إيمان القويفلي: مشكلة المرأة السعودية عدم الاعتراف بها كمواطنة

ترى أن "التطرف" ليست الخطيئة الوحيدة لمناهج التعليم

نشر في:

تسعى الكاتبة الصحفية "إيمان القويفلي" من خلال كتاباتها للخوض في غمار هموم "المجتمع السعودي الكبير"، لكنها ترى أن مهمة الكاتب تكمن في الابتعاد عن "البدائية" وإيجاد زاوية جديدة لرؤية تلك الهموم وبالتالي دعوة القارئ للنظر من خلالها.. وتعرف كيف تطوّع الكلمة سرها في ذلك امتلاكها لناصية اللغة من بلاغة ومفردات ونحو، فالكثيرون هم من يمتلكون هذه المعرفة, بل يتجلى "سحرها" بأنها تعلم كيف تصبغ المبنى بالمعنى.

وتـحلم القويفلي بالعيش في مركبة سيّارة ديدنها التطور الهادف دون الابتعاد عن جذور ثقافتها ليبقى مركبها في حالة التورط "الاختياري" وبالوقت عينه تنأى بقلمها عن الشخصنة لتعانق التشخيص فترمي بحجتها دون تكلف شخصي ولا تطرف انفعالي.
* يعرف عن اديسون الذي أضاء العالم أنه كان تلميذا "بليدا" في مدرسته قبل أن تتولى والدته تدريسه بنفسها وتفجير طاقاته.. هل ساهمت المدرسة في "تنمية موهبة الكتابة" لديك؟ أم كان هناك معينا آخر لديك في تلك الفترة؟
"تنمية موهبة الكتابة" أين؟ في المدرسة التي كان سقف الإبداع الكتابي فيها هو كتابة مقالة عن "العطلة الصيفية" أو عن "أهمية الوقت" ؟! معاذ الله. ليس للمدرسة علاقة بكوني أكتب. الحق أنني اعتدتُ منذ وقت ٍ باكر أن أقرأ وأكتب – بعد الانتهاء من واجباتي! – أشياء غير مدرسية على الإطلاق، لأتعافى من "الذائقة الأدبية المدرسية". الأمر لا يقتصر على الكتابة فقط.
اسأل من تمارس الرسم أو التصوير أو التصميم، اسأل كل من تملك هبة ما، ستقول لك غالبا انها كانت تصنع من أعمالها أشياء بقياساتٍ مدرسية مصممة خصيصا ً لتلائم المدرسة، عن الأم وعن المعلمة وعن التفوق وعن النظافة، وعن بضعة موضوعاتٍ بدائية أخرى، وبالطبع هناك كل تلك الأعمال الأخرى التي تحتفظ بها في غرفتها، الأعمال التي لا مكان لها في الأجواء المدرسية، وهي الأعمال التي تعتبرها صاحبتها – للأسف – ما يمثل حقيقتها. منذ وقت ٍ باكر نتعلم في المدرسة أن كل تصريح عن الذات يجب أن يصدر بنسختين: واحدة رسمية معلنة، وأخرى غير رسمية وسرية. وبينما تكون النسخة الرسمية المعلنة المقبولة بعيدة كل البعد عن الصراحة والشرف والذكاء، فإن النسخة السرية تأخذ كل المصداقية، والعـمق، والقيمة. عندما نكبر نكون قد تمرّنا طويلا ً على التأرجح بين هذين المستويين المنفصلين من الخطاب، من الأفعال، من المنطق، من الأخلاق. ونحن ندين بهذا للمدرسة، أليس كذلك ؟
* سبب اختيارك لدراسة علوم نباتية، وما الذي قدمته هذه الدراسة لإيمان كـ"عاشقة قلم"... وهل يمكن الحديث عن تجربة جامعية ساهمت بشكل أو بآخر في صياغة وشائج علمية أو عملية في وعيك وتشكيل أدواتك المعرفية؟
لم اختر تخصصي. كان هو المتاح فقط. اخترته لأنه متاح. ولا يصح وصف الدراسة الجامعية في السعودية، خاصة للبنات، بــ"التجربة الجامعية". التجربة الجامعية وصف ٌ يُـطلق على حياة الجامعة التي يجرب فيها الطالب الاستقلال بذاته وخياراته لأول مرة. الابتعاد عن منزل العائلة. التصدي للمسؤولية. والبحث عن الطريقة الشخصية، في المعتقدات، في العلاقات، في التعلم والعمل. واختبار الحياة السياسية للمرة الأولى. إنهُ أيضاً زمن التجريب. الجامعة السعودية عموما لا تقدّم شيئا ً من هذا إلا بشكل ٍ سطحي. وعندما يتعلق الأمر بجامعات البنات فإن كل ما يُمثل "التجربة الجامعية" غائب عنها.
