دبي-العربية.نت، القامشلي-اف ب
في الوقت الذي ساد فيه اليوم الخميس 2-6-2005 هدوء حذر مدينة القامشلي في شمال سوريا حيث اقفلت المحلات التجارية الكردية ابوابها حدادا على الشيخ معشوق الخزنوي الذي جرت مراسم تشييع حاشدة له بعد ظهر الاربعاء رفع خلالها العلم الكردي، قال نجل الراحل، محمد مراد الخزنوي، "بيانات وزارة الداخلية ليرموها في البحر... المجرمون الذين قتلوا والدنا نعرفهم تماما وسنصدر بيانا بذلك"، من دون ان ان يعطي تفاصيل.
وتابع محمد مراد الخزنوي وهو احد انجال الشيخ الكردي الستة عشر، "لو كنت في سويسرا لاخبرتكم عن الحقيقة ولكننا الآن في سوريا".
وكانت السلطات السورية قد اعلنت في وقت سابق الكشف عن "عصابة مؤلفة من خمسة اشخاص قاموا باختطاف وقتل" الشيخ الخزنوي.وحدد مصدر في وزارة الداخلية هوية موقوفين اثنين هما ياسين مطر الهندي، موظف في شركة الكهرباء من مواليد 1962 في دمشق ومن سكان دير الزور شمال شرق دمشق، ومحمد مطر العبدالله، امام وخطيب جامع المناجير في الحسكة على بعد 660 كيلومترا شمال شرق دمشق من مواليد 1969.
من جهته، قال امين عام حزب "يكيتي" الكردي المحظور حسن صالح للصحافيين في القامشلي الخميس، ان المعلومات التي اوردها الاعلام السوري حول مقتل الخزنوي "مشكوك فيها وتوجد وراءها اسباب سياسية".
وطالب بتشكيل لجنة للكشف عن الحقيقة بمشاركة محامين اكراد وناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الانسان في سوريا.ومضى قائلا: "سنقوم باعتصامات في كل المناطق الكردية ونشاطات اخرى في حلب ودمشق".
وقام عشرات الالاف من الاشخاص بتشييع الخزنوي مساء الاربعاء في مسيرة حاشدة توجهوا خلالها الى مطار القامشلي حاملين الاعلام الكردية. وفي المطار، تم لف جثة الخزنوي بالعلم الكردي.
وفي الطريق الى الجنازة، هجم المشاركون في التشييع على سيارة الاسعاف التي كانت تقل الجثة ما ادى الى تكسيرها. كما حطم المشاركون الغاضبون لوحات اعلانية عدة ورشقوا بالحجارة سيارتين للشرطة.
وكان الشيخ الخزنوي (46 عاما)، نائب رئيس مركز الدراسات الاسلامية في دمشق، يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة.
وكان يدعو الى اسلام معتدل ومنفتح ويركز في تعليمه على امكان الجمع بين الديموقراطية والاسلام.
كما كان يدافع عن حقوق الاكراد في سوريا وقد انتقد في خطاب القاه الشهر الماضي بحدة السلطات السورية لاهمالها هذه الحقوق. وقام الخزنوي بجولة في اوروبا قبل وقت قصير من اختفائه في العاشر من مايو/ايار في دمشق. والتقى خلال جولته مسؤولين اكرادا كما التقى المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين المحظورة في سوريا، علي صدر الدين البيانوني.
وسلمت السلطات السورية امس الاربعاء جثته الى ذويه. وافادت منظمة العفو الدولية ان الشيخ الخزنوي "قضى تحت التعذيب" في سجن سوري.
|
 |
الخزنوي.. آراء تقدمية في الاجتهاد على أن الجدل الذي يطاول قضية وفاة الخزنوي، يشبه ذلك الذي أحدثته أراؤه في مجال الاجتهاد الديني. وفي تحقيق صحفي نشرته صحيفة "الحياة" اللندنية الأربعاء 1-6-2005 كتبه الزميل وائل سواح، يشير إلى أنه ظاهرة استثنائية بين رجال الدين السوريين. فالخزنوي يرى أن "الكرامة الإنسانية ثابتة لكل بني آدم بتكريم الله له، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو العرق أو النسب أو اللون أو التابعية، ومن هنا وجب التعارف والتعاون والتكافل بين جميع الجماعات البشرية تعاوناً يقوم على الحق والعدل والمساواة، لأن حقوق الإنسان مكفولة لكل فرد ولكل جماعة كما أقرتها الشريعة الإسلامية واللوائح الدولية لحقوق الإنسان".
