دبي - فراج اسماعيل
بعد 18 سنة من جلوسه على كرسي وزارة الثقافة، ومعاركه وأزماته الشديدة مع المثقفين المصريين الذين قال إنه استطاع ادخالهم إلى الحظيرة، رفع الوزير القوي فاروق حسني الراية البيضاء، مقدما استقالته الى الرئيس حسني مبارك، عقب البلاغات التي تقدم بها عدد من المثقفين المشاهير ضده، مثل الكاتبين صنع الله ابراهيم ومحمد البساطي والشاعر أحمد فؤاد نجم، بعد حريق قصر ثقافة بني سويف ليلة 6/9/2005 الذي أودى بحياة ثلاثة وثلاثين شخصا بينهم مسرحيون معرفون وصحفيان كبيران.
ووصلت الحملة على الوزير إلى أقصى درجاتها بالانتقادات الشديدة التي وجهها ضده الشاعر المصري الكبير أحمد عبد المعطي حجازي في مقال نشره بالاهرام الاربعاء 14/9/2002 في مقال بعنوان "ليست قضاء وقدرا" قال فيه"لم يحدث من قبل أن تشابه القتل الخطأ والقتل العمد كما تشابها في الحريق الذي شب بمسرح بني سويف". واتهم حجازي وزير الثقافة بانه مسؤول عما اسماه "تهافت الثقافة المصرية وتراجعها كما وكيفا".
ونقلت وكالة فرانس برس عن مصدر مقرب لحسني قوله إنه "قدم استقالة مكتوبة صباح الأربعاء للرئيس المصري" رافضا كشف مزيد من التفاصيل. ونسبت الوكالة نفسها لمصدر رسمي في رئاسة الوزراء المصرية "ليس لدينا علم بالاستقالة وهو ما يعني انه لم يتم البت فيها".
وكان الوزير قد تعرض لحملة انتقادات عنيفة من قبل العديد من المثقفين المصريين الذين اتهموه باهمال أدى الى الحريق الذي شب في مسرح قصر ثقافة بني سويف (100 كم جنوب القاهرة). واثار الحادث حزنا عميقا في اوساط المثقفين المصريين كما اثار موجة انتقادات عنيفة لفاروق حسني في الصحف المصرية وطالبه بعضهم بتقديم استقالته.
قال الشاعر المصري الكبير أحمد عبد العطي حجازي لـ"العربية.نت": استقالة فاروق حسني لا تعني سوى انتهاء مرحلته هو، لكن لم تنته مرحلة سيطرة الدولة على النشاط الثقافي، لأن هذه السيطرة تسبق فاروق حسني ولا زالت موجودة حتى الآن.
وأضاف: أنا ظني أنه بعد هذه التجربة الطويلة، منذ انشاء وزارة الثقافة عام 1958 الى اليوم، اصبحت لدينا خبرات ونتائج لسياسة سيطرة الدولة على النشاط الثقافي تسمح لنا باعادة النظر في هذه المسألة.
وعلينا أن نطرح السؤال من جديد: أولا ما الذي أدت إليه سيطرة الدولة على الثقافة، هل أدت لنمو وتقدم وازدهار الثقافة المصرية من حيث انها انتاج ثقافي؟..
ثانيا: هل أدت إلى اشاعة الثقافة المصرية في مصر وتمكين المواطن المصري العادي الذي كان محروما من الاستفادة والتمتع بالثقافة، وهل أصبح يتلقى غذاءه الثقافي بسهولة، وهل هذا الغذاء له قيمة رفعت وعيه وساعدت في تقدم المجتمع المصري ككل؟
ثالثا: هل استطاعت الثقافة المصرية في هذه السنوات التي سيطرت فيها الدولة عليها، أن تواجه الأخطار ذات الطابع الثقافي التي تعرضت لها مصر وفي مقدمتها العنف والارهاب والتعصب والتطرف والردة الرجعية، و ما نراه الآن من زيادة التفكير الخرافي الخ؟
ويقول حجازي: في رأيي أن الاجابة على هذه الأسئلة المختلفة، هي إجابة سلبية. فالثقافة المصرية لم تزدهر، ولم تصل الى المواطن المصري العادي، ولم تستطع أن تقف في وجه التطرف والممارسات والأفكار الرجعية، وبالتالي علينا أن نعيد النظر في سيطرة الدولة على الثقافة المصرية.