الجامعيات السعوديات تلميذات تقريبا ً. ينقصهن فقط ارتداء المريول المدرسي والاصطفاف لطابور الصباح. ما قد يمنح الدراسة الجامعية بعض البريق يتمثل في الاحتكاك بالأكاديميات اللواتي – إذا كان الحظ جيدا ً – قد يتوافرن على شخصيات ٍ فريدة توقظ من يغفو وسط كل نظام الرتابة. الآن عندما أقول "أعوامي الجامعية" أفكر بكثير من الامتنان في الأوقات الحرة التي قضيتها أقرأ وأفكر، لا بالأوقات التي قضيتها داخل القاعة. كانت أعواماً فيها من الخسارة أكثر مما فيها من المكاسب.
*إلى أي مدى يتدخل "الحارس الداخلي" في كلمات يراعك؟
الرقابة الذاتية شيء يطوره الكاتب ليتفادى الضلال والتضليل. ملاعبة الرقيب الذاتي تجعل كتابة الرأي أكثر إثارة بكثير، وأكثر تعقيدا ً أيضاً. يصبح الأمر مثل رحلة صيد ٍ في خلاء. فيها الكثير من الصبر والتدقيق والمراقبة والمراوغة. أنا أراقب مصادر معلوماتي. أتفحّـص حقيقة انتماء آرائي إلي. اختلس النظر دائما ً إلى دوافعي في الكتابة. لماذا أكتب ما أكتب؟ لماذا هذا الموضوع ولماذا هذا التوقيت؟ أتراي أملك رأيا ً أم أحاول أن أبدو كذلك؟ هل هذا دقيق أم مخادع؟ ذاتي أم متجرد؟ هل يناقض ما كتبته قبلا؟ كتابة الرأي ليست إلقاء خطبة من 1000 كلمة أسبوعيا على رؤوس القراء عن مسألة عامة. كتابة الرأي في المرحلة الأولى اشتغالٌ بالذات. وهذا هو الجزء الذي يروقني أكثر من سواه.
* البعض يلجأ إلى أيقونة "الاسم المستعار" للكتابة بحرية أكبر؟ هل تحبذين مثل هذا الخيار؟
هويتي شديدة الالتصاق بما أكتب. سيكون أمرا ً حزينا ً أن يحدث هذا. وعندما يحدث قد يحدث بسبب اليأس، أولاً، ثم بسبب شعوري أنني كتبت شيئا ً أهمية نشره تفوق أهمية مصلحتي الذاتية (وهو ما لا أشعر به الآن). على أية حال، سأكره كثيرا ً الاسم الوهمي الذي سيستولي على كتابتي.
