المزاج الجنوبي ينزح إلى الضاحية في هذه الغضون كانت ظهرت «حركة المحرومين» التي أسسها الإمام موسى الصدر ذراعاً سياسية للطائفة الشيعية. وما لبثت ظروف مثلى أن أحاطت بالولادة. فمع اختتام حرب السنتين، طرأ الدخول السوري الذي أيّده الصدر وعارضته المنظمات الفلسطينية وحلفاؤها اللبنانيون، ما جعل الشيعة يعبّرون علناً عن تململهم من جيرانهم الأقوياء، وهو تململ زوّدته السنوات أسناناً وأنياباً. كذلك هبّت الرياح السكانية لإنجاد المشروع. ففي 1976 هُجّر الجنوبيون من النبعة والدكوانة المسيحيتين فجاء معظمهم الى الضاحية، وبعد عامين كان الاجتياح الاسرائيلي الصغير الذي صبّت بفعله كتل سكانية أخرى في المصبّ نفسه.
وبعد العزوف التقليدي عن التديّن عند السكان «الأصليين» من ذوي المزاج الجبلي اللبناني، حمل اليهم الجنوبيون النازحون ورعهم وتقواهم. فلما تأسست «حركة أمل» الصدرية في أوساطهم، بدا كأن التديّن، في الضاحية، بات يملك شوكته وعصبيته. ووسط جموع المهجّرين من النبعة الذين غدا معظمهم وقوداً لـ« أمل»، وُجد رجل دين مؤثّر هو السيد محمد حسين فضل الله.
ويرصد صاغيّة في مقاله الثاني ميلاد حزب الله الذي جاء كاحتجاج على اطلاق سراح الرهينة الأميركي جيسي تيرنر في دمشق. لكنهم, فقد غادر أمليون, كحسين الموسوي, حركتهم الى ما بات يُعرف بـ"حزب الله". وكان واضحاً في المغادرين, وفي عدادهم ابراهيم الأمين السيد وحسين خليل وعلي عمار وحسن نصر الله, أنهم أكثر الأمليين تشدداً في مقاتلة البعث العراقي, وأشدهم تعاطفاً مع الفلسطينيين.
وفي مقاله الثالث شرّح صاغيّة جهود حزب الله في تنقية "الضاحية" من الثقافات الأخرى وربطها بمشروع "الثورة الإسلامية". ويمضي المقال للقول "إن ساحة عبد الناصر"، مثلاً، وكانت الساحة الرئيسية في برج البراجنة، حُوّلت ساحة الإمام الخميني، ترتفع فيها ثلاث صور ضخمة للخميني وخامنئي ونصر الله مكان تمثال الزعيم المصري الذي أزيل.
وهي خطة شُرع بتنفيذها مبكراً بعون عناصر «الحرس الثوري» الإيراني ممن وفدوا الى الضاحية أوائل الثمانينات، حاملين تجربتهم في إقامة نظام ثوري. وليس صعباً في من يتأمل خريطة لبنان اكتشاف أهمية الضاحية: فهي تربط الخزّانات البشرية للحزب في الجنوب والبقاع، مَصدري العدد الشيعي، فيما تمارس الرقابة على العاصمة وقرارها. لكن الناظر الى لبنان يكتشف بالسهولة نفسها أن ذاك البلد ليس إيران، لا تركيباً سكانياً ولا ظروفاً سياسية واجتماعية، فيما تصفية هوائه مهمة أقرب الى الاستحالة.
