غزة - ناهض منصور
تثير الأنفاق في مدينة رفح الفلسطينية على الحدود مع مصر، قلقا إسرائيليا متزايدا بسبب فشلها طوال السنوات الماضية في الوصول إلى طريقة ناجحة في التعامل معها، والخسائر البشرية التي لحقت بهم من جرائها.
ويميل القادة العسكريون الإسرائيليون لترك المنطقة تماما بعد تنفيذ خطة الانسحاب من غزة، حسب مصادر إسرائيلية، بعد تقرير تم رفعه للحكومة بأن بقاء جنود إسرائيليين مكلف بشريا وماديا، وأنه من المهم ترك هذا الأمر لكل من مصر والسلطة الفلسطينية، كأجندة رئيسية ليتم التعامل معها بمعرفتهما.
وسجلت السنوات الماضية فشلا ذريعا للجيش الإسرائيلي في وقف حرب الأنفاق، وفي حال أصر المهربون على أنها وسيلة معيشتهم التي يجب أن يقاوموا من أجلها، فستصبح المواجهة صعبة أيضا بالنسبة للمصريين والفلسطينيين.
وقد استطاع مراسل "العربية.نت" الوصول إلى منطقة الأنفاق التي تسمى بمنطقة الخطر، والتقى بأحد المهربين الذي وصف نفسه وزملاءه بأنهم "تجار" ويستفيدون من هذه الأنفاق، وكانت إجاباته عن المستقبل بعد الانسحاب الاسرائيلي "لا نعلم ماذا سنفعل، لكننا سنجد وسيلة أخرى، وسننتظر ماذا سيسفر عنه الانسحاب، ولو جاء المصريون لتسلم الحدود أو حتى الأمريكيين، فان الأنفاق هي مصدر عيشنا".
وبسؤاله عن طبيعة العمل الذي يقوم به، قال: "نحن تجار بالدرجة الأولي، لا نهرب المخدرات أو حتى بضائع أخرى، فقط نعمل على ما يحتاجه بعض رجال المقاومة من أسلحة خفيفة، ولا توجد أسلحة ثقيلة يتم تهريبها كما تروج له إسرائيل".
وحينما حاولت "العربية.نت" الاستفسار منه عن طبيعة النشاط الذي يمارسه من خلال الأنفاق مع جهات أخرى، رفض الحديث وقال: لا أستطيع أن أتحدث كثيرا حول هذا الموضوع لأنه خطر جدا يمكن أن يؤدي إلى المزيد من المشاكل، لذا أنصحك بمغادرة هذا المكان الحدودي لأنه خطر".
دليلنا الذي قادنا في مدينة رفح على الحدود الفلسطينية المصرية إلى أحد مهربي الأنفاق قال: يوجد هنا الكثير منها وهي ممتدة على طوال الشريط الحدودي، وأحيانا تجد أكثر من نفق في منطقة واحدة، وكثيرا ما تجد الجيش الإسرائيلي على الشريط الحدودي يقوم بتفجير قنابل في الأرض وذلك لتدمر الأنفاق.
|
وتبرز أسئلة أخرى بخصوص موقف المقاومة الفلسطينية من الأنفاق، هل هي معنية بتدمير الأنفاق ومحاربتها أم تريد أن تبقي من أجل مواصلة المقاومة في ظل الانسحاب الذي بات قريبا للجيش الإسرائيلي، هذا السؤال وجهته "العربية.نت" للناطق الإعلامي باسم صقور فتح في قطاع غزة "أبوصقر" فقال "الأنفاق سلاح ذوحدين، فإذا تم استعمالها ضد تهريب المخدرات فنحن نحاربها بقوة ونعمل على إجهاض من يحفرها ونتخذ بحقهم إجراءات رادعة لأن ذلك كفيل بتدمير الشباب الفلسطيني، أما بشأن الاستفادة منها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي فلا مانع من ذلك، لأنها تخدم المصلحة الوطنية، والأنفاق كان لها فعلا دورا فعالا في مقاومة الاحتلال، فالعديد من رجال المقاومة استخدموها لتفجر أبراج الجنود الإسرائيليين في رفح وخان يونس وجباليا.