* "إيمان ادعوك إلى التخلص من بعض التحليق أثناء الكتابة , احترم إرادتك في قول شيئا وهذا من حقك لكن الكتابة التنظيرية تبعدك عن هدفك إذا كنت ترمين إلى المجتمع السعودي الكبير".. هذا تعليق من أحد قراء مقالتك (المتعة كدليل السعودي (س) إلى الصواب).. هل تعتقدين أن كتاباتك تنحو إلى النخبوية؟
قرأت تعليقهُ يومذاك وشككتُ لبعض الوقت في قيمة ما كتبت. لكن ألا تلاحظ أن القارئ السعودي النهِم للكتب والقراءة، الذي يتابع باقتدار طيفا واسعا من الكـُـتاب العرب والأجانب، ألا تلاحظ أن هذا القارئ هو نفسه الذي يلوم الكاتب السعودي عندما يتجرأ هذا الأخير فيخرج عن السرب، ويصفه بالتعالي، والعزلة، والنخبوية؟ كأنما يـراد للكاتب السعودي أن يبقى كاتبا بدائيا. لا يخرج عن فلك الشكوى من أسعار المواد الاستهلاكية والبطالة. هذه موضوعات مهمة، لكنها موضوعات بدائية. إنها تشبه عمليات الجمع والطرح في الرياضيات: لا يمكنك أن تدخل إلى عالم الرياضيات ما لم تتعلم أولاً الجمع والطرح، لكنك لا يمكن أيضا ً أن تقول أنك تعلمت شيئاً عن الرياضيات إذا بقيت معرفتك في حدود هذه المسائل. ككاتب، نعم يجب أن تعرف هموم "المجتمع السعودي الكبير"، لكن مهمتك هي أن تجد زاوية جديدة تنظر من خلالها إلى هذه الهموم وتخبر المجتمع كيف ينظر معك. أحيانا تتمكن من شرح رؤيتك الجديدة بكلماتٍ بسيطة وأحياناً لا. لا يمكنك فعل هذا. لأنني أكتب صدوراً عن تراكمات قراءتي لكتاب آخرين، في هذه الحالة أكتب وأنا أعلم من أخاطب، وبالتأكيد أنا لا أخاطب شخصا ً لم يقرأ أي شيء عن موضوع مقالتي ثم يحاول فجأة أن يدخل في الإيقاع ويفهم ماذا أقول. في تلك المقالة "المتعة كدليل السعودي (س) إلى الصواب" كنت أعلق على مسألة صعود النزعة المتعية في أخلاقيات السعوديين، في كتاباتهم تحديداً. هل هذه مسألة فلسفية معروفة؟ نعم. هل هي واقع مشهود في السعودية؟ نعم. هل يمكنني أن أكتب عنها؟ لا. لأن هذه نخبوية وToo much. والمطلوب من الكاتب السعودي؟ أن يبقى بدائيا. عندما أقرأ تعليقات كهذه أشعر أنني مقيدة بحبالٍ طويلة. لا نهاية لها.
*ما هي أولويات المرأة السعودية حاليا؟ وعلى الهامش هل انت مع ما تردده بعض المثقفات السعوديات من أن غطاء الوجه يلغي شخصية المرأة ويجعلها كائنا بلا ملامح؟ وهل تعتقدين أن قضية قيادة المرأة للسيارة أخذت أكبر من حجمها؟
عندما يعـد الصحافي حوارا مع كاتبة سعودية، يَفترض أن يكون السؤال عن تغطية الوجه هو"صانع الألعاب" في الحوار. هه ؟ - تضيف مبتسمة- في كل الموضوعات الإعلامية التقليدية، توجد نسخة إعلامية للموضوع ونسخة واقعية، ولا تعود مشكلة الكاتب هي طرح هذا الموضوع إعلامياً، بل هي تحدّي الصورة الإعلامية للموضوع بصورة قد لا تروق للإعلام، لكنها أقرب إلى الواقع. المرأة السعودية موضوع تقليدي للإعلام في السعودية وفي كل العالم. وأكثر ما يلفت النظر فيها هما غطاء الوجه والحرمان من قيادة السيارة، وللأسف هاتان هما الصفتان الأكثر سطحية واللتان يمكن لأي صحافي أجنبي أن يكون شاهداً عليهما بمجرد مروره في شارع ما في مدينة سعودية.
خذ غطاء الوجه مثلا ً. صحيح أن تغطية الوجه مسألة إجبارية في المدارس والجامعات والمحاكم، لكنها خارج هذا، أصبحت الآن مسألة اختيارية. هل تريد أن تسمع أكثر؟ الحقيقة هي أن غطاء الوجه وحتى طريقة لبس العباءة جزء من النظام الاجتماعي والطبقي في السعودية اليوم. والمرأة من خلالهما تعبّر عن طبقتها. وكالعادة، أمام التقاليد، تجد أن نساء الطبقات العليا في المجتمع كما نساء الطبقات الدنيا، هنّ الأسرع تحررا منها، وقد تخلص كثير منهن من غطاء الوجه، بينما تمسكت بهِ نساء الطبقة المتوسطة.
