية نجيب محفوظ·· فهل ترتب لي لقاء معه؟ هل تسمح ظروفه بذلك؟ إنني أريد أن أراه ولو لدقائق".
وبحسب صحيفة "الاتحاد" الإماراتية فإن سلماوي أدرك أن لقاء نادين مع نجيب هو الذي سيجعلها تلبي دعوة معرض القاهرة للكتاب فوعدها قائلا: "سأرتب لك لقاء في منزل نجيب محفوظ".

وبعد أقل من ساعتين من وصولها إلى القاهرة كانت نادين ومعها سلماوي في منزل نجيب محفوظ على كورنيش النيل بمنطقة العجوزة في الجيزة، ونظرت نادين طويلا في وجه محفوظ قبل أن تقول له، "في مثل هذا اليوم 29 يناير/ كانون الثاني قبل واحد وخمسين عاما تزوجت·· إنه عيد زواجي·· وقد أخذني زوجي الراحل في رحلة إلى مصر وكانت أول دولة أزورها في حياتي·· والآن يا مستر محفوظ أشعر بأن لقائي بك الذي كنت أسعى إليه منذ سنوات هو أثمن هدية أتلقاها بهذه المناسبة·· إنني أرى دائما أنك من أعظم المواهب الإبداعية في العالم·· واحتفظ بكل أعمالك في مكتبتي مترجمة إلى الإنجليزية·· وكلما قرأت قصة أو رواية وأنهيتها تأخذني بلا وعي إلى الأخرى".
وقال نجيب بهدوء ومن خلال ابتسامته الودودة: سأقدم لك الآن كتابا لي لم تقرأيه·· فها هي النسخة الإنجليزية من كتابي ''أحلام فترة النقاهة'' الذي صدرت ترجمته الشهر الماضي وصدرت نسخته العربية منذ أيام.
واختطفت نادين الكتاب وراحت تتأمل غلافه الأزرق وتقلب صفحاته وقالت بسعادة غامرة: عجبا لم أر هذا الكتاب من قبل·· فقال نجيب وهو يحتفظ بابتسامته الرقيقة: إنه يضم مجموعة قصص قصيرة استوحيتها من أحلامي.
وسألت نادين "هل مازلت تكتب إلى الآن يا مستر محفوظ؟ فرد محفوظ أكتب أحلامي·· فماذا عندك أنت؟" فأجابت بمرارة "انتهيت من كتابة رواية لم تنشر بعد·· ولكنني أشعر بأنها ستكون الرواية الأخيرة لي".
وشعر نجيب محفوظ ببعض الانزعاج، كما تذكر (الاتحاد)، وسألها: لماذا تقولين هذا؟ فردت: تقدمت في السن وأشعر بعد هذا العمر الطويل بأنني فقدت جذوة الكتابة·· وربما أشعر بأنني كتبت كل ما أستطيع ولن يكون في استطاعتي أن أكتب ثانية.
وأراد محفوظ الخروج من هذه الأجواء المرة فقال: حدث لي هذا في الخمسينيات من القرن الماضي·· فعندما انتهيت من كتابة الثلاثية ''بين القصرين'' و''قصر الشوق'' و''السكرية'' قلت إنها الرواية الأخيرة وأنني أفرغت كل ما في جعبتي·· وحاولت كثيرا، لكنني لم أجد ما أكتب واتجهت إلى السينما لكتابة السيناريو وعندما انضممت إلى عضوية نقابة المهن الفنية سجلت اسمي ككاتب سيناريو لا كروائي.
واستطرد محفوظ: وبعد ست سنوات من التوقف·· وجدت نفسي فجأة اكتب راوية ''أولاد حارتنا'' التي صدرت عام 1959 وجاءني بعدها فيض من الكتابة لم يتوقف·· لكنني أصارحك بأنني حين تصورت أن معيني قد نضب أصابني الاكتئاب.

