الأنصار في السودان.. دعوتهم بلغت أمريكا و"جزيرتهم" لا تدخلها الشرطة!

تشرشل قال إنهم أشجع الرجال.. ونميري ذبحهم

نشر في:

حين يفرغ المصلون في مختلف مساجد العاصمة السودانية من أداء صلاة الجمعة كل أسبوع، يبدأ آلاف غيرهم في الزحف باتجاه مسجد يقع في حي ودنوباوي في أم درمان حيث تقام الصلاة متأخرة ساعة ونصف تقريبا عن موعدها في بقية أنحاء الخرطوم لتمكين "الأنصار" الآتين من داخل الخرطوم وخارجها أحيانا من اللحاق بالخطبة التي عادة ما تتناول شؤون مختلفة تبدأ بالسياسة ولا تنتهي بالرياضة والفن.

وصلاة الجمعة في هذا المسجد، علاوة على "السخونة" السياسية التي ميزت خطبها طيلة عهد الإنقاذ مشكلة استقطابا حتى لغير الأنصار، فريدة في خصائصها. إذ لا يقتصر الأمر على مجرد الاستماع للخطبة ومن ثم الصلاة فحسب، إنما ترافقها مظاهر يندر أن تقع عليها العين خارج مسجد الإمام عبدالرحمن المهدي.
فحين يصلي الصادق المهدي (إمام الأنصار) في هذا المسجد، ترتفع هتافات الأنصار المعروفة "الله أكبر ولله الحمد" بمجرد رؤية سيارته حين قدومه من منزله القريب، وحين مغادرته.
ويسعى فريق الحراسة الخاصة به لأن يكون ودودا مع الجميع باعتبار أن الصادق المهدي "وسط أحبابه". يتكرر الأمر أيضا حين يأتي الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار عبدالمحمود أبوّ وكذلك حين يطل الأمير عبدالرحمن نقدالله الملقب بـ"أسد الأنصار" نظرا لمواقفه القوية ضد الإنقاذ.

150 مسجدا للأنصار في الخرطوم !