نأتي للمشكلة الحقيقية. المرأة السعودية لا يعترف بها كــ مواطِنة، في وطنها. باختصار. وكل ما يجري إنما هي تمظهرات لاستبعادها وإخراجها خارج نسيج الدولة. افتقارها إلى الهوية المستقلة، حاجتها إلى كفيل أو ولي أمر يمثلها أمام المؤسسات الرسمية في كل خطوة تخطوها يعني أن الدولة تقول للمرأة: "عفوا ً. لا يمكننا الاعتراف بكِ. ابعثي لنا رجلا ً لنتعامل معه". وهذا يجعلها دولة "للرجال فقط". أسِّـسَت أنظمة الدولة بناءاً على النظام الاجتماعي الأبوي التقليدي، فتحوّلت التقاليد إلى قوانين، وتعقدت الأمور. وعندما اصطدمت النساء بالتقاليد كما في أحداث 6 نوفمبر 90 (قيادة السيارة) أثبتت هذه التقاليد أنها تحمي نفسها بالتحول إلى قانون رسمي. كتبت تفصيلاً حول هذا في ملف "النخب النسائية السعودية" في مجلة "المجلة" – مايو الماضي.
قرأتُ المعروض ذا الــ500 توقيع. وهو ممارسة للحق الطبيعي في التعبير. ما يثير دهشتي، هو أن يعتبر تجمع 500 امرأة لرفع معروضٍ مناهض لقيادة المرأة السيارة "عمل خيّر" وأنهن "يعبّرن عن جميع النساء السعوديات"، بينما تجمع 500 امرأة لرفع معروض يؤيد قيادة السيارة ، سيُعتبر "مؤامرة لتشويه صورة المرأة السعودية". لا يزال حق التعبير "الشعبي"... حقاً "حصرياً" ! وهذه واحدة جديدة تنضم إلى قائمة المفاهيم العجيبة للحقوق عند السعوديين.
*هل تتفقين مع الآراء التي تقول بوجود "خصوصية شديدة للمجتمع السعودي" يجب مراعاتها أثناء الحديث عن الإصلاحات؟ وما هي أهم ملامح الخطوات الفعلية على المدى القصير والمتوسط التي يمكن اتخاذها لتحقيق خطوات في السعودية؟
لا أحب الاستجابة للأسئلة الكبيرة التي تضعني على مقعد صاحب النظرية. نعم، يمكنني أن أكتب الكلمات التي اعتاد الكتاب مضغها في هذا الشأن، يمكنني أن أكتب عن ضرورة صياغة دستور للدولة وفتح المجال للمشاركة السياسية الشعبية، والقضاء على الفساد المالي والإداري، وإشاعة التسامح والقبول بالتعددية والرأي الآخر، ودعم حضور المرأة في مؤسسات الدولة، إلخ...، هل يروقك هذا؟ ربما، أما أنا فأعتقد أن هذه الكلمات لا تستحق حتى الثواني التي يضيعها المرء في قراءتها.إذ ما الجديد وما المهم وما العملي في قول "يجب على الحكومة أن تقضي على الفساد الإداري والمالي"؟ نحن جميعا ً نعرف بوجود هذا الفساد ونعرف ألا صلاح للأمر إلا بمراقبة ومحاكمة هذا الفساد.
