دبي- حيان نيوف
انطلقت أعمال المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم في سوريا اليوم الاثنين 6-6-2005 وسط تراكم الملفات الإقليمية والداخلية الساخنة على الطاولة السورية خاصة وأن المؤتمر المنعقد هو الأول بعد سقوط جناح حزب البعث في العراق.
وإذ لم تبرز أية مفاجآت حاسمة كما تنبأ مراقبون سوريون عندما وصلت حالهم إلى درجة الحديث عن "انقلاب أبيض"، فإن كلمة الرئيس بشار الأسد ركزت بشكل رئيسي على "المزيد من الانفتاح على القوى الوطنية" و"مكافحة الفساد" كما اعتبر الوضع الاقتصادي وتطوير الأداء فيه "يمثل الأولوية" دون التطرق للموضوعات التي أثارتها مواقع الكترونية سورية تبث من دمشق مثل "قوانين جديد للإعلام والأحزاب".
وبعد "سخونة" الأنباء الواردة قبل المؤتمر عن التغيير القادم، نفت الناطق الرسمي باسم المؤتمر القطري العاشر بثينة شعبان أن يكون نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام قد طلب إعفاءه من مهامه كما نقلت بعض التسريبات قبل المؤتمر، وأضافت بأنه كان هناك قبل المؤتمر " تسريبات كثيرة ومغرضة ".
|
بعد تحالف سياسي مع إحدى التجمعات الماركسية عام 1934، أسس ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار حزب البعث عام 1947 لينضم إليهم عام 1953 أكرم الحوراني زعيم "الحزب العربي الاشتراكي" ويتشكل "حزب البعث العربي الاشتراكي" كحزب قومي علماني.
وبينما رأى مراقبون سياسيون في منطقة الشرق الأوسط أن العالم العربي شهد في القرن العشرين نشوء أحزاب سياسية "شعاراتية" فإن حزب البعث كان في مقدمة هذه الأحزاب بشكل عملي كونه أطلق شعارات تخاطب "الفلاحين والعمال"، علما أن الكثير من المصانع والمعامل الحكومية في سوريا أحيلت للتقاعد وعبر مراسيم رئاسية بعد أن كبدت ميزانية الدولية خسائر بمليارات الليرات.
|
شهد حزب البعث فترة ثبات إبان الوحدة السورية- المصرية ولكنه عاود النشاط عقب الانفصال عام 1961، وفي مارس/آذار 1963 قام بانقلاب عسكري يعرف بـ "ثورة آذار". وبعد إمساك "البعث" بزمام الحكم، ورغم التحالف بين المدنيين والعسكريين، خرج من تحت عباءته الفكرية والتنظيمية "يسار الحزب (القطريون) ويمينه ( القوميون)"، حيث تولى المؤسس ميشيل عفلق السلطة وكلّف رفيقه البيطار بتشكيل حكومة بعيدا عن العسكر وهذا الوضع لم يستمر طويلا عندما جاءت حركة شباط 1966 لتطيح بالرفيقين وتقر المادة الشهيرة "الحزب قائد للدولة والمجتمع". واستمر الصراع بين قادة الحزب العسكر والمدنيين إلى أن قام الرئيس الراحل حافظ الأسد بما يعرف بـ "الحركة التصحيحية" عام 1970.
|
وتجدر الإشارة هنا، وعلى عكس البيانات الصادرة عن أقطاب معارضة التي تصف حزب البعث "بالإرهابي"، فإن كبار مؤسسي حزب البعث والكثير من أعضائه ساهموا في حركات التحرر العربية كالمحامي السوري منير العبد الله ورفاقه الذين قاتلوا في صفوف الثورة الجزائرية. كما أنه على صعيد التطور الفكري، وفي الوقت التي تدعو فيه أحزاب سياسية معارضة "لحل حلف الأطلسي والأحلاف العالمية"، فإن حزب البعث يراجع الآن مقرراته النظرية "المفرطة بالثورية والأفكار الخيالية". وهذا ما عبّر عنه اليوم قيادي بعثي بارز لـ "العربية.نت"، وقد رفض الإشارة إلى اسمه، عبر القول: " بصراحة نحن رجعنا من الحج فيما بعض الجهات التي تطالبنا بالإصلاح ذاهبة الآن للحج".
ويقود حزب البعث العربي الاشتراكي قيادتان "قطرية" و"قومية"، فأما القيادة القطرية فيقودها الرئيس بشار الأسد "كأمين قطري" اعتبارا من المؤتمر القطري التاسع سنة 2000، وقد عقد حزب البعث 10 مؤتمرات قطرية منذ عام 1963 أخرها المؤتمر الذي انطلق هذا اليوم.
