بيروت - اف ب
طالب قادة المعارضة اللبنانية بعد اجتماع في بيروت باستقالة رئيس الجمهورية إميل لحود القريب من دمشق الذي حملوه مسؤولية اغتيال الصحافي والناشط اليساري المعارض لسوريا سمير قصير في تفجير سيارته صباح أمس الخميس، مشددين في هذا الإطار على ضرورة اتباع "الوسائل الديموقراطية" للتوصل إلى تلك الاستقالة, ودعوا إلى إضراب اليوم الجمعة 3-6-2005م حدادا على القتيل.
وجاء الاعتداء الذي أودى بحياة سمير قصير (45 عاما) المعروف بمواقفه الداعية إلى الديموقراطية والمعارضة لسوريا بعد 109 أيام من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وبعد خمسة أيام من بدء الانتخابات التشريعية في لبنان.
وقد أثارت عملية الاغتيال الجديدة هذا موجة من الاستنكار داخل لبنان وعلى الصعيد العربي والدولي.
وقد قتل الصحافي اللبناني الذي كان يحمل الجنسية الفرنسية أيضا فور انفجار سيارته التي كانت متوقفة أمام منزله في حي الاشرفية المسيحي في بيروت.
ودعا أقطاب المعارضة اللبنانية إلى استقالة الرئيس لحود معتبرين انه "القائد الفعلي للنظام الأمني السوري اللبناني المتهاوي"، وقالت المعارضة في بيان تلاه أمين سر حركة اليسار الديموقراطي الياس عطالله بعد الاجتماع الذي استغرق ساعتين أن "الرد العملي على الجريمة يكون بطلب استقالة رئيس الجمهورية بصفته القائد الفعلي للنظام الأمني السوري اللبناني المتهاوي".
وأضاف البيان أن "يد الإرهاب بحماية من رئيس الجمهورية وأجهزة المخابرات وبقايا النظام البوليسي المتساقط تضرب من جديد", معتبرا أن "تبعثر المعارضة اتاح للنظام الأمني استعادة أنفاسه والانقضاض على المعارضة ورموزها".
وبعد أن أشار إلى اغتيال رفيق الحريري الذي قتل معه النائب باسل فليحان في شباط/فبراير الماضي ومحاولة اغتيال النائب مروان حمادة في أيلول/سبتمبر الماضي, قال البيان إن قتل قصير "مثال الصحافي الملتزم والمدافع عن الديموقراطية" يشير إلى عودة هذا المخطط".
وشددت المعارضة على ضرورة اتباع "الوسائل الديموقراطية" للتوصل إلى استقالة الرئيس لحود, داعية إلى إضراب اليوم الجمعة حدادا على سمير قصير.
وكان عطاالله قال إن قصير "قتل لأنه عارض الأنظمة الفاشية والتوتاليتارية وفي مقدمها نظام البعث في سوريا وأجهزته في لبنان"، وأكد إن الجناة "هم أنفسهم الضباط اللبنانيون والسوريون الذين اغتالوا الحريري وحاولوا في أول تشرين الأول/أكتوبر اغتيال النائب مروان حمادة"، وقال أيضا إن "المسؤول هو الرئيس اللبناني ( إميل لحود) وجميل السيد (أمين عام جهاز الأمن العام سابقا الذي استقال أخيرا من منصبه).
إلا أن مصدرا في وزارة الأعلام السورية استنكر "مسارعة بعض الشخصيات اللبنانية الى اتهام سوريا" باغتيال قصير مؤكدا ان دمشق "لا تتدخل في شؤون لبنان".
وقال المسؤول السوري إن "هذه الاتهامات متوقعة نظرا لدور مروجيها في حملات الإساءة إلى سوريا وإسهامهم في الضغوط السياسية والإعلامية عليها لإرضاء أعداء سوريا ولبنان والعرب عموما".