يمتليء المسجد عن آخره بالرجال في زي موحد تقريبا هو زي الأنصار، في حين تنتصب خيام في باحة المسجد لتسع بقية المصلين، والنساء الأنصاريات اللائي يصلين في أماكن مخصصة في الخلف. وقبل الصلاة قد يتجه بعض لقراءة القرآن و"راتب الإمام المهدي" وهو مجموعة آيات قرآنية وأدعية مأثورة يدعو غالبها للزهد. وبعد الصلاة، غالبا ما يعقد الصادق المهدي أو أحد قادة هيئة شؤون الأنصار وغالبتهم من حفظة القرآن والفقهاء، قران عدد من الشباب في مظاهر متقشفة، ويتم أيضا التنويه بالأموات حديثا من الأنصار والترحم على أرواحهم. يعقب ذلك أداء بعض الأنصار لمدائح تتناول الحث على طاعة الله وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتأتي أيضا على مآثر الإمام المهدي.
وكانت التظاهرة الدينية الاجتماعية التي يشهدها أسبوعيا مسجد ودنوباوي، تقام حتى منتصف التسعينات في أكبر مساجد الأنصار على الاطلاق الكائن في وسط أمدرمان وهو مجمع كبير يتألف من مسجد يسمى مسجد الخليفة عبدالله التعايشي ومرقد الإمام المهدي علاوة على باحة تحتل مساحة كبيرة.
وعلى عكس طابع البناء السوداني الصميم الذي يشي به هذا المسجد الأخير، يقوم بناء آخر على بعد مئات الأمتار على طراز إنجليزي خالص كان أحد المقار الحكومية للاستعمار وأضحى مقرا لمجلس بلدية المدينة. وربما تنطوي هذه المفارقة المعمارية على جانب آخر يتمثل بالشد والجذب الذي قام بين الأنصار والإنجليز وبدأ بالمواجهة المسلحة في حين ساد نهاياته نضال سياسي نحى السلاح وتضمن قدرا من الصداقة التي نشأت بين الجانبين في نهاية عهد الاستعمار.
ويقول الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار عبد المحمود أبوّ لـ"العربية.نت" إن عدد مساجد الأنصار في الخرطوم 150 مسجدا. وتوجد مساجد خاصة بالأنصار في منطقة النيل الابيض الذي يمثل قاعدة كبيرة للأنصار وكذلك في ولاية نهر النيل في منطقة الدامر وفي دارفور في غرب السودان ومنطقة الجزيرة في وسط السودان". ويضيف أن دور العبادة والخلاوى والمساجد الخاصة بهيئة شؤون الانصار خرجت أكثر من 2500 من حفظة القرآن خلال العشر سنوات الأخيرة.
وقامت حكومة الانقاذ بمصادرة مسجد "خليفة المهدي" في منتصف التسعينات بعد اتهامات وجهتها للأنصار بإخفاء سلاح في المسجد. وتعرض المسجدان "ودنوباوي ومسجد الخليفة" في السابق للقصف حيث تعرضت قبة المهدي لقصف مدافع جيش القائد الإنجليزي كتشنر الذي سقطت الدولة المهدية على يده في نهاية تسعينيات القرن التاسع عشر انتقاماً لمقتل غوردون باشا على يد الأنصار عند تحرير الخرطوم على بواسطة المهدي في 1885.
أما مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي في ودنوباوي فقد شهد هو الآخر قصفا إنما من جانب نظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميرى في مارس 1970 على خلفية مواجهات دارت بين الأنصار والحكومة في ذلك الوقت وكانت ساحتها الأساسية الجزيرة أبا معقل إمام الأنصار آنذاك الهادي المهدي وحي ودنوباوي. وكانت حكومة نميري تتبنى وقتذاك أفكارا ماركسية رفضها الأنصار بشدة ودخلوا إثر رفضهم هذا في مواجهات ضد الحكومة انتهت بقصف الجزيرة أبا وحي ودنوباوي ومقتل الإمام الهادي في جبال الأنقسنا جنوب شرق السودان أثناء "هجرته" إلى إثيوبيا.
ويعتقد في السودان على نطاق واسع أن القوات الجوية المصرية شاركت مع حكومة نميرى في قصف الجزيرة أبا. وراح ضحية تلك الأحداث ما يربو على 2000 أنصاري.

توتر مع القاهرة

ولم ينكر الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار التوتر الذي شاب العلاقة بين الأنصار والحكومات المصرية المتعاقبة، مبررا ذلك بأن مصر "كانت أحد قطبي الاستعمار الثنائي - بريطاني مصري - في 1899 وأن الأنصار كانوا ضد الاستعمار وخاضوا معارك ضد المستعمر وقدموا آلاف الشهداء في معركة كرري ومعارك أخرى ". بالإضافة إلى أن مصر تبنت الحزب الاتحادي الممثل للختمية وهو حزب كان يدعو للوحدة مع مصر تحت التاج المصري فيما دعا حزب الأمة الذي يمثل الأنصار لاستقلال تام عن مصر وبريطانيا.
ولا ينحصر الاحترام والتقدير الكبيرين لشخصية الإمام محمد أحمد في الأنصار فحسب، فالسودانيون بشكل عام يعتبرون أن هذا الرجل الزاهد الذي تمكن من هزيمة الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ومرغ كرامتها في التراب وانتصر على أبرز قادتها العسكريين لدرجة أن الصين بنت "قاعة الصداقة" في الخرطوم في نهاية السبعينات تقديرا لدوره مما اعتبروه انتقاما من الجنرال غوردون الذي أذاقهم الأمرين، حاضر في الوجدان والوعي الجمعيين في السودان.
وتحفل كثير من الأغنيات والقصائد الوطنية في هذا البلد بذكر الإمام المهدي على وجه الخصوص كثائر فريد من نوعه وعلى شاكلة الرجال ذوي الالتزام الأخلاقي الكبير لدرجة أنه لم يكن يضع طعما في صنارة صيد الأسماك قبل تفجيره الثورة لئلا "يخدع الأسماك". كما يتغنى السودانيون بأمجاد الثورة المهدية التي أذاقت البريطانيين علقم سلسة من الهزائم العسكرية، فيما لم تتجرع جيوش المهدية هذا الكأس قط إلا بعد وفاة الإمام المهدي:كرري تحدث عن رجال كالأسود الضاريةخاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغيةوالنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانيةما هان فرسان لنا بل فر جند الطاغيةويقول الأمين العام لهيئة شئون الأنصار عبد المحمود (انتخب في مطلع التسعينات) في حوار خاص لـ"العربية.نت أن كلمة الأنصار تعني التزام جماعة من المسلمين بقول الله تعالى " ياأيها الذين أمنوا كونوا أنصار الله". مضيفاً وهم الذين استجابوا لدعوى الإمام محمد أحمد المهدي التي ظهرت في السودان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بغرض تصحيح العقيدة الإسلامية وتحرير السودان من المستعمر التركي المصري.
ويؤكد أبوّ أن هيئة شؤون الأنصار لم تقم باجراء احصاء دقيق لعدد الأنصار داخل السودان إنما بناء على آخر انتخابات ديمقراطية جرت في السودان في 1986، كان عدد الأنصار في البلاد 8 ملايين ما يعادل نسبة 40% من سكان السودان الشمالي، تتواجد الغالبية منهم في مناطق النيل الأبيض والجزيرة ومنطقة القضارف ومنطقة دارفور وكردفان.
كما يفيد بأن الأنصار يتواجدون في غرب أفريقيا في كل من نيجيريا في ولاية مايدوقري والنيجر وتشاد وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وفي باكستان بأعداد كبيرة.