وعن مرحلة ما بعد استلام السلطة الفلسطينية لتلك الحدود قال أبوصقر: "نحن مع السلطة في أن تحافظ على الأمن والسلام للفلسطينيين، وسنقف بجانبها ونقدم لها الخدمات التي يمكن أن تفيدها إذا كان ذلك في مصلحتنا".
|
وأسفر تعاون استخباراتي فلسطيني - إسرائيلي خلال الشهر الماضي عن اكتشاف نفق حفرته إحدى فصائل المقاوم الفلسطينية، ووصل حتى أسفل قاعدة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، في جنوب قطاع غزة، بحسب ما أعلنته مصادر عبرية.
ونقلت الإذاعة العبرية عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها إنه تم اكتشاف نفق بالتعاون مع القوات الفلسطينية، حفر خلال بضعة أشهر، في مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، حتى مداخل قاعدة تابعة لجيش الاحتلال في المجمع الاستيطاني "غوش قطيف". مشيرة إلى أن طول النفق يبلغ 50 متراً، وعمقه 10 أمتار.
وذكرت المصادر أن اكتشاف هذا النفق وسده جاء بناءً على تعاون بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتحديداً بين أجهزة الأمن الإسرائيلية وجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، الذي قام بسد هذا النفق. يشار إلى أن قوات الأمن الفلسطينية كانت قد اكتشفت عدة أنفاق في مدينة رفح، وقامت بسدها مؤخراً. ونقلت الإذاعة أيضاً عن مصادر فلسطينية قولها إن حركة الجهاد الإسلامي، هي التي قامت بحفر هذا النفق، بهدف استخدامه لتنفيذ عملية ضد أهداف إسرائيلية.
|
واتخذت القوات الإسرائيلية إجراءات وترتيبات أمن مشددة على طول محور فيلادلفيا، وتقول مصادر إسرائيلية إنه لن يكون هناك أي تواجد لهم في هذا المحور بعد تنفيذ خطة فك الارتباط، فالجيش أكد أنه لن تكون هناك ضرورة للبقاء في محور فيلادلفيا، الذي يكلف نفقات مالية باهظة، وقد يشكل خطرا على أفراده.
ونقلت تلك المصادر عن مسؤول عسكري إسرائيلي كبير قوله إن الحل الوحيد لوقف التهريب بعد فك الارتباط، سيكون الالتزام المصري والفلسطيني بمحاربة هذه الظاهرة، حيث لا داعي لبقاء الإسرائيليين تحت الخطر في شريط عرضه 100 متر وطوله 14 كيلومترا.
وكانت قيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال قد قامت بنقل بضعة مواقع عسكرية، منعاً لوقوع إصابات في صفوف جنودها، وذلك حتى الانسحاب (الإسرائيلي) من قطاع غزة، وذلك لم يأتي من فراغ بل نتيجة الهواجس التي باتت تقض مضاجع الاحتلال وجنوده من خلال الأنفاق، وقد قرر جيش الاحتلال أيضا إخلاء المواقع والقواعد العسكرية في أنحاء متفرقة في قطاع غزة، وتقليص عدد الجنود فيها، والدافع وراء هذا القرار هو "الأنفاق المتفجّرة.
واعترف مسؤول رفيع المستوى في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي بأن الفلسطينيين سجلوا تفوقاً على جيش الاحتلال الإسرائيلي في مجال "حرب الأنفاق"، التي ابتكرتها المقاومة الفلسطينية، بالرغم من إمكانياتها البسيطة، وتمكنها من الوصول إلى قواعد عسكرية محصنة بشكل جيد.