|
 |
87 ضابط جيش متقاعدا يديرون الاوبرا وعندما سألته: هل ذلك يكون بالغاء وزارة الثقافة، أجاب حجازي بالنفي قائلا: أنا لا أطالب بالغاء هذه الوزارة، ولكني أطالب بأن يقتصر عملها على هدفين اثنين، الأول هو احتضان ورعاية النشاط الثقافي الرفيع الذي يحتاج الى نفقات لا يستطيع القطاع الخاص الآن أو الأفراد أن يقوموا بها.. فالاوبرا المصرية مثلا لا يمكن أن تتخلى عنها الدولة، ولكن لابد من اصلاح العمل في دار الاوبرا المصرية، لأن فيها كما سمعت 47 ضابطا من ضباط الجيش معينين بعد أن تركوا عملهم في الجيش، فأرادوا أن يجدوا لهم عملا آخر فذهبوا بهم إلى دار الاوبرا، كأنها هي المسئولة عن أن توفر أماكن لهؤلاء الضباط المسرحين من الخدمة.
واستطرد الشاعر المصري حجازي: هؤلاء لابد طبعا أن يكونوا عالة على دار الاوبرا، أو معظمهم على الأقل، لأنني لا استطيع أن اتصور أن مؤسسة وظيفتها تقديم الموسيقي الكلاسيك والاوبرات والباليهات يديرها ضباط.عندنا أكاديمية الفنون تخرج لنا مختصين في الباليه والاوبرا وفي الموسيقى.. الخ. وهؤلاء أولى بهذه المناصب، فضلا عن المثقفين الآخرين الذين من الممكن أيضا أن يديروا عملا ثقافيا فيكونوا أقرب إلى فهم متطلباته.
وضرب أحمد عبد المعطي حجازي مثلا بالمسرح القومي، فالمطلوب منه أن يقدم لنا عروضا من المسرح العالمي، والمسرح الكلاسيكي الاوربي بالاضافة الى المسرح الحديث الاوروبي، والمسرح العربي الحديث مثل أعمال توفيق الحكيم وعزيز اباظة وشوقي والاعمال الرفيعة لالفريد فرج ويوسف ادريس وسعدالله ونوس وغيرهم.. هذه الاعمال لا يستطيع الآن المسرح الخاص (التجاري) أن يقدمها، فعلى الدولة أن تقدم هذه الأعمال وأن تشجع على انتاج مثلها.
|
 |
مؤسسات ثقافية لابد أن ترعاها الدولة واستطرد في حديثه لـ"العربية.نت": هناك اذن مؤسسات ثقافية لابد أن ترعاها الدولة وهي بالضبط تلك التي كانت موجودة في مصر قبل انشاء وزارة الثقافة، فقد كانت هناك دار الكتب والمسرح القومي.
شئ آخر لابد أن تقوم به الدولة وهو قصور الثقافة والتي تسمى الآن هيئة قصور الثقافة أو الثقافة الجماهيرية.. هذه الهيئة أيضا على الدولة أن تحتفظ بها وتظل احدى مؤسسات وزارة الثقافة لأن عملها هو كسر احتكار القاهرة للنشاط الثقافي وتوفير المتعة والزاد الثقافي للجمهور العادي خارج القاهرة بالاضافة الى داخلها، لأنه حتى في ذلك الداخل ليس كل القاهريين قادرين على التمتع بالثقافة مثل الأحياء الشعبية.