جلباب عمره 120 عاما

سكان حي ودونابوي شأنهم شأن أحياء أمدرمان القديمة الأخرى مثل "بيت المال" و"الملازمين" و"أبوروف" و"ودر أرو" و"أبوسعد" و"المهدية" و"حي الضباط"، هم خليط من قبائل هاجرت غالبيتها إلى أمدرمان تلبية لدعوة قائد الثورة المهدية التي انتصرت على الإنجليز وأقامت "دولة إسلامية" نهايات القرن التاسع عشر الميلادي. واكتسبت هذه الأحياء أسماءها من أسماء بعض قادة الثورة المهدية.
أما الزي الخاص الذي رافق الأنصار منذ 120 عاما تقريبا، فهو يتكون من جلباب يمكن أن يلبس من جهتين وله جيب خلفي وآخر أمامي، وعمامة لا تنقصها الأناقة توضع بشكل متقن ومحدد، أو جلباب قصير يطلقون عليه اسم "على الله" وتحته سروال من نفس اللون والنوع وينتعلون حذاء "مركوب" يمكن أن يلبس بكلتا القدمين.
ويقول بعض شيوخ الأنصار إن هذا الزي مرتبط بالجهاد ضد الإنجليز. يؤكد هذا الأمين العام للهيئة القيادية التي تعنى بشؤون الأنصار عبدالمحمود أبوّ مشيرا إلى "الأنصار كانوا في حالة جهاد مستمر ضد المستعمر وحتى لا يتعثر المجاهد الأنصاري ويتأخر عن المعركة، اتجهوا لتفصيل هذا الزي وصنع حذاء يمكن أن وضعه في أي قدم".
أما الجلباب القصير "على الله"، فيقول أبوّ لـ"العربية.نت" عنه "النوع الثاني من الجلباب يسمى على الله ويعني أن يلسبه الشخص ويتوكل على الله ولا يلتفت إلى الخلف. ويضيف "نحن كأنصار نتمسك بارتداء الزي الانصاري في كل المناسبات وذلك لتمسكنا بثقافتنا مما يؤهلنا لدخول عصر العولمة و إذا لم نتمسك بثافتنا فإن ذلك يؤدي لذوبان ثقافتنا". وفي الآونة الأخيرة انتشر ارتداء زي الأنصار وسط شرائح كبيرة من الشباب من غير الأنصار اعتقادا منهم بأنه زي مميز وجميل.
اهتمام الشباب السودانيين بزي الأنصار يعكس من جانب آخر، التنوع الثقافي والاجتماعي والتأثير والتأثر السائد في السودان. حيث اتجه بعضهم أخيرا لارتداء زي "البجة" في شرق السودان المؤلف من جلباب قصير عليه "صديرية" وتحته سروال واسع، وفوق كل هذا شملة طويلة تلتف من تحت الركبة إلى الكتفين وتحيط بالجسم كله، فيما آثر بعض الزي الإفريقي المميز للجنوبيين.
وكان الأنصار على الدوام ميالين خصوصا في عهد إمامة عبدالرحمن المهدي (ابن الإمام المهدي) للتسامح والتعاطي مع الثقافات السودانية لدرجة رعاية بعض الشعراء والمطربين في وقت كان المجتمع بأسره يرى في الغناء عيبا. واحتضن قادة الأنصار أيضا الأنشطة الرياضية، ولا تزال هذه الأنشطة كلها تمثل جزءا من الشخصية الأنصارية المتشددة في أمور أخرى كالتدخين مثلا إذ يحرمونه تماما على الرغم من اتجاه بعض شباب الأنصار للتدخين في الآونة الأخيرة.