من جانبها قالت الناطقة بلسان وزارة الدفاع الإسرائيلية، تعقيبا على الأنفاق التي يحفرها الفلسطينيون إنه "لم يتوفر حل تكنولوجي مرض في الدول الأكثر تطوراً، وهذه المسألة تضعها إدارة التطوير العسكرية الإسرائيلية في أولوياتها العليا".
|
وتم هدم العشرات من المنازل الفلسطينية بحجة البحث عن الأنفاق، ويقول الجيش الإسرائيلي إن ثمة شبكة واسعة من أنفاق التهريب من مصر تستوجب عمليات التوغل في رفح التي تسفر عن هدم المنازل، وأن عمليات البحث المعتادة عن الأنفاق، تقتضي من قواته هدم البيت الذي يغطي منفذ أي نفق، وكذلك المنازل التي يطلق منها المسلحون الفلسطينيون النار عليهم خلال العملية.
وقال رئيس الحكومة الإسرائيلية اريل شارون خلال مشاورات أمنية رفيعة مع أركان قيادة الحرب لديه "لا توجد أي وسيلة لم تجرب ضد الأنفاق، والنوايا تتجه نحو تنفيذ عمليات عينية ومحددة وليست حملة عسكرية واسعة". بينما أشار موفاز إلى أن "الجيش سيعمل من خلال دمج وسائل تقنية متطورة وتفعيل الاستخبارات في مكافحة الأنفاق".
|
أول استخدام للأنفاق في عمليات فدائية خلال انتفاضة الأقصى كان في 26 سبتمبر/أيلول 2001 حينما فجرت كتائب القسام عبوة كبيرة أسفل موقع "ترميد" العسكري الإسرائيلي قرب بوابة صلاح الدين في رفح على الحدود المصرية الفلسطينية، تلاها عملية في 13 ديسمبر/ كانون أول 2003 أسفل موقع "حردون" العسكري في حي يبنا برفح، والذي يقع كذلك على الحدود المصرية الفلسطينية.
ويبدو أن قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي قد حسمت موقفها بشأن التواجد العسكري في محور صلاح الدين، الذي يفصل بين قطاع غزة والأراضي المصرية، والذي تزعم تل أبيب أنه يستخدم لتهريب الأسلحة إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، وقامت بنقل ذلك إلى القيادة السياسية في الدولة العبرية.
وعللت مصادر في جيش الاحتلال هذا القرار بكلفته المادية والبشرية، وقالت: "إن مثل هذا التواجد سيكلف الدولة أولاً نفقات مالية باهظة، وقد يكلفها كما سيكلفنا حياة الجنود".
|
وأعربت المصادر عن مخاوفها من أن يتم قتل وأسر جنود إسرائيليين من قبل مقاومين فلسطينيين في حال استمر التواجد العسكري الإسرائيلي في محور صلاح الدين. وأضافت أن قرار عدم البقاء في المحور، هو أيضاً حرص على سلامة الجنود الذي سيرابطون فيه من احتمال قيام جهات (فلسطينية) بتنفيذ عمليات خطف أو قتل تستهدفهم.
وفي السياق ذاته اعتبر مصدر عسكري إسرائيلي مسؤول رفض الكشف عن هويته خلال حديث مع الإذاعة العبرية، أن "الحل الوحيد حالياً لوقف التهريب في محور صلاح الدين بعد تنفيذ خطة الانفصال من قطاع غزة سيكون بالالتزام المصري الفلسطيني بمحاربة هذه الظاهرة".
|
واستناداً إلى المقابلات التي أجرتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" مع الجيش الإسرائيلي، وسكان رفح والسلطة الوطنية الفلسطينية، وأعضاء الجماعات الفلسطينية المسلحة، وبعض خبراء الأنفاق السرية المستقلين، خلصت المنظمة إلى أن الجيش الإسرائيلي دأب على المبالغة والتهويل في تصوير خطر أنفاق التهريب لتبرير هدم المنازل.
وقالت المنظمة إنه "لا جدال في وجود أنفاق لتهريب السلع، بما في ذلك الأسلحة الصغيرة والمتفجرات التي تستخدمها الجماعات الفلسطينية المسلحة، إلى قطاع غزة، إلا أنه برغم ما تفرضه عمليات هدم المنازل من عبء هائل على عاتق السكان المدنيين، فلم يوضح الجيش الإسرائيلي المانع من استخدام وسائل غير مدمرة لرصد الأنفاق وإبطال استعمالها عند حدود رفح، مثل تلك المستخدمة في أماكن مثل الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك والمنطقة المنزوعة السلاح بين شطري كوريا".
