تونس- قدس برس، العربية. نت - سليم بوخذير
تصاعدت في الأشهر الأخيرة موجة الجريمة في تونس على نحو وحشي ومخيف، وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية لعدد جرائم القتل التي حدثت هذا الصيف، إلا أن الوقائع العديدة التي أخذت من داخل المحاكم، والقصص التي نشرتها داخل الصحف اليومية التونسية، أصبحت لا تدع مجالا للشكّ، بأن صيف تونس الراحل قد شهد غيابا للأمن تشهد عليه بشاعة الجرائم التي أوردتها الصحف، أو التي كانت على مرأى ومسمع من الناس، وفي وضح النهار.
وتؤكد الوقائع أن أغلب هذه الجرائم تتم لأسباب تافهة وتكتسي وحشية غير معهودة في المجتمع التونسي، كما أصبحت عمليات السلب التي تتم في مختلف أحياء العاصمة، والتي يقوم بها شبان مفتولي العضلات، تثير الرعب داخل أوساط العائلات المحافظة، وأصبحت لفظة "براكاج" وهي كلمة فرنسية متداولة.
|
و"البراكاج" لفظة تعني قطع الطريق على مستعمله، وسلب ما يملك تحت التهديد والعنف المسلح، وتحدث أغلب هذه الأفعال ضدّ النساء، وتتم في أماكن معزولة أو تحت جنح الظلام وأحيانا في قلب العاصمة.
لكن الأخطر من ذلك كما يروي شهود عيان، ما ينجرّ عن تلك العمليات من عنف، إذ يستعمل هؤلاء الشبان أسلحة ذات فاعلية، مثل الغاز المخدر، وشفرة الحلاقة، والسكاكين والسيوف. وقد لقي كثير من ضحايا عمليات السلب حتفهم، لأنهم حاولوا الاستماتة في الدفاع عن أموالهم.
تقول واحدة من بين عشرات القصص إنه داخل حافلة للنقل العمومي، قتلت في شهر يوليو/تموز الماضي امرأة حامل أمام الركاب، بعد أن طعنها شبان بعدة طعنات بعد رفضها تسليم سلسلتها الذهبية، كما قتل شاب عمره 28 سنة في ضاحية المنار الراقية، بعد تعرضه لعملية سلب لدراجته النارية الفخمة التي جلبها من إيطاليا، وقتل سائق تاكسي في جهة نابل من أجل الحصول على مبلغ بسيط، قالت الصحف إنه لا يتجاوز 10 دنانير، وتتناقل القصص العديدة خبر تشويه وجوه عدد من الفتيات بشفرة حلاقة، إثر كل عملية سلب ونهب يقعن فريسة في شباكها.
تعدد عمليات السلب وتكاثرها من أجل الحصول على مبلغ مالي، أو سلسلة ذهبية، أو هاتف جوال، دفعت الكاتب الساخر محمد قلبي إلى تشبيه عصابات الشباب بقطعان الكلاب، التي تصول وتجول في الشوارع التونسية، فكتب عمودا بجريدة الصباح اليومية جاء فيه: "كلبان يهاجمان امرأة في الشارع المعمور؟ ما الغريب..!! فالكلاب تهاجم وهذا من طبيعة الأمور، بل هذا منذ أن خلق الكون وخلقت الكلاب.. وبدأت تنبح وتكشّر عن الأنياب، أما الغريب فهو أن نوعا جديدا من كلاب الشارع قد صار يصول فيها ويجول، فتراه يهاجم الناس، بل ويقتلهم من أجل محفظة نقود أو هاتف محمول!".
|
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور مهدي مبروك أنه رغم غياب المؤشرات الإحصائية، فإن هناك عدّة مؤشرات أخرى يطمئنّ إليها الباحث، من شأنها أن ترسخ لديه يقينا، مفاده أن الجريمة في تونس هي بصدد الارتفاع إلى حدّ ينذر بالخطر.
ومن بين هذه المؤشرات الدالة كما يقول أستاذ علم الاجتماع "الملاحظات العفوية لسلوكيات الناس في الشارع، وما تكتبه الصحافة يوميا، وما يتداوله الناس في مجالسهم من وقائع بشعة حدثت في محيطهم القريب".
