دبي - خالد عويس
كان من شأن الاهتمام الواسع الذي حظيت به الذكرى الأولى لأحداث منطقة القامشلي (شمال شرق سوريا قرب الحدود التركية) في أوساط الأكراد أن يلفت الأنظار إلى احتمال أن تلعب بعض الأطراف الكردية دورا رئيسا في احداث تغيير سياسي في سوريا بالاستعانة بقوى دولية.وحذر خبراء استراتيجيون وقادة سياسيون من أن بطء عجلة الاصلاح في سوريا وعدم الاستجابة لمطالبات الأكراد في هذا البلد قد يفتح الباب أمام مثل هذا الاحتمال. ووصف الروائي والشاعر السوري ذائع الصيت سليم بركات الوضع الحالي في بلاده بأنه مزر، مستبعدا استقواء الأكراد بقوى خارجية من أجل تحسين أوضاعهم.
 |
ورقة الأكراد ذريعة للتدخل الأجنبي وقال بركات في مقابلة نادرة مع "العربية.نت" إن بعض القوميين العرب يروجون لمثل هذا الأمر، مضيفا بأن ما تم في القامشلي كان متوقعا من لدن مثل "هذه الدول المنهارة التي تتعامل مع مواطنيها كالغرباء". وأشار إلى أن التاريخ الكردي كله في مقاومة الاستعمار جرى إلغاؤه لصالح إبراز دور العلويين والدروز في مقارعة الفرنسيين.وأكد بركات أن "قلوبنا مع هذا البلد"، لكن "التباطؤ في تنفيذ الاستحقاقات كما حدث بشأن اتفاق الطائف" هو الذي يفتح المجال أمام الضغوط والتدخلات الأجنبية. وكانت مدينة القامشلي شهدت في 12 آذار/مارس 2004 مواجهات بين أكراد وقوات الأمن السورية وبين هذه الأقلية وعشائر عربية سورية في منطقة الحسكة (شمال شرق دمشق) في أعقاب مباراة لكرة القدم بين فريقي الفتوة "عربي" والجهاد "كردي" أسفرت عن سقوط 30 كرديا و5 عرب بالاضافة لعشرات الجرحى.
|
 |
الأكراد لا يرغبون في الاستقواء بالخارج وفي حين أنحت دمشق باللائمة على "مثيري شغب" تحركهم دوافع سياسية، يقول الأكراد إن مشجعي نادي الفتوة جاءوا مسلحين بالهراوات ورفعوا صورا للرئيس العراقي صدام حسين مما شكل استفزازا لهم.
ويرى عبدالحميد درويش (الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي الكردي) أن هذه الأحداث حركتها "بعض الدوائر الشوفينية" في السلطة بهدف الاساءة للأكراد.
وقال درويش لـ"العربية.نت" إن تلك الأحداث نجم عنها وضع 4 آلاف كردي في المعتقلات علاوة على طرد 70 طالبا من الجامعات والمعاهد. وأضاف أن اتهام الأكراد بالاتصال بجهات خارجية هو محض كذب وافتراء. وأشار درويش إلى أن الأحزاب الكردية دعت الرئيس السوري بشار الأسد لتشكيل لجنة تحقيق نزيهة حول الأحداث، لكن الأمر لم يلق استجابة ولم يبادر الأسد من جهته للاجتماع مع الأكراد.
|
 |
أزمة جديدة في الأفق ويبدو أن مطالب الأكراد لا تقتصر على كشف حقيقة ما جرى في القامشلي، وهو ما يدفع للاعتقاد بأن أزمة جديدة ربما تطل على المشهد السوري نتاج "احتقان" كردي بالغ نظرا للتمييز العنصري الممارس بحقهم والتعاطي معهم كمواطنين من "الدرجة الثانية" بحسب أوصافهم. ويقول درويش عن هذا الأمر إنهم يطالبون بحقوق سياسية وثقافية واجتماعية تتمثل بمشاركتهم في تقرير مصير سوريا واستيعابهم في دوائر السلطة "حيث لا وجود لوزير أو محافظ أو حتى مدير منطقة من الأكراد".ويضيف أن المناطق الكردية (تسمى الجزيرة) بقيت مهملة طيلة عقود على الرغم من أنها توفر 43% من انتاج الحبوب في سوريا بالاضافة لرفدها الاقتصاد القومي بـ42% من انتاج النفط في هذا البلد.
|
 |
دور نشط لأكراد سوريا في المرحلة المقبلة وحذر البروفسير برهان غليون (رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة السوربون - فرنسا) من مغبة تجاهل دمشق مطالبات الشارع السوري بما فيه الأكراد باحداث تغييرات ديمقراطية.وقال غليون لـ"العربية.نت" إن النظام السوري تأخر كثيرا في الاستجابة للاستحقاقات الداخلية مما سيدفع الشارع السوري – بما فيه الأكراد – للتفاعل مع القوى الدولية التي يمكن أن تلبي مطالبها السياسية بالضغط على دمشق. وأضاف أن إسرائيل أيضا يمكن أن تدخل في الخط إذ ليس بالضرورة أن تلج الملعب السوري من باب العلاقات المباشرة مع الأكراد وإنما بتلاعب استخباراتها واستخبارات غيرها من القوى الاقليمية والدولية ببعض الأحداث وتحريكها بما يصب في مصلحتها.
