دبي- حيان نيوف
بعد أن حكم سوريا 37 يوما وكان الرجل الثاني في حزب البعث بعد الرئيس الراحل حافظ الأسد فجّر نائب الرئيس عبد الحليم خدام مفاجأة المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث بإعلانه تقديم استقالته من مناصبه في الحزب والسلطة.
ولم يشأ خدام، الذي بدا في إحدى صوره بالمؤتمر مبتسما إلى جانب الرئيس بشار الأسد، أن يخرج بهدوء من جلسات مؤتمر البعثيين قبل أن ينتقد بصراحة "حديثة العهد" السياسة الخارجية لبلاده، وبشكل خاص الملف اللبناني ،لطالما كان الخبير السوري الأول في لبنان إبان وجوده على رأس الدبلوماسية السورية عندما أطلق عبارته الشهيرة "إما أن يتحد لبنان أو يعود لسوريا". وتبقى استقالة عبد الحليم خدام مفتوحة لاحتمالات عديدة باعتبار أن اعفاءه من منصبه كنائب للرئيس بتطلب صدور مرسوم من رئيس الجمهورية.
|
 |
الأسد والتغيير الهادئ وحول استقالة عبد الحليم خدام اعتبر الصحفي السوري جنبلات شكاي في تصريح لـ"العربية.نت" هذه الاستقالة "بلا معنى وذلك كون القيادة القطرية منحلة أساسا مع بداية المؤتمر وكل الأعضاء سواسية في ذلك"، وتابع شكاي لافتا إلى أن خدام "طلب إعفاءه من مناصبه لأنه لا يريد ترشيح نفسه مجددا للقيادة الجديدة".
وأشار شكاي إلى أن مؤتمر الحزب "ليس الجهة التي تقدم الإستقالة لها وإنما رئيس الجمهورية بشار الأسد وقد تم تسريب أنباء منذ فترة مفادها أن خدام قدم استقالة شفهية للأسد".
ورأى الصحفي جنبلات شكاي أن خدام قام بهذه الخطوة الآن "حفاظا على ماء الوجه مع الآخرين حتى يقال أنهم استقالوا ولم يعفوا من المنصب وقد تردد أنه شجع زملاءه على السير على خطاه ولكن حتى الآن لم يقم أي عضو بخطوة مماثلة".
ولفت الصحفي شكاي إلى أن الأسد يقوم بتغيير هادئ ومن داخل الحزب مشيرا إلى توصية في نهاية التقرير السياسي المقدم للمؤتمر تقول بأنه يجب ألا توكل مهام قيادية لأي عضو في الحزب إلا لدورتين ( 10 سنوات ) وكل من تكلف بمهام قيادية لدورتين يجب ألا يكلف بها في الدورة الثالثة.
وأما المحلل السياسي السوري الدكتور جورج جبور ( بعثي ) فقال إن منصب نائب الرئيس استحدث أصلا من أجل عبد الحليم خدام حيث لم يوجد عام 1984 أي نائب للرئيس وعندها تأسس هذا المنصب لخدام ومنصب آخر لرفعت الأسد وزهير مشارقة، لافتا في حديثه لـ"العربية.نت" إلى أن منصب نائب الرئيس استحدث لأول مرة مع الرئيس حافظ الأسد حيث كان محمود الأيوبي نائبا له وقد ترك الأيوبي منصبه فيما بعد وشكل حكومة. ووصف جبور عبد الحليم خدام "بالرجل القوي" منذ نشاطه البارز في البعث عام 1969 عندما تحالف مع حافظ الأسد واستمر في تحالف قوي معه.