جزيرة لا تدخلها الشرطة

ولعل المثير فعلا، أن درجة الانضباط الديني والاجتماعي في مجتمعات الأنصار كانت أقرب إلى الخيال. ففي الجزيرة أبا على سبيل المثال لم تكن هناك حاجة لإنشاء مركز للشرطة طيلة الفترة من 1885 إلى بداية السبعينات من القرن الماضي لانتفاء الجريمة. كما أن الجزيرة الواقعة على النيل الأبيض جنوب الخرطوم لم تعرف التبغ المعدود من الموبقات إلا في العشرين سنة الأخيرة.
وتثار أسئلة فكرية كثيرة حول الأنصار، إذ يستند بعض إلى مسألة "الإمامة" باعتبارها مؤكدة لشيعية الأنصار، في حين يرى بعض أن حركة الأنصار استمدت أصولها من الحركات الصوفية المنتشرة في البلاد خصوصا أن الإمام المهدي كان قد درس على يد شيوخ صوفيين. ويعتقد آخرون أن الأنصار أقرب للسلفية. لكن عبد المحمود أبوُ يقطع بأن الحركة الأنصارية هي حركة تجديد إسلامي أستطاعت أن تجمع كل الخصائص التي تمثل الحق عند الجماعات والمذاهب الإسلامية المختلفة.
وقال أبوّ في سياق افاداته لـ"العربية.نت" إن الحركة الأنصارية فيها ملامح الصوفية في صفاء الروح والعبادات وكذلك ملامح الشيعة، وأخذت أيضا من الجماعة السلفية تصحيح العقيدة، ومن حركة جمال الدين الأفغاني الاصلاح الإجتماعي". ويمضي بشكل أكثر تحديدا للقول " لا يمكننا تسميتها جماعة صوفية بل حركة بعث إسلامية"، مؤكدا أن للحركة الانصارية علاقات وثيقة مع كل الجماعات الاسلامية الصوفية والشيعية والسلفية والسنة.
لم يكن محمد أحمد السوداني بطبيعة الحال أول من أطلق على نفسه لقب المهدي، فبن تومرت مؤسس دولة الموحدين، ومحمد بن عبد الله السنوسي الليبي قائد الحركة السنوسية، وغيرهم من السنة والشيعة أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب، فقد كانت فكرة المهدي تمثل الخلاص للمظلومين، وهي مناسبة لحشد التأييد الشعبي لأي ثائر يرفع هذا الشعار، وتقوم بإضفاء نوع من القداسة على ثورته.
وينفى أبوّ وجود خلاف بين الحركة الأنصارية والصوفية مبرراً اختلاف قائد الحركة الانصارية محمد أحمد المهدي مع شيخه محمد شريف (شيخ الطريقة السمانية الصوفية) بأن المهدي كان يرى في ذلك الوقت أن الطرق الصوفية قد صرفت الأمة السودانية عن مجابهة المستعمر. وفي ضوء ذلك دعا المهدي إلى تجاوز الحركات الصوفية والتمسك بالكتاب والسنة. لكنه يؤكد أنه لا يوجد خلاف بين الحركة الانصارية والصوفية مشيراً بذلك إلى أن من ناصروا المهدي في دعوته وثورته كانوا كبار شيوخ الصوفية في السودان مثل الشيخ العبيد ود وبدر وعامر المكاشفي مضيفا أن المهدية جاءت من رحم الصوفية.
ويرى عبد المحمود أبوّ (40عاما) أن هيئة شؤون الأنصار هي أول مؤسسة دينية في العالم الإسلامي تصدر أطروحة حول حوار الحضارات قائلاً "أطلقنا عليها حوار الحضارات مقابل مصطلح صراع الحضارات وكانت عبارة عن محاضرة قدمها إمام الأنصار في مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية في القاهرة وحضره عدد كبير من علماء الإسلام من كل أنحاء العالم واصدرنا بعدها أطروحتين".