ويطالب حجازي باصلاح هذه المؤسسات، فموضوع أن الدولة هي المكلفة بكل شئ، يعني حاليا أن مؤسسة المسرح تضم عددا كبيرا من المسارح لا داعي لها ولا ضرورة، فيكفي أن تقوم الدولة برعاية المسرح القومي وأن تشجع الفرق الأهلية، فكل فرقة تثبت في عروضها بأنها تتوخى القيمة الفنية الرفيعة وتحتاج الى دعم من الدولة، عليها أن تقدم لها هذا الدعم. ولكن أن تصبح فرقة موظفين تدفع الدولة مرتباتهم سواء عملوا أم لم يعملوا، نجحوا أم لم ينجحوا. فهذا ينبغي أن ينتهي.
|
 |
جوائز الدولة فقدت قيمتها بسبب الواسطة ويمضي الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي في حديثه لـ"العربية.نت" بقوله إن المجلس الأعلى للثقافة اقتصر عمله تقريبا خلال السنوات الماضية على أن يصوت لجوائز الدولة فقط، وكان ذلك من الأشياء التي انتقدناها وأنا شخصيا كتبت فيها عدة مقالات. فقد انتقدت فورا منح جوائز الدولة للوزراء وهم في مناصبهم، وهذا طبعا كان يتم عن طريق الوزير وعن طريق الأعضاء المعينين بحكم مناصبهم في المجلس.. وهؤلاء يمكن السيطرة عليهم وتوجيه اصواتهم، فكانت النتيجة أن قيمة جوائز الدولة تضاءلت لأنها اعطيت أحيانا لمن لا يستحقون بهذه الواسطة.
اذن المجلس الأعلى للثقافة لا يجب أبدا أن يقتصر عمله على التصويت للجوائز وانما عمله الحقيقي التفكير للثقافة المصرية ومعالجة مشاكلها واقتراح حلول ومشروعات مستقبلية، ومعالجة أوضاع سلبية، وهي ليست أوضاعا ادارية فقط يمكن للوزير أن يحلها.
وقال: عندما نواجه أحيانا مشكلة عدم قدرة الجمهور على تلقي الشعر، فهذه ليست مشكلة ادارية، ولابد من البحث عن مستقبل للشعر يستطيع فيه هذا الفن أن يزدهر ويتقدم ويطور لغته ويتابع ما يحدث في العالم، وأن يبدع ويضيف دون أن يفقد صلته بالجمهور، وعلينا نحن أيضا أن نساعد الجمهور على أن يتلقى الشعر.
وتساءل: كيف يمكن هذا.. عن طريق النشر أم عن طريق المسرح أو الغناء حيث يسمح ذلك باضافة عنصر الموسيقى .. هل عن طريق احياء الندوة الشعرية، لأن نشر الشعر عندما يقتصر على الصحيفة أو المجلة أو الكتاب يفقده عنصرا مهما جدا من عناصره وهو العنصر الصوتي، فالقارئ عندما يكتفي بالقراءة، لا يتذوق الايقاع.
ومضى يقول: إن الوزارة لابد أن تتخلى عما لا داع لأن تشغل الدولة نفسها به، وتقتصر فقط على ما لا يستطيع الأفراد أو المؤسسات الخاصة أن تنهض به من صور النشاط الثقافي. ولكن على الدولة بعد ذلك أن تشجع انشاء الصحف والمجلات الأدبية ودور النشر والمسارح الخاصة والانتاج السينمائي ولا تترك السينما المصرية في أيدي هؤلاء الذين ينتجون لنا أمثال "بوحة" وغيره من الأفلام التافهة التي تسئ الى السينما المصرية.
|
 |
بلاغان جديدان ضد وزير الثقافة ويقول مهدي مصطفى رئيس القسم الثقافي بمجلة الأهرام العربي: انه تم الأربعاء 14/9/2005 تقديم بلاغين جديدين للنائب العام ضد فاروق حسني بالاضافة الى البلاغات التي قدمت من بعض المثقفين عقب حريق مسرح قصر ثقافة بني سويف، كما نظمت مظاهرة أمام مبنى نقابة الصحفيين.