وأكد "انسحاب سوريا الكامل من لبنان (26 نيسان/ابريل) بعد انتهاء مهمتها الانقاذية في هذا البلد وعدم تدخلها في شؤونه الداخلية", معبرا عن أمله في "ألا يتدخل الآخرون في هذه الشؤون ويدعوا شعب لبنان يختار مساره السياسي والوفاقي".
وقد تظاهر حوالى ثلاثة آلاف شخص بصمت في ساحة الشهداء في وسط بيروت احتجاجا على اغتيال سمير قصير, وهم يحملون شموعا ويرفعون أعلاما لبنانية بينما شوهد عدد كبير منهم يذرفون الدموع.
وحمل شابان صورتين لقصير الذي كان احد الناشطين الأساسيين في "انتفاضة الاستقلال" بعد اغتيال في 14 شباط/فبراير بينما رفع آخران لافتة كتب عليها "شهيد الحرية".
وتوجه المتظاهرون سيرا على الأقدام إلى الاشرفية حيث قتل سمير قصير في تفجير عبوة تزن بين 500 إلى 700 غراما موضوعة تحت مقعد سيارته المتوقفة أمام منزله وتم تفجيرها عن بعد, حسبما رجح خبراء.
وأعلن صديق سمير قصير والمشارك معه في تأسيس اليسار الديموقراطي الصحافي الياس خوري أمام الحشود أن زميله "كان احد محركي انتفاضة الاستقلال التي توجت بالتظاهرة الضخمة في 14 آذار/مارس" وقتل "لدفاعه عن قضية الديموقراطية في لبنان وسوريا والعالم العربي".
وقد جرى التجمع بدعوة من الياس خوري الذي دعا أيضا إلى تجمع مماثل مساء اليوم الجمعة.
من جهتها, طالبت الزميلة جيزال خوري المذيعة بقناة "العربية" بتحقيق "دولي" بمشاركة فرنسية حول اغتيال زوجها الصحفي سمير قصير، وقالت في اتصال مع القناة إن قصير "إضافة إلى كونه لبنانيا فهو مواطن فرنسي", مشيرة إلى "أن على السلطات الفرنسية المشاركة في التحقيق باغتياله".
وقد شارك في لقاء المعارضة النائب السني سعد الحريري, نجل رفيق الحريري والزعيم الدرزي وليد جنبلاط وابرز أقطاب المعارضة المسيحية وممثل عن التيار الوطني الحر برئاسة العماد ميشال عون.
إلا أن ممثل عون, جبران باسيل, انسحب قبل انتهاء الاجتماع وانتقد أمام الصحافيين ما اسماه "استغلال هذه الجريمة البشعة سياسيا" مشيرا إلى أن وزيري الداخلية حسن السبع والعدل خالد قباني ينتميان إلى تيار الحريري.
|
وتعليقا على تصريحات بعض أقطاب المعارضة الذين دعوا إلى زحف شعبي إلى القصر الرئاسي في بعبدا للإطاحة بالرئيس إميل لحود, قال سعد الحريري للصحافيين: "إذا اقتضى الأمر, سنقوم بذلك".
وتساءل الحريري "إذا كان النظام العسكري الأمين حاول اغتيال مروان حمادة (النائب المعارض) واغتال رفيق الحريري وسمير قصير فمن ستكون الضحية المقبلة؟". ووصف اغتيال قصير بأنه "جريمة إرهابية" مشيرا إلى أن هذه الجريمة حصلت "في وقت بدأت لجنة التحقيق الدولية (في اغتيال رفيق الحريري) عملها في بيروت".
وأضاف سعد الحريري أن هذا الاغتيال " يظهر أن النظام المخابراتي المجرم الذي طالما ناضل الشهيد سمير قصير بقلمه لتحرير لبنان منه, ما زال يتحدى إرادة اللبنانيين والمجتمع الدولي وكل القوانين والأعراف السماوية والأخلاق الإنسانية".