الهيكلة الادارية

ويوضح أبوّ أن الهيكل الاداري لكيان الانصار في عهد الامام المهدي كان يتكون من القائد الأعلى وهو "الامام" وخلفاء "سماهم خلفاء خلفاء رسول الله وهم عبد الله التعايشي كخليفة لسيدنا أبو بكر الصديق وعلى ود حلو كخليفة لسيدنا عثمان بن عفان ومحمد شريف كخليفة لسيدنا على بن أبي طالب". وبعد سقوط الدولة المهدية على يد الجنرال البريطاني اللورد كتشنر أعاد عبد الرحمن المهدي (نجل المهدي) بناء الهيكل الاداري لكيان الأنصار عبر الوكلاء والمناديب.
ويستطرد أن الهيكل الادارى لكيان الانصار في الوقت الحاضر تمثلة هيئة شؤون الأنصار وهي الهيئة المعنية بإدارة شؤون الأنصار داخل وخارج السودان وتتكون من 4 أجهزة قيادية هي المؤتمر العام وعدد عضويته 4 آلاف عضو ومجلس الشورى ويتكون من 50 عضو ومجلس الحل والعقد من 50 عضو والمكتب التنفيذي المكون من 10 أمانات متخصصة في الأنشطة كافة.
وفي قمة الهيكل الاداري، الامام الذي يمثل القيادة الرمزية للهيئة ويتم اختيار الامام عن طريق التزكية من مجلس الحل والعقد وهي الجهة التي تضع شروط اختيار الامام وبعد أن يصادق عليه مجلس الحل والعقد يرفع إلى مجلس الشورى ثم المؤتمر العام وبعد المبايعة يصبح اماما. ويؤم الأنصار حاليا، رئيس حزب الأمة ورئيس الوزراء السابق الصادق المهدي (حفيد الامام المهدي).
وتدعو هيئة شؤون الأنصار المسملين في جميع أنحاء العالم لأن يتوحدوا في موقف واحد. ويقول أبوّ "حتى نتمكن من التصدي للهجمات الموجهة للغسلام والمسلمين"، مؤكدا أن لهيئة شؤون الأنصار تواصل مع كل المسلمين المعتدلين "المؤمنين" بضرورة وحدة الامة الاسلامية في مصر والخليج وبقية انحاء العالم بغية التوصل إلى نموذج الأمة الاسلامية.