وتوقع برهان غليون أن يلعب الأكراد دورا نشطا في أي تغيير سياسي مقبل في سوريا لأنهم غير خاضعين خضوعا مطلقا للهيمنة الأمنية كما هو شأن القوى السورية المعارضة الأخرى، كما أنهم يحظون بامكانات مادية أكبر ويستفيدون من تنامي الحركة القومية الكردية في تركيا والعراق. لكنه من جانب آخر أوضح أنه لا يعتقد أبدا أن للأكراد في سوريا الطموحات ذاتها التي تحرك أكراد العراق على الرغم من قضاياهم الملحة كالمشاركة على قدم المساواة مع الآخرين في الحياة السياسية.
|
 |
شوفينية في التعامل مع الأكراد ولم تمر ذكرى أحداث القامشلي مرور الكرام على الأكراد في سوريا، فبحسب إسماعيل عمو (الأمين العام لحزب الوحدة الكردي) تجمع عدد كبير من النشطاء السوريين أكراد وعربا أمام قصر العدل في دمشق استنكارا للأحداث وصدر عن الأحزاب الكردية بيان دعا لاعتبار 11 مارس/آذار يوم حداد وطني وقومي.وقال عمو لـ"العربية.نت" إن السلطات السورية لم تعالج الأسباب التي دعت لوقوع الأحداث ملخصا إياها في الاحتقان المزمن الذي يعانيه الأكراد نتاج "الشوفينية" والسياسات العنصرية والتعريب والحرمان من الحقوق. وأضاف أن الأكراد ما عادوا يؤمنوا بأي حل لأن الأبواب كلها مغلقة أمامهم.وشدد على أنهم – الأكراد – يطالبون بالتغيير من الداخل، مؤكدا في الوقت ذاته عدم لجوئهم تحت أي ظرف للقوى الخارجية. ولفت إلى أن الضغوط الدولية على بلاده لم يجلبها الأكراد، لكن "السلطة بسياساتها الخاطئة والتمييز ضد الأكراد تفتح أبواب التدخل الأجنبي".وأكد عمو أن القوى الخارجية ذاتها قد تعمد لاستغلال "الورقة الكردية" مضيفا بأنهم في الأحزاب الكردية لن يتمكنوا من السيطرة على الأكراد في حال لم تحل قضاياهم.
|
 |
استمرار التمييز بحق الأكراد سيصعد ردود أفعالهم على أن للباحث والكاتب إبراهيم محمود رؤية أخرى مفادها أنه لا يصح النظر لأكراد سوريا ككتلة جامدة واحدة.. ويرى محمود في سياق تحليله لـ"العربية.نت" أن بعض الأطرافا الكردية في الخارج تسعى لتأجيج الأوضاع وتتعاطى مع الأمر برمته كمسألة "حياة أو موت" في حين أن غالبية الأكراد في الداخل وحتى هذه اللحظة يحرصون على استقرار الأوضاع وتحقيق الديمقراطية وإلغاء مظاهر العسكرة.
وعزا الجمود الحادث في عجلة الاصلاح للحرس القديم في السلطة الذي وصفه بأنه لا يريد خيرا لسوريا، محذرا من انفجار الوضع ما لم تسع السلطة للتصالح والانفتاح على شعبها في مواجهة الضغوط الخارجية. وختم بالاشارة إلى أن استمرار التعسف والتمييز العنصري سيصعد من ردود الأفعال.وتجدر الاشارة إلى أن التقديرات متفاوتة بخصوص عدد الأكراد في سوريا حيث تشير مصادر إلى أنهم يشكلون 10% من سكان سوريا البالغ عددهم 17 مليونا، في حين تذهب مصادر أخرى للقول إنهم لا يتجاوزون 1,3 مليون. ويتمركز غالبية الأكراد على طول حدود سوريا مع تركيا أو في الشمال وخصوصا في مناطق الحسكة وعفرين وكوباني.وكانت أول حكومة بعثية وصلت إلى سدة السلطة في دمشق في 1961 شرعت بعد عام واحد في إجراء احصاء سكاني خاص في محافظة الحسكة لتجرد زهاء 120 ألف كردي آنذاك من جنسياتهم بدعوى أنهم "غرباء تسللوا من تركيا".ويشير الأكراد كذلك إلى أن لعب سوريا لدور عربي مركزي بوصفها "قلب العروبة النابض" لم يترك لخصوصيتهم وثقافتهم الكردية أي هامش في هذا البلد. وكانت مصادر دبلوماسية في القاهرة كشفت العام الماضي عن خطة أمريكية تهدف إلى تشديد الضغط على دمشق، والسعي إلى تدويل قضية أكراد سوريا، ومحاولة استصدار قرار أممي يقضي بتدخل دولي يفرض منطقة حظر جوي في الشمال السوري (مناطق الأكراد خصوصًا) مثلما كان الحال في المناطق الكردية شمال العراق بحسبما نقلت مصادر صحفية في آذار/مارس 2004. وعلى الرغم من أنه ليس ثمة اتجاه أمريكي واضح في هذا الشأن، إلا أن المحاذير التي طرحها عدد من الخبراء والسياسيين عن "الورقة الكردية" في سوريا بوصفها ورقة يمكن أن تلعب دورا في زعزعة الاستقرار وجلب مزيد من الضغوط على دمشق تؤكد أن تجاهل هذا الاحتمال بالنظر إلى لعبة المصالح الاقليمية والدولية القائمة بين سوريا وتركيا وإيران وأكراد العراق والولايات المتحدة قد يجانب الصواب، فقواعد اللعبة قد تتغير، والمشهد الشرق أوسطي الجديد لا زال في طور التشكل وما من "ثوابت" عصية على التغيير وفقا للمستجدات الاقليمية.
|
