سوريا تشيع غازي كنعان وتغلق ملف التحقيق في انتحاره
موته أثار جدلا بين المراقبين والحقيقة الغائب الأكبر
اتهم وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الخميس 13-10-2005 بعض وسائل الاعلام وما تسرب من لجنة التحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري بالمساهمة في قتل وزير الداخلية السوري غازي كنعان.
إلى ذلك اعلن المحامي العام الاول في سوريا محمد مروان اللوجي أن كنعان المسؤولِ السابق عن الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان انتحر الاربعاء بوضع فوهة مسدسه في فمه واطلاق النار منه.
وقال المحامي العام إن التحقيق الرسمي في ظروف وفاة كنعان انتهى.
ويأتي انتحار كنعان قبل ايام من تقديم ديتليف ميليس تقريرِه الى مجلس الامن بشأن التحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.
إلى ذلك غادر موكب تشييع وزير الداخلية السوري اللواء غازي كنعان الذي انتحر امس غادر دمشق في اتجاه بلدة كنعان بحمرة حيث سيوارى في الثرى هناك. ولم يلف نعش كنعان بالعلم السوري كونه انتحر في مكتبه في وزارة الداخلية بدمشق.
وانطلق الموكب الذي رافقته عشرات السيارات الرسمية بينها سيارة رئيس الوزراء السوري محمد ناجي العطري من مستشفى الشامي على جبل قاسيون المطل على دمشق حيث كان الجثمان موضوعا.
وتعاملت وسائل الإعلام العربية والأجنبية مع الحدث باعتباره الخبر الأكثر أهمية، منافسا أخبار العراق وزلزال باكستان، وغيرهما من الأخبار، وذلك بالنظر لأهمية الرجل ومنصبه، ولأهمية المعلومات المفترض أن يكون مطلعا عليها بشأن الدور السوري المحتمل في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وبالنظر ثالثا لأهمية موته في هذا المنعطف الهام، الذي تعرفه سورية.
وقد عبر السوريون عن مخاوفهم ان يؤدي انتحار وزير الداخلية غازي كنعان الى اثارة حالة من الريبة والمزيد من الضغوط الدولة المعادية لسوريا بشأن دورها في لبنان.
وقال البعض ان انتحاره بعد ثلاثة اسابيع من استجوابه على يد فريق تحقيق تابع للامم المتحدة بشأن مقتل رئيس الوزراء اللبناني اللبناني رفيق الحريري نجم جزئيا عن حملة في وسائل الاعلام اللبنانية بعد عملية الاغتيال التي وقعت في فبراير شباط.
وقال محمود شلف وهو رجل اعمال في دمشق "لا يمكننا حقيقة ان نتحمل المزيد من الصدمات وسيؤدي ذلك فحسب الى تغذية المزيد من التكهنات حول الدور السوري في لبنان".
دافع عن سجله ثم قرر الانتحار
من جهة أخرى، يذهب قطاع من المحللين إلى أن الرجل قد اختار أن ينهي حياته بنفسه، بعد أن تزايدت الضغوط عليه، وتولي بعض وسائل الإعلام إخراج "المستور" عن دوره في الفساد الشنيع في لبنان، في فترة توليه المسؤولية الأبرز هناك، لمدة عشرين عاماً، كان فيها الحاكم الحقيقي للبلاد، وتنامي الخشية لديه من أن يكون كبش فداء، لتوافق ما قد يحصل بين الحكومة السورية وقوى دولية نافذة، فينتهي سجينا داخل سورية أو حتى خارجها.
ويذهب هذا الفريق إلى أن اللواء كنعان قد اختار أن ينهي حياته بنفسه، بعد أن دافع عن سجله بقوة، وذلك في اتصال هاتفي مع إذاعة "صوت لبنان"، مؤكدا براءته من الاتهامات، التي وجهها له تقرير نشرته قناة "نيو تيفي" اللبنانية، اتهمه بالفساد، وبتلقي ملايين الدولارات، حين كان يعمل في لبنان، وبأنه كان مصدرا رئيسا للفساد وشراء الذمم، وأن بيده نسخا من آلاف الشيكات كان يوزعها على مسؤولين لبنانيين لشراء ذممهم.