وأوضحت أنه فضلا عن ذلك "فقد تصدى الجيش للأنفاق أحياناً بأسلوب يفتقر إلى الفعالية على نحو محير لا يتفق والجسامة المفترضة لهذا الخطر الذي طال عليه الأمد".
|
ويقول المسؤولون الإسرائيليون إنهم اكتشفوا قرابة 90 نفقاً في رفح منذ عام 2000، مما يعطي الانطباع بتدفق الأسلحة على نطاق واسع ومتزايد على غزة. وعندما طولب الجيش الإسرائيلي بإلحاح بتأكيد ذلك، اعترف بأن الرقم يشير إلى منافذ بعضها متصل بأنفاق قائمة وبعضها لا يتصل بأي شيء على الإطلاق.
وأوضح متحدث باسم الجيش الإسرائيلي لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن المهربين كثيراً ما يحاولون الوصول إلى أنفاق قائمة بالفعل عبر الحدود بدلاً من حفر أنفاق جديدة، وهذا ممكن لأسباب من بينها أن الجيش الإسرائيلي لم يكن حتى عام 2003 يسعى لإغلاق الأنفاق نفسها، بل كان يكتفي بهدم المنازل التي يجد فيها منافذ أنفاق في رفح، سواء أكانت تلك المنافذ صالحة للاستخدام أم لم تكن كذلك. وأدى هذا الأسلوب إلى كثير من الدمار وتشريد السكان بينما تركت الأنفاق سليمة إلى حد بعيد. ومنذ عام 2003 صار الجنود يدخلون الأنفاق، لكن متحدثاً باسم الجيش الإسرائيلي أبلغ هيومن رايتس ووتش بأن الجيش لا يملك التقنيات اللازمة لهدم الأجزاء الجانبية من الأنفاق.
ورداً على استفسار من هيومن رايتس ووتش رفض الجيش الإسرائيلي الإفصاح عن عدد كل من الأنفاق والمنافذ التي اكتُشِفت ودُمِرت. ويتباين النهج الذي اتبعه الجيش الإسرائيلي - أي تحديداً استخدام أساليب غير فعالة لمدة عامين أعقبتها تحسينات غير واضحة - تبايناً شديداً مع التصريحات الإسرائيلية التي تتعمد التهويل وإثارة القلق بدون بداعٍ بخصوص الأنفاق وتدفق الأسلحة.
|
وفي 3 حالات على الأقل هدم الجيش الإسرائيلي منازل تحوي أنفاقاً غير صالحة للاستخدام، ففي يوليو/تموز عام 2004 اكتشف السكان مدخل نفق غير مكتمل في منزل خالٍ، وأبلغوا السلطة الوطنية الفلسطينية، وبعد بضعة أيام هدم الجيش الإسرائيلي المنزل و17 من المنازل المجاورة مشرداً 205 أشخاص، كما هدم فضلاً عن ذلك مصنعاً.
ويشير تقييم أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش في الموقع عقب حملة القوات الإسرائيلية، وكذلك مقابلات مع بعض شهود العيان وممثل لإحدى الجماعات الفلسطينية المسلحة، إلى أن الهدم لم يكن له ضرورة عسكرية، فحتى في حالة المنزل الذي يحوي مدخل النفق كان هدم المنزل بأكمله إجراءً يتسم بالشطط للتخلص من مدخل غير مكتمل، كان من الممكن سده بفعالية بالخرسانة.
ووثقت هيومن رايتس ووتش حالتين أخرىين دمر فيهما الجيش الإسرائيلي، على ما يبدو، منازل بها مداخل أنفاق كانت السلطة الفلسطينية قد سدتها بالفعل، ويبرر الجيش الإسرائيلي ذلك بأن إغلاق السلطة الفلسطينية لهذه المداخل لم يكن كاملاً.
|