ورغم إعلان خدام استقالته فإن مصادر سورية عديدة فضلت عدم الخوض في هذا الموضوع قبل صدور بيان رسمي حول الأمر وقبل انتهاء أعمال المؤتمر القطري يوم الخميس القادم. وألمحت وزيرة شؤون المغتربين بثينة شعبان، الناطقة باسم المؤتمر، اليوم الثلاثاء 7-6-2005 إلى أن الأمر لم يحسم بعد، مؤكدة أن استقالة خدام ستتوضح في نهاية المؤتمر - الخميس المقبل - حيث تجري انتخابات لقيادة قطرية جديدة وعندها "نعرف ماذا سيحدث لكل الأعضاء والآن بطبيعة الحال القيادة القطرية حلت نفسها".
|
 |
خدام في العراق ولبنان وعلى مدار حياته السياسية لعب عبد الحليم خدام دورا سياسيا بارزا عندما كان يمسك بالملف اللبناني وبعد سقوط نظام صدام حسين وبروز علاقته المتينة مع زعماء عشائر عراقية فضلا عن الدور الأبرز على صعيد الحياة السياسية داخل سوريا.
أمسك خدام بالملف اللبناني خلال فترة تربعه على رأس الدبلوماسية السورية بين 1970- 1984 وأسس علاقات قوية مع شخصيات لبنانية بارزة منها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وقد جمعها لقاء مشترك قبل 10 أيام على اغتيال الحريري وذلك عندما كان خدام يجري فحوصات طبية في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت وقد وتناول طعام الغداء في دارته – كما كشف عن ذلك عبد الحليم خدام.
وبعد اندلاع الحرب اللبنانية كون الرئيس حافظالأسد فريقا لمتابعة الوضع في لبنان كان في عضويته عبد الحليم خدام والذي لعب دوراً في التوصل إلى اتفاق الطائف عام 1989.
وعندما تعرض الرئيس الأسد لعارض صحي ودخل مستشفى الشامي عام 1983 شكل لجنة سداسية لإدارة الشؤون الداخلية والخارجية كان فيها خدام وعبد الله الأحمر وزهير مشارقة وآخرين.
وأما على صعيد الحياة السياسية الداخلية فكانت أبرز القرارات التي اتخذها خدام هي تلك التي جاءت بعد رحيل حافظ الأسد عندما عين خدام رئيساً لسورية لمدة 37 يوماً باعتباره النائب الأول للرئيس الراحل إلى أن تولى الرئيس بشار الأسد سدة الحكم حيث بقي خدام نائباً له.
وأصدر خدام القانون رقم /9/ تاريخ 11/6/2000 القاضي بتعديل المادة 83 من الدستور التي تحدد عمر المرشح لرئاسة الجمهورية بإتمامه الرابعة والثلاثين من عمره. وبقي عبد الحليم خدام متمسكا بقيادة حزب البعث "للدولة والمجتمع" حيث أكد مؤخرا في حديثه لمجلة "أبيض و أسود" السورية أن المادة الثامنة من الدستور السوري والتي تنص على أن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع "ستبقى قبل المؤتمر القُطري العاشر وبعده" موضحا أن "من يطمح لتغييرها عليه أن يحقق أكثرية برلمانية ويعدل الدستور".
وعقب سقوط النظام البعثي في العراق برز دور آخر لنائب الرئيس عبد الحليم خدام على الساحة العراقية وذلك من خلال صلاته وعلاقاته القوية بشيوخ عشائر عراقية، وبدا ذلك بوضوح تام عندما كانت وفود العشائر تزور سوريا وتلتقي خدام قبل أن تلتقي مع أية جهات حكومية أخرى.
يذكر أن خدام انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي بعد وصول الحزب إلى السلطة في مارس/آذار 1963. عين محافظاً لحماة ثم القنيطرة ثم محافظاً لدمشق عام 1967، ووزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية 1969. وبعد "الحركة التصحيحية" التي قام بها حافظ الأسد عام 1970، عين خدام وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس الوزراء ثم نائباً لرئيس الجمهورية عام 1984.
لكن، ورغم شح الأنباء والآراء الواردة من دمشق حول استقالة خدام ، تزدحم الأسئلة لتتراكم في النهاية بسؤال واحد : ماذا يحث الآن في سوريا ؟ ورغم أن جميع الإجابات يكتنفها شئ من الغموض فإن ثمة فكرة يدور حولها الكثير من المراقبين السوريين وهي أن الرئيس السوري الشاب، والذي يقود التيار الإصلاحي، يسعى للتغيير في بلاده سياسيا واقتصاديا وإنما بطريقة هادئة ومن داخل الحزب الحاكم نفسه.
|