ويرى هؤلاء المحللون أن حرص الوزير على تبرءة نفسه من التهم الموجهة إليه، وطلبه من المذيعة أن توزع تصريحه على شخصيات لبنانية وعلى وسائل الإعلام، وتأكيده في آخر التصريح على أن هذا هو التصريح الأخير له، يكشف عن أن الرجل كان قد عزم عزما ثابتا على إنهاء حياته، وأنه حرص على أن يموت بشرف، بعد أن يكون قد رد التهم الموجهة له، مشددا على أن تصريحه هذا هو الأخير، الأمر الذي يحمل دلالة واضحة على قراره بالانتحار.
وقال عبد اللطيف شمال وهو حلاق "اخشى ان يستغل اعداء سوريا ذلك للبرهنة على انها محاولة للتغطية على امر وليس عمل يائس من رجل عسكري لم يستطع ان يبتلع الاهانة والخيانة".
وقال سمير تقي وهو محلل سياسي مستقل لرويترز "الموقف اللبناني كان مرتبطا باسمه شخصيا..وهذا جعله يأخذ الاحداث التي وقعت منذ مقتل الحريري على محمل شخصي تقريبا".
واضاف "لا شك ان الانسحاب من لبنان واغتيال الحريري وايضا تحقيق الامم المتحدة زادت الضغوط عليه واثقلت كثيرا على حالته الذهنية".
وشعر اخرون ان كنعان وصل الى مرحلة اليأس بسبب حملة اعلامية من قبل خصومه اللبنانيين الذين اتهموه قبل اعلان نتائج تقرير الامم المتحدة.
وقال عماد الشعيبي وهو محلل سياسي له صلاته بحزب البعث الحاكم وشاهد كنعان قبل اسبوع من موته "يمكنك ان تلاحظ انه كان يواجه ضغوطا عقلية هائلة بسبب الاحساس بنكران الجميل من قبل اللبنانيين تجاه ارثه في لبنان".
واضاف "اذا ما تأكد انه انتحر فسيكون ذلك نتيجة لحملة الكراهية التي كان اللبنانيون يشنوها ضده".
قُتل ولم ينتحر
غير أن فريقا آخر من المحللين يذهبون إلى النقيض من ذلك. إذ يرى هذا الفريق أن اللواء كنعان قد نحر ولم ينتحر. ويستدل هذا الفريق على ذلك بأن التصريح، الذي أدلى به وزير الداخلية السوري قد سبق عملية "الانتحار" بساعة ونصف الساعة فقط، وأن صوت الرجل حين كان يدافع عن سجله لم يكن صوت شخص مستعد للانتحار بعد زمن وجيز، إذ بدا أن دفاعه عن نفسه ونبرته في ذلك إنما هي نبرة شخص متمسك بالحياة، حريصا على الدفاع عن نفسه، لحمايتها من التشويه ومن الأخطار، لا دفاع شخص مستعد لقتل تلك النفس بعد ساعة ونصف ساعة.
ويذهب هؤلاء إلى أن اللواء كنعان، الذي يعرف بقوة شخصيته، حتى إنه يصنف ضمن الصقور في النظام الحاكم في سورية، فضلا عن تأكيد تقارير حقوقية سورية ودولية لمسؤولية الرجل عن أعمال قتل وتعذيب قام بها بنفسه، في مراحل مختلفة من تاريخ سورية، تعني أن الرجل ليس من الهشاشة، بحيث يقدم على قرار الانتحار لمجرد أن تناولت وسيلة إعلام سيرته في تقرير لها، مهما كانت قسوة هذا التقرير.