ومن هذا البعد الإنساني، يجد الخزنوي نفسه في خندق الدفاع عن قيم الديموقراطية والعلمانية وفصل الدين عن الدولة وحقوق الإنسان وتمكين المرأة وإدانة العنف والإرهاب. ويعتبر أنه من الضروري تحطيم سلطة رجال الدين وإحياء الاجتهاد الإسلامي وفتح أبواب الإصلاح والتطوير وفق قاعدة احترام التعدد وحرية الاختيار من الفقه الإسلامي، ونبذ التقليد الأعمى والتعصّب والإقصاء والإلغاء والتكفير.
وهو يرى أن رجال الدين، في معظمهم، يشكلون استنساخا فكريا، لا بد من مواجهته بدعم حرية الفكر والإبداع، ونبذ ممارسة الإرهاب الفكري سواء قبل المراجع الدينية أو اللوبي الشعبي وما يسمى بـ "العامة" الذين يتحكمون من خلال الجاه أو المال في كثير من القرارات والفتاوى الشرعية.
وكان الخزنوي يدعو إلى ما يسميه "فك الاشتباك بين العقل والنص" وذلك بالأخذ بالاعتبار ظروف النص الزمانية والمكانية، "كأسباب النزول وأسباب الورود، وإحياء وسائل العلماء المجتهدين في التعامل مع النص من خلال تخصيص العام وتقييد المطلق وتأويل الظاهر والتوقف في النص وغيرها من الوسائل التي تجعل النص نوراً يقتدي به المهتدون وليس غلاً يحول دون ضياء العقل ونوره".
ويطالب بإحياء مقاصد الإسلام الكبرى ومنحها دورا حقيقيا في التشريع، والتي تزيد على 10 عناوين: كالتوحيد والعدل والخير والحب والجمال والعفاف والطهارة والحرية والمساواة والشورى وحسن الخلق.
ويرفض الخزنوي الإسلام السياسي ويرى أن الإسلام يمتلك منظومة أخلاقية من العدل والمساواة والشورى وإصلاح شؤون الناس، ولكن "هذا لا يعني أن نصل إلى حد الادعاء أن لنا في الإسلام نظاماً سياسياً متكاملاً تجسد في سياسة النبي (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه في قيادة مجتمعاتهم كما يحلو لبعض الإسلاميين أن يدعيه". ويضيف أن الإسلام السياسي يناقض نفسه حين يدعو إلى فكرة الحاكمية لله. ويقتبس من الحديث الشريف قول النبي لأحد قادته: "فإن هم أنزلوك على حكم الله فلا ترضى فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا ولكن أنزلهم على حكمك".
|
 |
ليس من حرج في الدعوة للعلمانية ويستنتج الخزنوي أن المسلمين ليس عليهم فقط ألا يتحرجوا من "العيش مع أي نظام علماني ديموقراطي يؤمن بفصل الدين عن الدولة", بل عليهم أن يدعوا هم إليه، لأن "الإسلام دين الله وهو أسمى من أن يكون مطية لطاغية أو شماعة لجرائمه كما حصل خلال التاريخ وإننا اليوم بحاجة ماسة إلى أن نضع الحكام أمام مسؤولياتهم وننأى بالدين عن تصرفاتهم لتتمكن الشعوب من محاسبتهم ومحاكمتهم، فقد ولى عهد الأباطرة الذين كانوا يخدعون شعوبهم بأنهم يحكمون باسم الله".
ويدافع الخزنوي عن الأفكار الليبرالية في "الرأي والرأي الآخر والتعددية وحق الاختلاف وحرية الرأي وحرية الكلمة وحق التعبير وإعذار المخالف"، التي يعتبرها البعض مصطلحات غريبة وغربية. ولكنه يؤكد أن "المنجز الديموقراطي اليوم مؤسس عبر تاريخ الثقافة الإسلامية، بل إن كثيراً من مصطلحاته ورموزه كانت محل استعمال في الأداء العربي اللغوي". ويضيف أن الرؤية الإسلامية للديموقراطية تعرضت للاغتيال على يد الفقهاء والسلاطين، وانتقل "الموقف السياسي من الاجتهاد إلى مزيد من القمع والقهر، ورسمت الأحكام القاسية الرهيبة تحت اسم مكافحة الزندقة، وتضمنت هذه الأحكام السجن والصلب والسحل والقتل".
ويتنبى الخزنوي موقفا متقدما من مسألة تمكين المرأة. وهو يلوم المفكرين وعلماء الدين بالتراجع عن فكر حركة النهضة والتنوير التي تبناها العلماء المتنورون في القرن الماضي. أما هو فيرى في المرأة شقيقة الرجل، بمعنى أنها تتمتع بكل المزايا والصلاحيات، لا فارق بينها وبين الرجال إلا ما جاء نص صحيح ثابت من الكتاب والسنّة قطعي الدلالة بخلاف ذلك (أي بتمييز أحد الجنسين عن الآخر لعلل محددة تتغير فيتغير الحكم بتغيرها)، وذلك فقط في حدود ما أمر به النص الشرعي من غير أقيسة فاسدة، أو خيالات مريضة شاطحة، أو إسقاطات نفسية متشنجة.
