قضاة مصر رفضوا الاشراف على انتخابات الرئاسة مالم يضمنوا نزاهتها
قرر قضاة مصر أمس الجمعة 13-5-2005م مقاطعة الاشراف على الانتخابات الرئاسية والنيابية القادمة ما لم تستجب الحكومة لمطالب كانوا تقدموا بها تشمل اصدار قانون جديد يضمن استقلالهم عن السلطة التنفيذية واصدار قانون اخر يضمن نزاهة العملية الانتخابية.
ومن شأن القرار أن يضع الحكومة في موقف عسير لان الاشراف القضائي على الانتخابات منصوص عليه في الدستور الامر الذي قد يبطل أي انتخابات تجرى بعيدا عن اشرافهم.
وبعد مناقشات استمرت حوالي أربع ساعات وحضرها نحو ثلاثة الاف قاض من مختلف محافظات مصر قال زكريا عبد العزيز رئيس نادي قضاة مصر (الجمعية العمومية للقضاة) بالاجماع اتخذت قرارها بالتمسك بمشروع قانون السلطة القضائية وبالضمانات الكفيلة بالاشراف الكامل على الانتخابات".
وأضاف "اتخذنا قرارا اليوم بأنه في حالة عدم الاستجابة لمطالبنا اللي احنا قلناها وأبديناها بالنسبة للقرارين احنا أعفينا أنفسنا أمام الشعب كله من الاشراف على الانتخابات"، وقال "حددنا موعدا لجمعية عمومية غير عادية يكلف مجلس ادارة نادي مصر بدعوتها في يوم الجمعة الاول من شهر سبتمبر لتقييم تجربة الاشراف على الاستفتاء والنظر في قرارنا في حالة تنفيذ طلباتنا".
وسيجرى استفتاء يوم 25 مايو الحالي على تعديل دستوري أقره مجلس الشعب يوم الثلاثاء يسمح بأكثر من مرشح لمنصب رئيس الدولة لاول مرة في مصر.
وتمسك قضاة تحدثوا في الاجتماع ببندين نص عليهما مشروع قانون السلطة القضائية الذي يريده القضاة وهما أن تخصص ميزانية مستقلة للقضاء وأن يتبع التفتيش على القضاة مجلس أعلى منتخب للقضاء.
ويحصل القضاة حاليا على مخصصاتهم من ميزانية وزارة العدل كما يتبع التفتيش القضائي وزارة العدل.
ويقول قضاة ان من بين متطلبات نزاهة الانتخابات واشرافهم الكامل عليها أن تكون لهم السلطة على جداول قيد الناخبين التي تخضع حاليا لسلطة وزارة الداخلية.
وقال قضاة ان الحكومة زورت جميع الانتخابات السابقة ثم ادعت انها نزيهة لانها أجريت تحت اشراف القضاء. وتقول الحكومة ان حالات التزوير حوادث معزولة.
وقال عبدالعزيز عن انتخابات مجلس الشعب عام 2000 "حوصرت مقار بعض اللجان ومنع الناخبون من الادلاء بأصواتهم"، وأضاف أن قضاة تحدثوا عن "لجان أخرى صوت أمامها الالاف بعضهم من المتوفين".
ويواجه الرئيس المصري حسني مبارك الذي سيكون له منافسون اذا خاض الانتخابات الرئاسية حسب المتوقع مطلبا أمريكيا بالسماح لمراقبين دوليين بالمشاركة في الرقابة على الانتخابات لكن مسؤولين مصريين قالوا ان مصر رفضت اقتراحات مماثلة من قبل.
مظاهرات المؤيدين والمعارضين
وبالقرب من مكان اجتماع القضاة تظاهر مئات من المؤيدين لمبارك والمعارضين له وكل من الجانبين يتطلع لقرارات يصدرها القضاة تؤيد موقفه.
وشهدت المظاهرات مساجلات بين الفريقين المتعارضين، فيما استبقت الاجتماع الهام للقضاة أنباء عن بوادر انشقاق بينهم بعدما أعلن قضاة محاكم الاستئناف في خبر نشرته الصحف المصرية أنهم سيشرفون على الانتخابات في كل الظروف رافضين بذلك إنذارا كان وجهه 1500 قاض في وقت سابق طالبوا فيه بضمانات لنزاهة الانتخابات والإشراف القضائي الكامل عليها وإلا امتنعوا عن المشاركة فيها.
وكانت حركة "كفاية" التي تعارض التمديد لمبارك لفترة رئاسة خامسة مدتها ست سنوات في الانتخابات المقررة هذا العام قد خططت للتظاهر خارج مبنى نقابة الصحفيين لحث القضاة على اتخاذ موقف قوي ضد أي مخالفات في الانتخابات. لكن الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذي يتزعمه مبارك سبقهم وحشد مئات الاشخاص مبكرا لاحتلال أماكنهم على درج البناية. وهتفوا "نعم لمبارك" و"موش كفاية".