السؤال الحقيقي والعَـملي هو: مَـن هو الفاسد؟ أين وكيف ولماذا؟ مَن سمح له ومن يمكنه أن يوقف هذا الفساد برمته؟ معظمنا يعرف أشياء كثيرة عن واقعنا السيء لكن قلة قليلة من الأشخاص تعرف الإجابات المحددة لهذه الأسئلة وتعرف كيف بدأ الأمر وكيف يمكن إيقافه. في البلدان الأخرى يمكنك أن تذهب إلى المكتبة وتشتري نص دستور الدولة وتفهم موقعك النظري على الأقل كمواطن، لكن المعلومات شحيحة جدا ً في السعودية، لا أعني المعلومات عالية السرية بل حتى تلك التي تعتبر معرفتها حقا ً للمواطن. فما نعرفه كمواطنين عن حقوقنا وعن القوانين والأنظمة التي تحكمنا قليل، وما نعرفه عن حوادث التعدي على الحقوق والأنظمة أقل ولا يزيد عن ثرثرة المجالس. آليات صنع القرار في بلادي غير مفهومة بالنسبة لي كما أنها غير مفهومة للغالبية العظمى من الناس بما في ذلك الكـُـتاب، فكيف يمكنني أن أرسم خطوات الإصلاح لـِصانع القرار الذي لا أفهم آلياته في صنع القرار؟ الخصوصية السعودية ليست كلمة رديئة في جميع أحوالها، فهي وإن حُمِلت فيما سبق على شِقها السيء (كذريعة لتعطيل أي تغيير)، إلا أنها ملائمة جدا ً لوصف هذه الحالة المركبة من حصرية المعلومات وغموض آليات القرار. خذ مثلا ً مسألة الإرهاب. كل ما يمكن للكاتب السعودي كتابته حولها، هو الاجترار لما يظنه تاريخ نشوء منابع الإرهاب، الفكرية أو الاجتماعية، وتسليط الضوء على هذا المنبع أو ذاك السبب، وإزجاء التحيات لرجال الأمن. لكن هل يستطيع أحد أن يسأل عمّا يجري في اللحظة الحالية؟ أن يُسائل وقائع العمليات ضد الخلايا الإرهابية؟ أن يطالب بكشف هذه المعلومة أو تلك للجماهير؟ أن يُدقق وينتقد ويُحاسب؟ بالطبع، هذا غير ممكن. الكلام الصِّـحافي في هذه المسائل الكبيرة يـُـجرى في أقنية محددة ليبلغ نهاياتٍ محددة، لكنها غالباً ليست حيث يجب أن يذهب الحديث والأسئلة. الإصلاح؟.
أعرف أننا بحاجة إلى حرية تعبير أكبر، وإلى قضاء مستقل، وإلى احترام ٍ لقيمة الإنسان، لكن هذه الأشياء وغيرها لا يمكنها أن تــعطى كهباتٍ لأن الهبة كما أعطـِـيَت، تـُـسترد. أما الإصلاحات الحقيقية فهي تلك التي لا يمكن التراجع عنها.
* يرى بعض المثقفين السعوديين أن مناهج التعليم السائدة في السعودية ساهمت في "اشعال الفكر المتطرف ورفض الآخر".. إلى أي حد توافقين هذا القول؟ وهل يمكن الحل في تعديل تلك المناهج؟
إذا كانت المناهج ساهمت في "تصنيع الفكر المتطرف ورفض الآخر"... فهل هذه هي خطيئتها الوحيدة؟ ليتها كانت ! التعليم كما هيأ وعزز أجواء التعصب، فإنه تكفل بخلق أجيال ضيقة الأفق، مشوشة ذهنياً، عاجزة عن التحليل أو استخدام المنطق، متخلفة علمياً، جاهلة تاريخياً. هل أزيد؟ كل هذه المشكلات الأساسية جداً ذابت واختفت في بحر الثورة "ضد التطرف" وسـَــدّ "الدفاع عن الهوية". عندما نتحدث عن التعديل أو إعادة بناء المناهج لابد أن نتحدث عن شيء أوسع من تنقيح مناهج التوحيد والحديث.
* يكاد يكون الإعلام السعودي الأكثر عربيا في طرح مشكلة تأخر سن الزواج عند المرأة، هل تستحق "مشكلة العنوسة" أن يفرد لها النقاش على صفحات الجرائد ومواقع المنتديات وأن تحظى بكل ذلك الاهتمام؟
ليت الأمر وقف على الصحف ومواقع الانترنت، بل وتناقش في مجلس الشورى أيضا ً! أليس غريبا ً أن تأخذ "العنوسة" كل هذا الاهتمام في بلد ٍ يُـسجل أعلى معدلات النمو السكاني في العالم؟ نحن لسنا إسبانيا حيث تستجدي الحكومة الشعب من أجل أن يتزوجوا وينجبوا أطفالاً.