ويعد سمير قصير من أبرز الصحفيين في جريدة "النهار" اللبنانية. وقد كتب خلال السنوات الماضية عددا كبيرا من المقالات عارض من خلالها الوجود السوري، كما كان مشاركا في تأسيس حركة اليسار الديموقراطي.
|
ومن جانبه اعتبر الجنرال ميشال عون أحد أبرز أقطاب المعارضة اللبنانية أن قصير "جريء لم يتوان لحظة عن قول الحقيقة" وقد "تميز بالكلمة الجريئة ومحاربة الطغيان والظلم" و"كتب أجمل المقالات دفاعا عن لبنان".ووصفه بأنه "صديق" مؤكدا أن"الجريمة انتقامية من الأجهزة التي كان يحاربها" سمير قصير.
وقال النائب الدرزي المنتخب مروان حمادة أن"المسلسل الإرهابي مستمر يبدأ في قلب الشام ويمر في بعبدا ويصب في بيروت". وأضاف "ندعو المعارضة لاجتماع طارئ والمطالبة باستقالة لحود الذي يرئس بقايا النظام المخابراتي السوري ونطالب الحكومة بالتصدي لهذا الإجرام".
من جهتها أكدت صولانج الجميل النائبة المنتخبة عن بيروت أرملة الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل "يجب ألا يقول لنا أحد أن جهاز الأمن السوري اللبناني انتهى فهو ما زال موجودا ويجول في البلد".
|
وقد أدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ليل أمس اغتيال قصير الذي رأت فيه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس محاولة لترهيب الناخبين اللبنانيين.
وعبر كل من الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا ورايس في مؤتمر صحافي مشترك بعد اجتماعهما في واشنطن, عن استنكارهما قتل قصير، وقالت رايس "غنه عمل شنيع". وأضافت أن القتلى ليسوا معروفين لكنها أشارت إلى أن عملية الاغتيال تمت خلال الانتخابات التشريعية التي تلت انسحاب القوات السورية.
وتابعت رايس "هناك احد ما على ما يبدو يحاول ترهيب الشعب اللبناني خلال هذه الانتخابات واعتقد أن هذا لن يحدث لان الشعب اللبناني يريد بناء ديموقراطية جديدة".
أما سولانا, فقد قال إن اغتيال سمير قصير نوقش خلال المحادثات. وأضاف "أود باسمي وباسم كل شخص موجود هنا إدانة" قتل قصير.
وكان مسؤولون أمريكيون حملوا بشكل غير مباشر سوريا مسؤولية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. لكن رايس وسولانا امتنعا عن توجيه أي اتهام لدمشق في اغتيال سمير قصير.
وقالت رايس "لا نعرف من المسؤول عن ذلك لكنني آمل فعلا في أن يواصل (رئيس الوزراء اللبناني نجيب) ميقاتي الالتزام بتعهده بالتحقيق الكامل لكشف ملابسات الجيمة"، وأضافت انه "على الأسرة الدولية أن تتابع المسألة باهتمام". وأكدت أن "الشعب اللبناني يمر بفترة صعبة انه يمر بفترة مهمة وعلينا أن نستنكر محاولات من هذا النوع لترهيبه".
وكانت فرنسا قد سبقت إلى توجيه إدانة شديدة لعملية اغتيال قصير الذي وصفته بأنه "أحد رموز حرية الاستقلال في الصحافة اللبنانية", معبرة عن "ثقتها" في إرادة السلطات اللبنانية في كشف هذا الاعتداء.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية جان باتيست ماتاي "نشيد بشخصية سمير قصير أحد رموز حرية التعبير والاستقلال في الصحافة اللبنانية".
ومن جانبه أدان رئيس عن منظمة "مراسلون بلا حدود" روبير مينار "فظاعة" اغتيال الصحافي اللبناني الفرنسي وطلب من فرنسا تحمل مسؤولياتها. وقال مينار الموجود في بيروت لوكالة الأنباء الفرنسية إن قصير "صحافي كبير من عشاق الحرية وكان مناهضا لسوريا، إنه أمر فظيع".