وتعين على أعضاء حركة "كفاية" الالتقاء أمام نقابة المحامين المجاورة حيث ووجهوا بوابل من الهتافات من الشارع رددها أشخاص يلوحون بصور لمبارك البالغ من العمر 77 عاما والذي يحكم مصر منذ عام 1981.
بيد أن أعضاء "كفاية" بلافتاتهم العملاقة تمكنوا في وقت لاحق من اعتلاء سطح مبنى نقابة الصحفيين المطل مباشرة على الحديقة التي يجتمع القضاة فيها.
وتعرضت وسائل الإعلام التي حاولت حضور الاجتماع الهام لنقله على الهواء مباشرة لاعتداءات من قبل رجال الشرطة الذين منعوهم من نقل اجتماع القضاة على الهواء مباشرة.
وكان القضاة قد انتقلوا الى بؤرة الخلاف بين مؤيدي مبارك ومعارضيه. وامتلات الصحف ببيانات من مجموعات من القضاة يعبرون خلالها عن مواقفهم حيال الاشراف على الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وفي الشهر الماضي قال نحو 1500 قاض من شمال مصر انهم لن يشرفوا على الانتخابات ما لم يخولوا مراقبة العملية بأكملها ويحصلوا على ضمانات بالاستقلال عن السلطة التنفيذية.. وشكا قضاة من أنهم عجزوا خلال انتخابات سابقة عن مراقبة ما يحدث خارج مراكز الاقتراع أو أنشطة من قبيل كتابة كشوف الناخبين قبل الانتخابات.
ومن شأن قرار مماثل من جانب نادي القضاة في القاهرة أن يضع الحكومة في موقف عسير.
بوادر انشقاق بين القضاة
ولكن بوادر شقاق –تعول عليه وزارة العدل المصرية- ظهرت في الأفق حيث أكد مجلس رؤساء محاكم الاستئناف في بيان نشرته جريدة (الأهرام) اليوم الجمعة عزمهم الإشراف على الانتخابات، بعكس ما يطالب به نادي القضاة.
وقالوا "إن قضاة مصر قد أقسموا على تطبيق القانون وبوصفهم مواطنين، ليقوموا بالإشراف على الانتخابات بمصر تكليفا وتشريفا من الدستور، أمرا غير معلق على شرط، وإنما هو أداء لدورهم تجاه وطنهم، وامتثالا للدستور والقانون، الذي أقسموا على احترامه، ونشرا لرسالتهم في تحقيق العدل، ويعلنون بكل وضوح أن هدفهم هو مصلحة الوطن، وسبيلهم هو التزام الشرعية الدستورية، غير مقرنين أداء رسالتهم بتحقيق غاية قد تبدو للبعض أنها مطلب ذاتي أو شخصي".
وقالوا في اجتماع المجلس أمس في مقره بدار القضاء العالي بالقاهرة برئاسة المستشار أحمد خليفة، رئيس استئناف القاهرة، ورؤساء استئناف الإسكندرية وطنطا والمنصورة والإسماعيلية وبني سويف وأسيوط وقنا، إن المجلس، وهو يمثل جموع مستشاري محاكم استئناف مصر، ويقاربون ثلاثة آلاف مستشار، يعبر عن استغرابه واستنكاره لأي محاولات خارجية للتدخل في المسيرة الديمقراطية في مصر، على حد قولهم.
وترجو وزارة العدل أن يتخذ قضاة المحاكم العادية ومحاكم الاستئناف قرارا مخالفا لمطالب القضاة المنددين بأسلوب إجراء الانتخابات، وأن يرفض غالبية القضاة حصول الجمعية العمومية اليوم بما يؤدي لإجهاضها وفشلها.
التشكيك في دستورية التعديل الدستوري
وفي مذكرات وزعت قبل اجتماع القضاة اليوم شكك زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة في دستورية تعديل دستوري يتيح اجراء انتخابات رئاسية يشارك فيها أكثر من مرشح لاول مرة في مصر.
وبموجب التعديل الذي وافق عليه البرلمان هذا الاسبوع سيتم تشكيل لجنة مؤلفة من عشرة أعضاء نصفهم من القضاة والنصف الاخر يختارهم البرلمان لادارة الانتخابات وحل أي نزاع. ويقول نص التعديل ان قرارات اللجنة غير قابلة للطعن.
وقال عبد العزيز ان كل ما تستطيع اللجنة عمله هو اصدار قرارات ادارية والدستور يحظر استثناء أي قرار اداري من المراجعة القضائية، وأضاف أن هذا من شأنه أن يجعل النص غير دستوري وبالتالي تصبح انتخابات الرئاسة باطلة.
وسيطرح التعديل للاستفتاء الشعبي في 25 مايو/ أيار كما سيخضع لمراجعة المحكمة الدستورية العليا.