أليس غريبا ً أيضا ً أن العنوسة المقصودة هي فقط عنوسة النساء، أما الرجال فلا عنوسة لهم؟! كل هذا الاشتغال بهذه المسألة هو تعبير عن الانخراط الشعبي في تقديس "الحالة الزواجية" كهدفٍ رئيسٍ من أهداف الحياة، بحيث لا يعودُ بقاء الرجال أو النساء دون زواج مسألة ظروف خاصة أو حتى خيار شخصي، بل دليلاً على الفشل والعَطـَـب.
* كيف تنظرين إلى تجربة الأقلام النسائية في السعودية ولاسيما كاتبات جريدة الوطن التي تكتبين لها حاليا؟
يقولون إن استكتاب النساء أصبح ضرورياً لتستكمل الصحيفة مظهرها، هه ؟ وهذا يعني بالطبع أن أي امرأة تملك فرصة أكبر في الكتابة لمجرد أنها امرأة. حسناً. هذا صحيح بالنسبة للكاتبات اللواتي أفلحن في الحصول على عمودهن في الجريدة وتوقفت إنجازاتهن هنا، لكن هل هذا منصف بحق الكاتبات اللواتي حصلن أولاً على العمود، ثم حصلن على متابعة القارئ، واهتمام الناقد؟.
لا يمكنك أن تقول أن د.أميرة كشغري تكتب في صفحة الرأي في "الوطن" وهي أقوى صفحة رأي في الصحف السعودية، لا يمكنك أن تقول أنها تكتب هناك لأنها امرأة وحسب. ولا يمكنك أن تقول عن مرام مكاوي أنها تكتب في الوطن فقط لأنها شابة يافعة. ولا د.ليلى الأحدب. ارفع الاسم عن مقالات هؤلاء وسترى بوضوح أن ما يقدمنه كتابة جيدة بحد ذاتها.
* ما الذي يمكن أن يدفع إيمان إلى اعتزال الكتابة ذات يوم؟ وما أكثر كتاب تحرصين على قراءته أو تودين أن تقرأيه أكثر من مرة؟
أعتزل؟ قد أعتزل إذا أصبحت الكتابة ذاتها عملية مؤذية. ربما سأحصل وقتها على الفراغ الكافي لأعيد قراءة كتبي القديمة. لا أملك وقتاً للإعادة الآن فأنا لم أستكمل قراءاتي الأساسية بعد. لكنني أجد فسحة بين وقتٍ وآخر لأعيد قراءة "هاملت". حتما سأستعيد كتب المؤرخين والمستشرقين عن شبه الجزيرة، وبالتأكيد "أعمدة الحكمة السبعة"، حيث يُمزِّق لورانس مفاهيم البطولة والمجد الذاتي.
* ثمة مواقف أثرت في حياتك لدرجة أن غيرت عندك مفاهيم أو أفكار معينة؟
لا أتكيء على ما يبعثهُ لي العالم الخارجي كثيراً. فهو مُمل ورتيب – على الأقل كما أراه من نافذتي. أحياناً كثيرة تــشرق الفكرة في العقل وبسببها يتغير العالم وتتغير الذات. وهذا هو ما يحدث لي دائماً. * ماذا تعني لك تلك الأشياء؟ السفر، وقت الفراغ، المال، الأنوثة.
السفر: خبرة إنسانية ضرورية غير متاحة إلا للقلة. أمر مؤسف ! وقت الفراغ: الامتناع عن الكتابة. التزام الصمت لبرهة مريحة جداً. المال: لا يعني شيئاً. ما يأتي به المال يعني أشياء كثيرة. ليست جيدة دائما ً.الأنوثة: "الأنثى" هي الكلمة الصغيرة التي يحاولون إحلالها مكان "امرأة"، والمرأة لا يمكنها إلا أن تكون إنسانا ً لكن الأنثى والتأنيث صفة حتى للجماد والحيوان، وبينما يبقى الرجل رجلاً فإن المرأة تتحول "أنثى". وما أجمل أن ترى تلك الببغاوات الصغيرات يردّدن بعد ذلك في خواطرهن الشاعرية بكل فخر وتعالٍ: "أنا أنثى"!