وفي سوريا ، ندد اتحاد الصحافيين باغتيال الصحافي والكاتب اللبناني سمير قصير مطالبا "بالإسراع في كشف الجناة وتقديمهم للعدالة". وقال اتحاد الصحافيين في بيان نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) إنه "يدين حادث اغتيال الصحافي اللبناني الزميل سمير قصير بتفجير سيارته في بيروت اليوم".
ودعا الاتحاد إلى "الإسراع في كشف الجناة وتقديمهم للعدالة" مؤكدا انه "يتضامن مع نقابتي الصحافة والمحررين في لبنان".
|
ولم يجف حبر قلم سمير قصير، الصحافي اللبناني البارز في صحيفة النهار اللبنانية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف، عن انتقاد الوضع القائم في لبنان والوجود المخابراتي السوري على الأراضي اللبنانية.
وبحسب مجلة الشراع اللبنانية في العدد الصادر 9-5- 2005 فقد كانت مقالاته في الصفحة الأولى في جريدة النهار صباح كل جمعة فضلاً عن محاضراته وندواته ومداخلاته عبر وسائل الإعلام الفضائية "تغضب جميل السيد ( الرئيس السابق لجهاز الأمن العام اللبناني ) كثيراً وتجعله يتطير شراً من هذا الصحافي الذي يتحدى نظامه، فكان كثير التهديد له بالإلغاء والشطب". وتضيف المجلة اللبنانية أن "جميل السيد قرر إحالة حياته وزوجه الصحافية الزميلة جيزال خوري إلى جحيم".
وفي تفاصيل المضايقة اليومية التي كانت تلاحق قصير، كشفت مجلة الشراع أن "سيارة للأمن العام بعناصرها فرزهم جميل السيد لملاحقة سمير وجيزال، مما دفع سمير للاتصال بصديقه الزعيم وليد جنبلاط ناقلاً حالته وتهديد السيد له فوضع جنبلاط مرافقاً مع سيارته تحت تصرف سمير، ولم يرتدع السيد وظل ملاحقاً للرجل وزوجه حتى أن سيارة الأمن العام لاحقت الاثنين إلى عشاء برفقة الرئيس رفيق الحريري في مطعم (بلنيس) في آخر الوسط التجاري لبيروت".
وتضيف المجلة اللبنانية أن جميل السيد افتعل مشكلة مع جواز سفر سمير العائد من إحدى سفراته" فينـزع منه الجواز بحجة تجديده ولا يعاد له لأن سمير حسب رواية الأمن العام فلسطيني المولد، رغم أن جوازه لبناني منذ أكثر من عشر سنوات، إلى أن تم تسليمه الجواز بعد عدة أسابيع".
ومن بين أبرز المقالات الساخنة التي نشرها سمير قصير: " بعدما انسحبت سوريا"، الحريري إنْ عارض"، " في سبيل سوريا... بعد 8 آذار "، “ ربيع دمشق، الجزء الثاني"، "اســـتـقـلال لـبــنـان وديمـوقــراطـيـة ســوريـا". وقد جمع سمير قصير أبرز مقالاته في كتاب "عسكر على مين.. لبنان الجمهورية المفقودة ".
وعمل سمير قصير أيضا باحثا في "المركز الفرنسي للدراسات والأبحاث في الشرق الأوسط" حيث نشر أطروحة دكتوراه حول الحرب البنانية.
ويملك قصير دار نشر تحمل اسم "دار الليالي" وله مؤلفات عدة بينها كتاب مرجعي نشره دار "فايار" الفرنسي عام 2003 بعنوان "تاريخ بيروت" كما قدم هذا الكتاب أيضا في السنة نفسها في معرض الكتاب والفركوفونية. وأما إصداره الأخير فهو كتاب بالفرنسية نشره عام 2004 بعنوان "تطلعات إلى المأساة العربية".
|