دعوة لتجاوز الصراع السني الشيعي

وترى هيئة شؤون الأنصار أن هناك ضرورة ملحة لتجاوز الصراع التاريخي بين السنة والشيعة. ويهتم الأنصار بمعالجة القضايا المطروحة في الساحة السودانية فكرية كانت أم ثقافية أو اجتماعية. وينفي أبوّ على نحو قاطع أن تكون هيئته ناشطة في الدعوة لـ"عروبة السودان" في سياق جدل الهوية السودانية. ويقول "نحن ندعو إلى هوية سودانية ونرفض أن تكون هوية السودان عربية أو أفريقية أو إسلامية سيما نحن في مجتمع سوداني متعدد الثقافات والاديان". ويضيف أن العروبة ليست عرقا بل هي ثقافة وكل من تحدث العربية فهو عربي "لذلك لا نتعامل مع القومية في اطارها العروبي المتعصب".
وتموّل هيئة شؤون الأنصار أنشطتها من خلال اشتراكات الأنصار ودعمهم بحسب عبدالمحمود أبوّ الذي يؤكد بأن هيئته "لا تتلقى معونة من أية جهة خارجية"، لكنه لم ينكر تمويل الصادق المهدي للهيئة، قائلا "يساهم الصادق المهدي بوصفه عضوا في الهيئة".
ويكثر القول في السودان إن الأنصار يقدسون آل المهدي لدرجة القسم بالمهدي لكن عبد المحمود أبوّ يرى خلاف ذلك قائلا " آل المهدي مثلنا ولا يوجد في نهج الانصار تقديس لآل المهدي". ويشير في هذا الخصوص إلى مقولة مؤسس المهدية محمد أحمد المهدي "لا نغني عنكم من الله شيئاً". ويضيف أن المهدي لم يختر أحدا من أسرته ليكون خليفة له "نحترمهم كأسرة كان لها دور كبير في تاريخ السودان ومحاربة الغزاة والمستعمرين".
وفي معرض رده على سؤال حول طقوس الأنصار الدينية، أكد أبوّ أنه لاتوجد طقوس دينية خاصة بالأنصار باعتبار أن المهدية دعوتها تجريدية "لا يوجد فيها أي مجال للطقوس". والأنصار متشددون في تأدية الصلاة "نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ونقرأ البسلمة جهراً". ويضيف أن الأنصار يقرأون راتب المهدي مرتين في اليوم بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر والراتب عبارة عن آيات وأحاديث وادعية مأثورة عن الرسول (ص) قام بجمعها المهدي "وهو التزام بتوجيه إلهي كما جاء في الآية القرآنية : سبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها".
ويفيد بأن هناك مناسبات دينية يوليها الانصار اهتماما كبيرا مثل صلاة العيد قائلا "ما يميز الأنصار عن غيرهم أنهم يصلون صلاة العيد خارج المساجد ونحرص بأن تكون في مكان عام بينما يصلي بقية المسلمين داخل المساجد" ويرى الأنصار بحسبه أن العيد عبارة عن مظاهرة دينية لإظهار قوة وتوحد المسلمين وتضامنهم. ويؤكد "نتناول في صلاة العيد كافة القضايا التي تهم الدين الوطن".

الامام محمد أحمد المهدي

ولد قائد المهدية محمد أحمد المهدي في جزيرة "لبب" شمال السودان في 1844 لأسرة عرفت بالانتماء لآل البيت، وكانت أسرته تعمل في صناعة المراكب. وما لبثت الأسرة أن هجرت موطنها في 1850 متجهة جنوبا إلى أن استقرت في العاصمة الخرطوم.
ثم انقطع بعد ذلك للعبادة واختار جزيرة "أبا" بالنيل الأبيض التي اختارها فيما بعد منطلقا لدعوته، وفيها زاد إقبال الناس عليه لاشتهاره بالزهد والورع. استطاع المهدي أن يوحد السودانيين بعد أن انتقل بهم من نصر إلى نصر، وحررت مدن السودان تباعا تحت حكمه، ففي 1883 تم تحرير مدينة الأبيض غرب السودان ، وانضم شرق السودان إلى "المهدي" بقيادة عثمان دقنة أحد زعماء قبائل البجة.
وكان تحرير الخرطوم بواسطة قوات المهدي في 1884 بمثابة المسمار الأخير في نعش حكومة الخديوي ومن ورائها بريطانيا، واستطاع أنصاره الثائرون أن يقتلوا القائد الإنجليزي غوردون الذي أرسلته لندن للقضاء على هذه الثورة. وبعد أقل من عامين من فتح الخرطوم توفي المهدي.
وخلّف المهدي جدلا واسعا داخل السودان وخارجه حول ادعائه للمهدية ، إضافة إلى بعض الاجتهادات الخاصة التي أقرها وألزم بها الناس. لكنه ظل يحظى باحترام أصدقائه وأعدائه على حد سواء لما تمتع به من مؤهلات جعلته الرجل الأول في تاريخ السودان وهو يلبس الرث والمرقع من الثياب ويسكن بيوت الطين.
لكن اعتقادا يسود في بعض الأوساط السودانية بأن أبناء المهدي وأحفاده عرفوا على عكسه الترف والنعيم، وتحول كيان "الأنصار" الذي قامت على أكتافه الدولة من الخط الثوري الجهادي في التغيير إلى انتهاج الأساليب السلمية والتُّقية ومهادنة الإنجليز الذين حكموا البلاد إلى حين بزوغ فجر الاستقلال في 1956.