كما اعترض عبد العزيز على البند القائل بضرورة اجراء انتخابات الرئاسة في يوم واحد. وكتب أنه في حالة عدم توافر العدد الكافي من القضاة لضمان الاشراف على كل مراكز الاقتراع ينبغي عندئذ الغاء بند اليوم الواحد.
وفي مصر نحو 20 الف لجنة انتخابية عامة وفرعية بينما عدد القضاة نحو 8000، وأجريت انتخابات مجلس الشعب في عام 2000 على ثلاث مراحل.
القضاة: نرفض أن نكون شهود زور
وكانت الجمعية العمومية لنادي القضاة قد دعت لمؤتمر اليوم الجمعة 13 أيار (مايو) 2005 لتحديد موقف القضاة من الإشراف على الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، في ضوء موقف الحكومة من تقديم تعديلات قانون شؤون القضاء إلى مجلس الشعب، قبل انقضاء دورته الحالية، لإقرار البنود التي يطالب بها القضاة والتي تتضمن إشرافا قضائيا كاملا لا صوريا، كما قالوا، على الانتخابات، وبما لا يجعل قضاة مصر "شهود زور"، على حد قولهم.
وقبل الاجتماع قال المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة إنه مستعد للاعتصام والسير حتى رئاسة الجمهورية عبر تنظيم مسيرة سلمية إلى القصر الجمهوري في عابدين، لتسليم الرئيس حسني مبارك رسالة تحدد مطالبهم بشأن استقلال القضاء، والإشراف الكامل على الانتخابات الرئاسية القادمة. واستنكر عبد العزيز المواقف الرامية إلى شق صفوف القضاة من داخل القضاة أنفسهم. واتفق أعضاء نادي القضاة المؤيدين للمسيرة على وضع شارات سوداء على الصدور، تعبيرا عن حالة الحزن لرفض مطالبهم في قانون جديد للقضاء، يضمن مزيدا من الاستقلال للقضاء، ويمنع تدخل وزارة العدل في أعمالهم.
ويدعو مشروع القرار، الذي أعده نادي القضاة، وهو بمثابة نقابة عامة، منذ عام 1990، والذي ترفض الحكومة تمريره للبرلمان لإقراره، إلى تقليص صلاحيات الحكومة، وتقليص تدخلها في عمل القضاة، كما ينص القانون على وضع ميزانية مستقلة للقضاة، بعيدا عن ميزانية الحكومة.
وأصدر وزير العدل المصري قرارا برفع قيمة مكافأة القاضي مقابل الإشراف على الانتخابات من 6 إلى 10 آلاف جنيه، بهدف امتصاص غضب القضاة، بيد أن أعضاء في نادي القضاة اعتبروا ذلك إساءة ورشوة لهم مقابل الصمت. وقال المستشار أحمد صابر، المتحدث باسم نادي القضاة لصحف مصرية مستقلة، إن مثل هذه الحيل الهدف منها الإساءة إلى القضاة، والنيل منهم، بإظهارهم في صورة لا تليق بدورهم في إقرار العدالة أمام باقي المواطنين.
تضامن مهني مع القضاة
وكانت نقابات المحامين والصحفيين وحركة (كفاية) وجماعة الإخوان المسلمين قد دعوا للتضامن اليوم مع القضاة في يوم احتجاجهم، ومنع إجهاض الحكومة لخطط استقلالهم.
وفي هذا الصدد دعا مجلس النقابة العامة للصحفيين لاعتصام للتضامن مع القضاة في مطالبهم، التي يأتي في مقدمتها الاستقلال عن وزارة العدل، والتي هي جزء من السلطة التنفيذية، مما يخل بمبدأ الفصل بين السلطات، ويؤدي إلى توغل السلطة التنفيذية في السلطة القضائية، وهذا ما يؤدي إلى تزوير الانتخابات، والتدخل في أحكام القضاء. وأكد يحيى قلاش، سكرتير عام نقابة الصحفيين، على تضامن الصحفيين مع مطالب القضاة العادلة.
وكان يتوقع أن يخرج القضاة بمسيرة من نادي القضاة الكائن بشارع عبد الخالق ثروت في وسط العاصمة المصرية إلى القصر الجمهوري بمصر الجديدة، إذا ما تمَّت موافقة الجمعية العمومية على ضرورة صدور قانون السلطة القضائية قبل الانتخابات القادمة، وإلا ستتم مقاطعة الانتخابات حسبما أكد رئيس نادي القضاة المستشار زكريا عبد العزيز.
وكانت القوى السياسية المصرية المعارضة تعول على ما تسميه "وقفة القضاة"، لإحراز تقدم ونصر على الحكومة المصرية، يدفعها لإجراء انتخابات برلمانية حرة، ويزيد الضغط لتنفيذ المزيد من الإصلاحات السياسية، بعدما أصيبت هذه الأوساط الإصلاحية بخيبة أمل، جراء القيود المشددة أو الشروط التعجيزية، وفق تعبيرها، للترشيح لرئاسة الجمهورية.