وتنقل الصحف اليومية وقائع لجرائم بشعة، تتراوح بين السلب والقتل وتشويه الوجه، لم تعد تدع مجالا للشك بأن الظاهرة اتسعت وأخذت طابعا مرضيا، فخلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب نشر على جريدة الصباح اليومية العناوين التالية: "قتل خطيبته ووالدتها وجارتها وأحال شقيقتها على الإنعاش، براكاج من أجل علبة سجائر، في العاصمة خلاف بين صديقين ينتهي بطعنة، معركة في حفل زفاف تنتهي بقتيل، خلاف حول قطعة أرض يخلّف قتيلا، رفضت ربط علاقة معه فحاول تحويل وجهتها، رشُّوه بالغاز المشلّ للحركة وسلبوه ماله وجواز سفره، في نابل قتيل و4 موقوفين في أعقاب جلسة خمرية، في جرجيس: محاولة قتل من أجل "النفّة" (دخان)، افتكوها من صديقها وحوّلوا وجهتها إلى جبل واغتصبوها".
كما انتشرت عناوين أخرى في جريدة الشروق وفي نفس الفترة الزمنية: "يؤدب شقيقه بقتله، بنزرت: يسدد لغريمه طعنات قاتلة، حرفاء الفجر يطعنون سائق التاكسي في الكبد، قطعوا عليه الطريق ثم سلبوه وقتلوه، أريانة: لقاء غرامي يتحوّل إلى مواجهة عنيفة، شقيقان قتلا شابا وأصابا آخر من أجل كلب، سيوف لتنفيذ عمليات سرقة ومواجهة أعوان الأمن، يرشون سائق التاكسي بغاز مخدّر ويفتكون أمواله، تنوّم زوجها كل ليلة لتختلي بعشاقها، يحرق نفسه أمام مركز الشرطة، يقتل ثلاث نساء ويصيب الرابعة بست طعنات...".
|
ويؤكد الدكتور مهدي مبروك في حديث لوكالة "قدس برس" بأن الجريمة تشهد منذ عقدين على الأقل تحولات نوعية وكمية، فمن ناحية التطور الكمي فإن ارتفاع الجريمة وتناميها يفيد بالضرورة اتساع رقعتها أفقيا وعموديا، لتضم شرائح اجتماعية وفضاءات ومجالات كانت إلى سنوات قريبة مستثناة، ويضرب الخبير الاجتماعي مثلا بـ "الأطفال والشيوخ، كفئتين عمريتين أصبحتا من ضمن من يقترفون جرائم بشعة، لا تتناسب مطلقا مع أعمارهم، مثل الجرائم الجنسية، وجرائم القتل والمخدرات، كما أن بعض الشرائح الاجتماعية، بالمعنى الطبقي للكلمة، أصبحت تقترف جرائم لم تكن واردة من قبل في سجلّ ممارساتها الإجرامية، فالطبقات الوسطى مثلا أو العليا، كانت جرائمها المألوفة عادة ما ترتبط بالجرائم الاقتصادية (الصك بدون رصيد، التهرب الضريبي، المتاجرة السوداء... الخ)، أما في العشريتين الأخيرتين فإن هذه الشرائح أضافت إلى ممارساتها الإجرامية جرائم أخرى هي من النوع الثقيل تتعلق بالعنف والقتل والاغتصاب".
ويتناول الدكتور مبروك الاتساع العمودي الذي يعتقد "بمقتضاه تتوسع الجريمة على كامل الشرائح العمرية والفئات الاجتماعية"، مضيفا بأن الاتساع الأفقي الذي ينمي هذه الظاهرة، ويدلّ على تفاقمها، فهو امتداده ليشمل الفضاءات الريفية والقروية، التي كانت إلى سنوات قليلة مستثناة نسبيا من هذا النوع من الجريمة، وتكاد تنحصر فيها الجرائم في النزاعات حول ملكية الأراضي وقضايا الرعي والسقي... الخ.
ويتابع الباحث الاجتماعي قائلا: "الآن تسجّل جرائم القتل والاغتصاب وغيرها في هذه الفضاءات، وإذا كانت الجريمة في بعض المجتمعات تكاد تكون ظاهرة حضرية فإنها في تونس ليست بالضرورة كذلك، فجغرافية الجريمة تتغيّر بعمق، ومشهد الجريمة يتّخذ ملامح وحشية، وقسمات مرعبة، وذلك ما يحيلنا إلى التطور النوعي لها".