وباهتمام شديد سألت نادين نجيب محفوظ: كم كان عمرك حين توقفت بعد الثلاثية؟ فقال: كنت في أوائل الأربعينيات من عمري·· فقالت نادين وهي تبتسم: لو كنت مكانك لاكتأبت أيضا، وإن كنت اعتقد أن الاكتئاب عرض وظيفي في حرفة الأدب·· وأنا في سن الواحد والثمانين أشعر بأنني تركت ورائي الكثير من الكتابات وقد لا اكتب ثانية.
وأصر نجيب محفوظ على بث روح الإصرار والتفاؤل في اللقاء قائلا: أنا في الثالثة والتسعين ومازلت اكتب فالمسألة رغبة ودافع قد يشعر بهما الكاتب في وقت ما ولا يشعر بهما في وقت آخر·· ورغبتي مازالت مستمرة رغم أن قدراتي الجسمانية لا تساعدني على تحقيقها·· فقدرتي على الإمساك بالقلم بعد ما أصيبت يدي اليمني ضعفت كثيرا كما ضعف بصري ولا أتبين بالدقة المطلوبة ما تخطه يدي·· وقد تحايلت على هذه المتاعب باللجوء إلى الإملاء.
وقالت نادين جورديمر: أنا لا أستطيع الإملاء·· فرد نجيب محفوظ: ولا أنا وقد قاومت فكرة الإملاء كثيرا، لأن القلم في يدي على مدى ستين عاما أصبح مثل أحد أصابعي·· لكنني في النهاية رضخت للإملاء بعد أن أصبحت قراءة ما أكتبه بيدي المرتعشة صعبة للغاية·· ومسألة الإملاء شاقة فأنا لا أستطيع الإملاء، إلا عندما يأتي مساعدي الذي يقرأ لي الصحف·· وفرض عليّ انتظاره أن أحفظ قصتي الجديدة عن ظهر قلب لأمليها عليه عندما يحضر.
وسألت نادين زميلها الإفريقي نجيب محفوظ: متى بدأت تكتب؟ فرد: كنت طالبا صغيرا في الابتدائية وكنت أقرأ قصصا بوليسية وعندما انتهي من قراءة القصة أعيد كتابتها بأسلوبي·· ثم كتبت قصصا مستوحاة من حياتي·· ومر وقت حتى أصبحت قادرا على تأليف أشياء من الخيال·· وحيث قدمت إنتاجي الأول لأستاذي سلامة موسى قال لي: أنت موهوب يا نجيب ولكن قصصك هذه لا تصلح·· ومع الوقت والمثابرة أصبحت قادرا على كتابة ما يصلح.
وسأل نجيب زميلته الإفريقية: وأنت متى بدأت تكتبين فقالت: بدأت في سن التاسعة·· وقد كان حلمي في الطفولة أن أصبح راقصة بالية وبدأت أتدرب على الرقص منذ سن السادسة·· وبعد ثلاث سنوات تعرضت لمشاكل في القلب فأمرني الطبيب بأن امتنع نهائيا عن الرقص ولزمت الفراش والراحة وأظن أن هذا الطبيب كان مخطئا فقد عشت حتى الآن واحدا وثمانين عاما مليئة بالحركة ولم يحدث لي مكروه·· والمهم أن هذه الراحة جعلتني أكتب أكثر وأنا منذ البداية قارئة جيدة·· وهكذا أصبحت الكتابة حياتي.
وبمناسبة حديثها عن الرقص سألت نادين نجيب: وأنت ألم تطمح لشيء آخر غير الكتابة؟ فقال: في بداية حياتي كان أهلي يعدونني لأصبح مهندسا·· ربما لأنني كنت متقدما في الحساب·· لكن الكتابة تغلبت على الهندسة·· كما تغلبت عندك على البالية.

وأخرجت نادين جورديمر من حقيبتها كتابين أهدتهما لنجيب محفوظ أولهما مجموعة قصصية لها صدرت مؤخرا بعنوان ''الغنيمة'' وكتبت على الغلاف إهداء يقول: إلى نجيب محفوظ تقديرا لعظمته وحبا وعرفانا بالحب والسعادة اللذين أدخلتهما إلى نفسي قراءة أعماله.
أما الكتاب الآخر فيضم قصة قصيرة واحدة لنادين ضمن عشرين أديبا لكل منهم قصة في الكتاب·· وقالت نادين: بعض أصحاب القصص في هذا الكتاب حاصلون على نوبل مثلنا ومنهم جونتر جراس من ألمانيا وجابريل جارسيا ماركيز من كولومبيا وكنزابوري اوي من اليابان وخوسيه ساراماجومن البرتغال بالإضافة إلى أعمال لأدباء كبار أمثال آرثر ميللر.
وقالت نادين: ولهذا الكتاب قصة أيضا·· فقد فكرت في أن نفعل نحن الأدباء الحاصلين على نوبل شيئا لمساعدة المصابين بمرض الإيدز فأرسلت رسائل إلى هؤلاء الأدباء ليمدني كل منهم بقصة قصيرة بلا مقابل وبحثت عن دار نشر تتولى هذا الكتاب تبرعا وبلا أجر ونجحت الفكرة وبيع من الكتاب حتى الآن خمسون ألف نسخة وترجم إلى خمس عشرة لغة.
وقال نجيب محفوظ: لو طلبت مني قصة في هذا الكتاب المطبوع من أجل الخير لتبرعت بها على الفور·· فقالت نادين: عرفنا أنك تبرعت بجزء من قيمة جائزة نوبل للخير·· فقال محفوظ: قسمت قيمة الجائزة بيني وبين زوجتي وكريمتي الاثنتين وفقا للشريعة الإسلامية·· والجزء الذي يخصني تبرعت به كله وذهب إلى مرضى الفشل الكلوي.
وأخرجت نادين من حقيبتها كتابا ثالثا لكن نجيب محفوظ قال لها بابتسامة عريضة: لن أقبل منك كتابا آخر·· لقد أهديت إلي كتابين بينما اهديت أنا إليك كتابا واحدا.
وردت نادين على محفوظ قائلة: لن أهدي إليك هذا الكتاب·· بل أنت الذي ستهديه إليّ·· لقد أحضرته معي من جوهانسبرج لأقرأه على الطائرة وتكون معي في الجو قبل أن ألقاك على الأرض·· انها النسخة الإنجليزية من كتابك الجميل ''رحلات ابن فطومة'' وتناول محفوظ الكتاب وراح يكتب الإهداء بيد مرتعشة ويقول لنادين معتذرا: أرجو ألا أكون قد أزعجتك لأنني مصاب بنوبة برد خفيفة·· فقالت نادين: لقد سعدت بلقائك وأرجو ألا أكون قد أزعجتك وأتمنى أن ألقاك دائما على خير.