يذكر أن المؤتمر القطري للحزب يتكون من أعضاء القيادة القومية الأصلاء والاحتياط الحاليين من مواطني القطر ومن أعضاء القيادة القطرية الحالية الأصلاء والاحتياط، ومن أعضاء اللجنة المركزية، وأعضاء لجنة الرقابة والتفتيش وقيادات الفروع الحالية المنتخبة من مؤتمراتها.
ومن أبرز وجوه القيادة القطرية حاليا: عبدالله الأحمر، زهير مشارقة، عبد الحليم خدام، رئيس مجلس الشعب سابقا عبد القادر قدورة، ووزير الدفاع السابق مصطفى طلاس. علما أن منصب الأمين العام للحزب مازال شاغرا منذ وفاة الرئيس حافظ الأسد وكانت أثيرت تكهنات مؤخرا بأن يتم اختيار الرئيس بشار الأسد أمينا عاما للحزب.
وتتمتع القيادة القطرية بصلاحيات واسعة في سوريا يمكن معرفتها من خلال القرارات التي تصدرها بين فترة وأخرى، وكانت قد أصدرت مؤخرا تعميماً لجميع فروع الأمن والمخابرات حددت فيه نحو 67 حالة لا تستدعي الحصول المسبق على موافقة الأمن.
وأما القيادة القومية للحزب فقد عقدت أخر مؤتمر لها عام 1980 وهو المؤتمر القومي الثالث عشر فيما كان المؤتمر القومي الأول عام 1947. ويمثل المؤتمر القومي تنظيمات الحزب القومية في البلدان العربية ويتكون من أعضاء القيادة القومية الأصلاء والاحتياط، وأعضاء القيادات القطرية وممثلو الأقطار المتممون المنتخبون من بين أعضاء المؤتمرات القطرية.
|
وصدرت آراء عديدة مؤخرا تدعو لحل القيادة القومية لحزب البعث، وأفادت صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية أن "مرسوماً رئاسياً صدر أمس يقضي بإعفاء اللواء محمد إبراهيم العلي قائد الجيش الشعبي ( برتبة وزير) في سوريا من مهماته على خلفية إدلائه في وقت سابق بتصريح تلفزيوني طالب فيه بحل القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي".
ومن جانبه كتب الباحث السوري محمد جمال باروت عن القيادة القومية معتبرا أنها "آلت فعلياً إلى مؤسسةٍ متعيشة مما يسمى بالتنظيم القومي أكثر مما تعيش فعلياً للعمل القومي بمعناه التاريخي، والذي يعاني من مشكلات مصيرية بعد احتلال العراق".
ويتابع باروت في مقاله بصحيفة الرياض السعودية، أن هذا التعيش يشمل "المزايا التي تحصل عليها من الميزانية العامة السورية، وعلى ريوع من مخصصات البعثات الدراسية. ومنذ العام 1980 انتهت سلطاتها في مجال اتحاد الكتاب العرب وجريدة البعث ومعهد العلوم السياسية الذي ألحق بعد إعادة هيكلته بالجامعة، كما نزع منها مركز المعلومات القومي والأحق برئاسة مجلس الوزراء، بعد أن تحول إلى غطاة للجباية والحصول على الريع، وفشلت كل الصيغ التي بنتها مع المغتربين، حيث تحولت هذه الصيغ إلى قنوات انتفاعية صرفة".
وانتهى باروت إلى أن "القيادة المتربعة على عرش العمل القومي المزعوم منذ العام 1980 وليس لها من صفات القيادة سوى صفات الموظفين الذين تراجعت وظائفهم نفسها، وباتت عبئاً وليس ضرورةً بأية درجة من الدرجات، فمتى ندفن أمواتنا؟".
|
وفي مختلف الأحول سيصعب على المراقبين مقارنة "البعثي" السوري "بالبعثي" العراقي، "فالبعثي" السوري اليوم ينتقد الفساد وينشد التغيير ويسير أحيانا في ركب المعارضة كما يتبين من "كلنا شركاء" وهي نشرة بعثية يصدرها المهندس البعثي أيمن عبد النور، بينما كان أقل ما يناله البعثي العراقي بطاقة دخول إلى مقبرة جماعية عندما يتحدث عن الفساد. ويشير مراقبون سوريون، فضلا عن العديد من الصحف الغربية البارزة، إلى أن عبد النور وغيره من البعثيين الشبان يكافحون من أجل التغيير داخل الحزب وضخ دماء شابة في قيادة الحزب.
واليوم، وسط انعقاد مؤتمر البعثيين، يتمسك البعثيون من الجيل الجديد بأنهم "التيار الإصلاحي" الذي يقوده الرئيس السوري؛ فهل تتحقق طموحات هؤلاء في التغيير نحو سوريا أكثر انفتاحا وشفافية ورخاء معيشيا للمواطنين؟ هذا ما سوف تجيب عنه حقبة ما بعد المؤتمر القطري.
|