وبالإضافة إلى جرائم النشل والسلب تحت التهديد، الذي يؤدي في أحيان كثيرة إلى وفاة الضحية متأثرا بجراحه، فقد سجّل هذا صيف 2004 و2005 تنام كبير في جرائم الاغتصاب والخطف، وقد نقلت إحدى الصحف قصّة اختطاف زوجة من أيدي زوجها من قبل ثلاث شبان، تداولوا على اغتصابها أمام أعين زوجها، كما تنقل الصحف يوميا قصص مشابهة تتلخص في افتكاك فتاة من مرافقها، وخطفها بالقوة إلى مكان منزو.
|
واللافت للانتباه كما يرى بعض الباحثين، أن المرأة وإن كانت الضحية الأكثر استهدافا من قبل المنحرفين والباحثين عن المال أو الشهوة، فإنها أصبحت ولأول مرة تحتل مرتبة متقدمة في تنفيذ الجرائم المسجلة، حيث تعتمد بعض العصابات على المرأة كطعم للضحية، كما سجلت حالات بعينها كانت فيها المرأة تمارس دور الصعلوك، وقد روى عبد الرحمن بن حليمة وهو سائق تاكسي كيف تعرض لعملية سلب من قبل ثلاث فتيات، أثناء نقلهن إلى أحد الأحياء الشعبية قائلا "لم أكن أتصور أن تنتهي رحلتي تلك، بافتكاك مبلغ من المال كان موجودا ساعتها بالسيارة، فقد قامت إحداهن بوضع سلك كهربائي على رقبتي وتولت الثانية تفتيشي، والاستيلاء على الأموال فيما كانت الثالثة تقوم بالحراسة".
كما أوقفت مصالح الأمن التونسي، وتحديدا شرطة النجدة بمدينة أريانة بالعاصمة، منذ أيام قليلة، واحدة من أشهر مرتكبات جرائم التحيّل في تاريخ الجريمة في تونس.
ويبلغ سن المتهمة 47 عاما، وكان الأمن التونسي قد فتش عنها طويلا سابقا، إلى أن تم "اصطيادها" الأسبوع الماضي ضمن كمين أعد للقبض عليها بمدينة أريانة بعد أن وصلت المعلومات الدقيقة عن مكان وجودها.
ومن كثرة ما ارتكبته هذه المتحيّلة الخطيرة من جرائم وصلت الأحكام السجنيّة الصادرة ضدها بصورة غيابية في مجمل القضايا التي ارتكبتها، إلى ما لا يقل عن 813 سنة سجنا، محطّمة بذلك كل الأرقام القياسية في تاريخ أحكام قضايا التحيّل في تونس.وقد بلغ عدد مناشير التفتيش التي صدرت ضدها طوال السنوات الماضية إلى زهاء 50 منشورا.
واشتهرت المتحيّلة بقضايا الإيهام بخدمات لا تحصل، وغيرها من جرائم التحيّل حتى أنها قامت بإصدار ما لا يقل عن 50 صكّ بنكيّ دون رصيد.
وتتلخص صورة الكمين الأمني الذي وقعت فيه، في تقدم ضابط أمن نحوها متنكرا في صورة فلاّح قدّم نفسه على أنه جاء لشراء منزل عرضه أحد أقاربها للبيع، وذلك حتى يتسنى له الاقتراب منها كثيرا بهدف منعها من أي محاولة فرار محتملة، ثم تلاحق أعوان الأمن عليها وتمت عملية القبض دون أية مقاومة.
وحول دخول المرأة كمنافس قوي للرجل في عمليات الإجرام، يقول الدكتور مهدي مبروك إنه لاحظ أيضا ازدياد نسب النساء المقترفات لهذا النوع من الجرائم، بعد أن كنّ من ضحاياه، وكأننا بصدد "تأنّث الظاهرة". ويضيف "قد يكون التفكك الأسري وعطالة التنشئة الأسرية عموما وللبنات بشكل خاص بعض مبررات هذا التأنيث المتنامي للجريمة".
ويتحدث عن خطورة التحول في مشهد الجريمة بانتشارها ووحشيتها حتى كادت تصبح مشهدا مألوفا فيقول "كانت هذه الجريمة في ندرتها محكومة بضرب من التخطيط (النية المسبقة والتخطيط) وهو تخطيط يقوم على سببية حدثية تعطي للمجرم "وجاهة" من وجهة نظره في اقتراف ما ارتكب، أما حاليا فإن الجرائم المرتكبة حتى في أشكالها الأكثر عنفا ووحشية عرضيّة وعابرة "تافهة" ليس لها "تاريخ" ولا ذاكرة حتى تبدو أحيانا وكأنها بلا معنى، بلا أحداث ولا أسباب وهذا هو الأخطر، أي تحوّل الجريمة وهي الاستثناء والنادر والشاذ إلى ممارسة يطبّع معها المجتمع، وهي فاقدة لأي معنى سوى شهوة القتل والإيذاء، وكأننا بصدد انتشار نزوة سادية جماعية ترافقها مشاعر التلصص والتمتع بالمشاهدة.