وأضاف أن حسني تسلم الوزارة في 16/10/1987 في أول حكومة شكلها الراحل د.عاطف صدقي، وترافق ذلك مع رفض من الوسط الثقافي، تمثل أبرزه في الكاتبين الراحلين عبدالرحمن الشرقاوي وثروت أباظة، فقد اعتبراه في ذلك الوقت شابا غير معروف للوسط الثقافي بالدرجة التي تؤهله لقيادة هذا القطاع المهم، ولكن هذا الأمر تم تجاوزه بجلسة بين الوزير والكاتبين في منزل الشرقاوي.
وتناول مهدي الطريقة التي مهدت الطريق لحسني الى كرسي وزارة الثقافة بدءا من علاقاته بمجموعة باريس التي تمثلت في هؤلاء الذين كانوا يترددون على باريس مثل عاطف صدقي نفسه، وفتحي سرور رئيس مجلس الشعب، وعلاقته بمجموعة من مشاهير المثقفين كشادي عبدالسلام ولطفي الخولي والمخرج يوسف شاهين ولويس عوض.
وأشار إلى أنه عندما سئل عاطف صدقي في حوار صحفي عن سر اختياره له، أجاب: وضعت قائمة من 5 أسماء أمام الرئيس مبارك أولهم أحمد هيكل وزير الثقافة السابق و4 من أساتذة الجامعة، وآخرهم كان فاروق حسني، لكن اختيار الرئيس مبارك وقع عليه.
ويقول مهدي إن أبرز معارك فاروق حسني كانت تلك المتعلقة بالأثار وخاصة مع الكاتبة د.نعمات أحمد فؤاد، ومع رؤساء هيئات الاثار مثل الدكتور أحمد قدري وعبدالحليم نور الدين، وفي تلك الفترة كانت هناك خلافات هائلة مع الوزير على طرق ترميم الأثار حيث رأى حسني وقتها أن الترميم الذي يقوم به أحمد قدري هو ترميم متخلف ولا قيمة له.
ويوضح أن "فاروق حسني قوبل دوما بانتقادات حادة من المثقفين بشأن تعامله مع الكثير من الملفات، فاتهم مثلا بأنه وراء تدني مستوى الكتاب، وأنه يغرق السوق بكتب لؤلفين مغمورين لمجرد سد الفراغ، وعمل دائما على ترسيخ شعاره الذي استفز المثقفين وهو انه قام بادخالهم الى الحظيرة، التي تمثلت في ادخال بعضهم من شتى الاتجاهات في هيئات غير من اسمائها لتستوعب كثيرين منهم في مرحلة ما يسمى مواجهة التيارات الظلامية".
ويلخص مهدي مصطفى ممسيرة فاروق حسني في الوزارة بأنه "لم يكن وزيرا للثقافة بقدر ما كان وزيرا سياسيا من طراز رفيع". ويضرب مثالا لذلك أسلوب معالجته لأزمة نشر رواية "وليمة لاعشاب البحر" للكاتب حيدر حيدر التي أثارت الاسلاميين والمحافظين في مصر، وعلى رأسهم حزب العمل الذي كان يسبب صداعا دائما للحكومة.
ويقول مصطفى: معالجة حسني لهذه الأزمة أدت الى تجميد الحزب، وهو امر فشل فيه د.يوسف العادلي نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة السابق برغم الحملات الشرسة لصحيفة الحزب (الشعب) ضده على مدى شهور طويلة، والتي دخل بسببها رئيس تحريرها مجدي حسين الى السجن.
وبعدها عالج بأسلوب سياسي مناقض ازمة نشر الروايات الثلاث التي تشابهت مع ما كتبه حيدر حيدر في روايته، لكن فاروق حسني اتخذ موقفا مخالفا فقام بفصل الموظفين المسئولين عن عملية النشر، وتبنى هذه المرة خطابا يتكلم عن الأخلاق والدين وهو ما كان له أثر ايجابي عند الاسلاميين والمحافظين هذه المرة.
ويستطرد بأن الوزير كان دائما ما يخرج بقوة من هذه الأزمات حتى وصف بالوزير القوي.
|