ويؤكد هذا الفريق أن السجل الأمني الطويل للرجل، إذ هو خريج الكلية الحربية في سورية، وقد تقلد رئاسة فرع مخابرات المنطقة الوسطى، ثم رئاسة جهاز المخابرات في حمص، في فترة الأحداث الدامية التي عرفتها سورية في الثمانينات من القرن الماضي، وتورطه في قتل العديد من السوريين، بعضهم بيديه شخصيا، ثم عين رئيسا لجهاز الأمن والاستطلاع في لبنان إلى حدود عام 2001، حيث كان الحاكم الفعلي للبنان، ثم مديرا للأمن السياسي في سورية إلى حدود عام 2004، فوزيرا للداخلية.. وهذا يعني أن الرجل متمرس بمواجهة الصعاب والمشكلات، وأنه ليس من اليسير أن تتأثر شخصيته بأي ضغوط ظرفية، مهما كانت، يمكن أن تدفعه لإنهاء حياته.
ويذهب فريق من المحللين والمراقبين الذين يدافعون عن فكرة "نحر" الوزير، بدلا من انتحاره، إلى أن مدى اطلاع اللواء كنعان عن معلومات خاصة، قد تكون لها صلة باغتيال الحريري، هي التي جعلت جهات متشددة في النظام السوري تقرر التخلص منه، لقطع الحبل على المحققين الدوليين، الذين قد يحصلون على معلومات مهمة من اللواء كنعان، الذي قد يكون الخيط، الذي يمكن أن يدان منه النظام السوري بأسره في حريمة اغتيال الحريري، التي صارت قضية دولية.
ويذكر أنه سبق لوكالة "قدس برس" أن نشرت يوم 14 أيلول (سبتمبر) الماضي خبرا مفاده أن الوزير كنعان "يقوم باتصالات عبر أحد الدبلوماسيين الغربيين، للإفصاح عن معلومات، قد تكشف تفاصيل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، مقابل توفير حماية له".
ونقلت الوكالة عن مصدر "فضل عدم ذكر اسمه، بأن وزير الداخلية الحالي اللواء غازي كنعان، يسعى حاليا لدى أحد الدبلوماسيين الغربيين، تحفظ على ذكر اسمه، لإيصال رسالة إلى رئيس فريق التحقيق الدولي ديتليف ميليس". وذكر المصدر أن الوزير "مستعد للتعاون وكشف تفاصيل الاغتيال، وسلسة الأوامر، التي مر عبرها التنفيذ، مقابل وضعه ضمن برنامج حماية الشهود".
سورية في عين العاصفة
وأيا يكن الأمر، سواء انتحر الوزير كنعان أو نُحر، فإن موته يعني أن سورية قد باتت اليوم في عين العاصفة. ويبدو أن بواكير خسائر هذه العاصفة من الوزن الثقيل، فموت وزير داخلية في دولة عربية، نُحر أم انتحر، يعني أن ثلمة كبيرة قد حصلت في هيكل النظام الحاكم. فوزير الداخلية عمود رئيس، بل العمود الرئيس من أعمدة النظام العربي، ووزارته هي أم الوزارات.
كما يعني موت الوزير كنعان، بأي صيغة حصل، أن الضغوط الدولية بدأت "تقطف رؤوس شخصيات رئيسية في النظام السوري"، وأن موت الوزير، بعد تجميد أرصدته، ورفع السرية عن حساباته في لبنان، من شأنه أن يدخل ارتباكا جديدا على الوضع السوري المرتبك أصلا، على خلفية تداعيات اغتيال رفيق الحريري، وذلك في ظل التوتر المتنامي بين سورية ولبنان، وتزايد الضغوط الدولية عامة، والأمريكية خاصة على الحكم في دمشق.
ومن المفارقات أن كنعان، الذي عمل لفترة طويلة من الزمن في لبنان، سطع فيها نجمه، وكان فيها الحاكم الحقيقي للبلاد، ينتحر بسبب تقرير نشرته قناة تلفزيونية لبنانية.
ومن المفارقات أيضا أنه اختار قبل موته أن يكذب "المزاعم" الواردة في ذلك التقرير من خلال وسيلة إعلام لبنانية أخرى، هي إذاعة "صوت لبنان".. وهكذا يكون كنعان قد ارتبط بلبنان إلى حد التماهي، حيا وميتا.