وفي مقاله الرابع عرض إلى بعض الاشكالات الفكرية والاقتصادية التي جابهت ولا تزال حزب الله. كتب صاغية: لا يشذ «حزب الله» عن أحزاب عدة، عربية وغربية، اجتمع فيها نقيضان ظاهريان: تشديدٌ مبالَغ فيه على الوحدة والتراصّ ودرجة من التفتّت بعيدة تكبتها دعوات الوحدة نفسها. فلئن حافظت «حركة أمل» على حد أدنى من تماسكها بفضل تقديمات الدولة، بدت قضية الحزب، في هذا الميدان، أعقد. فإلى الشخصية المنزّهة للأمين العام، والى موضوعة «المقاومة» المرفوعة الى مصاف المقدّس، انضافت الخدمات وفرص العمل، حيث لعب التمويل الإيراني دوراً مركزياً.
|
الشيخ نصر الله.. صورة عن قرب أما في مقاله الخامس فقد تناول صاغيّة شخص الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله، وكتب بهذا الخصوص: " صعد نصر الله الى الأمانة العامة, لا من موقعه كعالم دين, بل كمسؤول في الجهاز الأمني العسكري الذي بناه عماد مغنية. حصل هذا في 1992, بعدما اغتال الاسرائيليون بأحد صواريخهم الأمين العام السابق عباس الموسوي. يومها كان الجنوبي ابن الـ 32 عاماً إشارة الى صعود الجنوب في حزبه, فيما إيران الخارجة من حرب الخليج, تتهيأ لمقاتلة الوجهة السلمية في المنطقة التي افتتحها مؤتمر مدريد. بيد أن الشيخ الشاب نمّ عن علامات نباهة. فهو, على عكس منافسه الأمين العام الأسبق صبحي الطفيلي, قرن نوعه الايديولوجي برجاحة سياسية تهيئه لما بعد اتفاق الطائف اللبناني أواخر 1989.
فلئن تمسك الطفيلي براديكالية الرفض لدخول اللعبة الانتخابية اللبنانية, حل نصر الله المعضلة باسكالياً: فما دمنا لا نخسر شيئاً بالدخول, فما الضير منه؟ والحال أن هناك ما يمكن كسبه في المقابل: فإرضاء سورية التي استثمرت الكثير في الطائف, وضمنت للحزب موقعه وسلاحه كـ"مقاومة", لا كـ"ميليشيا", هو العصفور الذي في اليد. أما "الجمهورية الاسلامية" فعصافير على الشجرة يمكن تأجيل اصطيادها قليلاً.
ولن يسيء ايران إطلاقاً أن توجد كتلة نواب تدافع عنها في البرلمان اللبناني, وقد تساهم في تشريعات تتطلبها المصالح الحزبية-الايرانية النامية. وهذا كسب خالص, لا سيما أن في وسع الحزب الاحتفاظ بموقفه الاسلامي المبدئي, ماضياً في هجاء الاتفاق الذي عامله بالتبجيل, بوصفه "تسوية طائفية عفنة"!
وتساءل صاغيّة في مقاله السادس والأخير عن "حدود اللبننة المنسوبة الى الحزب في الاقتصاد وفي السياسة أيضا". وصاغ هذا السؤال الكبير كالآتي: وقد يقال, بدرجة معقولة من الصحة, إن الحزب يمثل من اللبننة التحولات الديموغرافية التي طرأت في العقود الثلاثة الماضية. بيد أن التعبير عن ذلك لا يزال ملتبساً مختلطاً عاصفاً.
أما أن نكون أمام عيّنة مصغّرة عن تجربة "حزب العدالة والتنمية" الاسلامي في تركيا, حيث يتضافر المؤمنون والسياسيون ورجال الأعمال الأناضوليون والمثقفون المتدينون, مستندين الى العنصر الشبابي المتكاثر ومُشكّلين سلطة بديلاً فهذا, في لبنان, آخر الممكن.
ذاك أن "حزب الله", تبعاً لطبيعته المذهبية في بلد منقسم طائفياً, وطبيعته الراديكالية في بلد معتدل, غريب عن الجماعات الأخرى, مُخيف لها, من دون أن ينجح في بناء همزة وصل واحدة مع المثقفين الشيعة. ولما كان الجَـدّ عنده هو "المقاومة" بوصفها جسراً إيرانياً-سورياً الى الداخل, وعتبةً لصعود المشروع المذهبي الراديكالي, باتت لبننة الحزب قبلة موت للبنان.
|