فللمرأة، كما يرى ، الحقوق السياسية كافة في ظل الالتزام بقيم الإسلام وآدابه، كالرجل سواءً بسواء، ولها الحق في ممارسة دورها في خدمة المجتمع، ولها حق التعلم وممارسة الزراعة والتجارة والصناعة والسياسة والرئاسة وكل المهن المشروعة التي لا تناقض طبيعتها الفيزيولوجية، ولها الحق في تنمية أموالها بنفسها وبالطريقة التي تشاء من دون وصاية من أحد عليها.
|
 |
الحجاب ليس معيارا للدين والصلاح ويرى الشيخ أن الزي محايد وهو ليس معيارا بكل تأكيد وأن التماس التحرر من خلاله موقف لا يخلو من مغالطة، كما أن التركيز عليه من جانب الإسلاميين وبخاصة قضية حجاب المرأة ليس معياراً للدين والصلاح. ولدحض ذلك يعدد أسماء 824 امرأة من الأعلام في الإسلام اللواتي تتلمذ على أيديهن رجال ونساء. ويتساءل عما اذا كان هؤلاء الرجال يأخذون العلم من أولئك النسوة من وراء الحجاب.
ومن هنا ينطلق الخزنوي ليجزم أن "حال الانحطاط التي طرأت على المرأة بعدئذ وجعلت من خروجها فتنة وصوتها عورة وإقبالها مظهر شيطان" ليست الصورة الإسلامية الصحيحة للمرأة. وبشجاعة استثنائية دافع الشيخ عن حق الحكومة الفرنسية العلمانية في أخذ القرارات التي منعت ارتداء الحجاب في المدارس. وبشجاعة مماثلة أكد في خطبة له أن لا شيء في الإسلام يمنع إمامة المرأة.
ويلخص الشيخ الخزنوي الإنسانية بجملة من المبادئ هي: الكرامة التسامح والفضيلة والعدالة والمعاملة بالمثل والمودة والوفاء بالعهد واحترام العرف الصحيح في نطاق العلاقة بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، يحث المسلمين على تجاوز فكرة الصدام والصراع. ويؤكد حاجة الإنسان الى الإنسان وحاجة الغرب الى الشرق والعكس.
ويدين مطلقاً فكرة الإرهاب "المتمثلة في التعدي على الحياة الإنسانية بصورة باغية متجاوزة أحكام الله، تروع الآمنين وتعتدي على المدنيين المسالمين، وتجهز على الجرحى وتقتل الأسرى. ونشجب هذه الممارسات ونرى أن وسائل مقاومة الظلم وإقرار العدل لا بد من أن تكون مشروعة. فالخطأ لا يعالج بالخطأ، وندعو الأمة للأخذ بأسباب المنعة والقوة لبناء الذات والمحافظة على الحقوق، ونعي أن التطرف تسبب عبر التاريخ في تدمير بنى شامخة في مدنيات وحضارات كبرى".
ويشدد الخزنوي على القيم الفردية المعاصرة التي تحكم العلاقات بين الفرد والمجتمع، حقوقا وواجبات، وتحدد مسؤولية الدولة حيال المجتمع، أفرادا ومؤسسات، ويراها "نتاج صراع وحراك اجتماعي طويل احتل فيه الصراع بين الكنيسة والدولة فصولاً عدة، انتهت بتحرير الشعوب الأوروبية من سطوة الفكر الديني الذي تمثله الكنيسة، وصولاً إلى حرية العقل والمعرفة بلا محرمات فكرية موروثة دينية، الأمر الذي أدى إلى ولادة الدولة الأوروبية العلمانية. لذلك، فإن العلمانية صفة تميز غالبية القوانين الوضعية الأوروبية والغربية على اختلاف أشكال التعبير عنها وتفاوت مستوياتها".
ويرفض الشيخ أن ينظر إلى الثقافة الغربية كمنتج غربي مسيحي صرف مقطوع الجذور عن الثقافات الأخرى، بل يجب النظر إليها بمحتواها الإنساني العميق، وبما هي اليوم ذروة الثقافة الإنسانية المستندة ليس إلى ما سبقها من ثقافات فقط، بل إلى ما يزامنها أيضا. فقد صبّت في نهرها كنتيجة لعملية المثاقفة عصارة ثقافات العالم ومنتج مثقفيها. كما يرفض إضفاء بعد ديني على الصراع مع "المفهوم المتوحش للعولمة" ويعتبر ذلك شديد الخطر "لأنه يفسح في المجال أمام الأيدي الآثمة التي تسعى إلى الصداع والصراع لتفعل فعلها، وتعيد زرع خرافاتها".
|