ومن بين جرائم الدقائق والصدفة والعرض العابر: قتل بسبب سيجارة ودون سابق معرفة... طعنة قاتلة من اجل افتكاك هاتف جوال...الخ"
ويواصل الباحث الاجتماعي مهدي مبروك تشريح ظاهرة الجريمة وخطورتها فيقول "أما السمة الثانية لهذا التحوّل النوعي فتتعلق بالفضاء، فالجريمة وخاصة جريمة القتل والاغتصاب فإنها كانت تحدث سرّا، ويندر أن تحدث الجرائم أمام الملأ، أما الآن فإن الجرائم المرتكبة حتى الأكثر بشاعة، تحدث أمام مرأى الناس ومسمعهم، وكأن هناك نزوعا إلى مسرحة الجريمة أي إخراجها في قالب مشهد قابل للفرجة وعرضها على الجمهور، وقد ذكرت الصحافة اليومية أن أحدهم أقدم على ذبح جاره يوم العيد في إحدى الشوارع الرئيسة بإحدى قرى الساحل، وكان الناس يشاهدون المشهد ويتابعونه دون إبداء أي رد فعل".
|
أما عن أسباب تنامي الجريمة وإخراجها في شكل مرعب، فيقول الدكتور مهدي مبروك "حسب اعتقادي يعود تنامى مسرحة الجريمة إلى اللامبالاة الجماعية التي تشل رد الفعل الفردي أو الجماعي، وذلك ما يحوّل المواطنين إلى كائنات سلبية تجد نفسها مجبرة على المشاهدة والفرجة والاكتفاء بذلك وابتلاع ضميرها، حتى لا يفتضح استياؤها، إن ثمّة خيار بين حالتين الاستياء أو التمتع بالمشاهدة".
ويضيف الدكتور مبروك بأن هناك أسبابا مباشرة، لتفشي الجريمة منها أسباب اجتماعية متعددة، موضحا بأنه اختزالها في أسباب نفسية محضة، متعلقة عموما بباتولوجيا (العقد النفسية المتراكمة وما ينجرّ عنها من أمراض) الشخصية الفردية للمجرمين، لن يحيط بالظاهرة إلا جزئيا، إلى جانب التهميش الاقتصادي والاجتماعي، وتنامي ظاهرة البطالة والانقطاع المدرسي وتفكك الأسرة، والتي من شأنها أن تهيئ الأرضية الملائمة لتزايد المرشحين لاقتراف الجرائم.
ويؤكد الدكتور مهدي بأن "الفراغ الثقافي الذي حوّل بلادنا إلى صحراء ثقافية قاحلة، والناجم بدوره عن كبت ثقافي متعمّد وتمييع قيمي استراتيجي مبرمج له، ضمن أطروحات معينة، خلّف خواء قيميا كبيرا". مشيرا إلى أن تونس "تواجه ذبولا قيميا خطيرا على الحياة البشرية والروح والإنسان... كلها بلا قيم ولا معاني إلا بما أصبحت تعنيه حاليا.. قد يكون ذلك إحدى نتائج تجفيف المنابع أوما يسميه البعض (الانجراف القيمي) فبلادنا تعيش "تسونامي" عنيف يدمّر المعاني والقيم بشكل سريع ودراماتيكي. وفي هذا دليل على الفشل الذريع لمنظومتنا التربوية العامة: مدرسة أسرة، إعلام ...الخ.
ويتساءل الدكتور عن مردودية الجهاز الأمني قائلا "إن هناك أبعادا سياسية تحف بتطور وتنوع ظاهرة الجريمة، فقد يكون لخيارات الدولة الأمنية علاقة بما يحدث، فهذه الدولة ومنذ أكثر من عقدين منحت أولوية مطلقة للأمن السياسي وقد نجحت، من منظورها طبعا نجاحا منقطع النظير أتى على الديمقراطية والحريات، وكان هذا النجاح على حساب الأمن الاقتصادي والاجتماعي والذي أدى إلى تنامي ظاهرة التجارة السوداء، المتاجرة بالممنوعات، والعنف والقتل.
|
