دبي- العربية.نت
لم يكن خروج غازي كنعان من قريته عندما كان شابا مندفعا كما عودته إليها اليوم.. كان رحيل كنعان من قريته الصغيرة في خمسينيات القرن الماضي متجها إلى حمص للإنضمام إلى الجيش في حقبة سورية ميزتها الإنقلابات العسكرية، ولكنه عاد اليوم إليها بنعش لم يلفه العلم السوري لكونه قضى "انتحارا"، وفي فترة ميزتها الإنقلابات الإقليمية وتخوفات من إنقلابات محلية.
وبحسب شهود عيان لـ"العربية.نت"، فقد استقبل أهالي قرية (بحمرا) نعش غازي كنعان "بالدموع لطالما أنه كان الشخص الذي حاول أن يساعد أبناء منطقته حيث ساعد في تأمين العديد من فرص العمل والوظائف لأبناء منطقته إن في سوريا أو لبنان، وإن كانت هناك شريحة أخرى لم تستفد من خدماته".
إبان تلك الحقبة، غادر غازي كنعان قريته التابعة لمحافظة اللاذقية، متوجها إلى حمص للإنضمام إلى الكلية الحربية في خمسينات القرن الماضي، ولم يك عارفا أنه سيصبح يوما ما الحاكم السوري في لبنان ومن ثم أحدى الشخصيات البارزة التي شاركت باتخاذ القرار السياسي في سوريا في السنوات الأخيرة.
وفي خضم ذلك تحوم في أجواء دمشق تساؤلات : هل العاصفة التي أودت برجل من رجالات القرار السوري كان "عاصفة ميليس" أم "عاصفة الصراع على السلطة"، ومن سيشغل كرسي كنعان على طاولة القادة الذين يتخذون القرار في سوريا؟ ووسط هذه التساؤلات يرى بعض المراقبين إن انتظار معرفة هوية الشخص الذي سيشغل مكان كنعان في دائرة القرار السوري ربما يزيل الكثير من اللبس والغموض المتراكم فوق قصة "انتحاره" المفاجئة.
|
بعد تخليه عن مكتبه الشهير في "عنجر" في لبنان بقرار سياسي سوري، عاد غازي كنعان إلى سوريا -لا ليكون مهمشا وإنما ليستمر في لعب دوره القيادي- خاصة وأن الكثير من السوريين آنذاك قالوا أنه "خليفة" علي دوبا في سوريا ، ودوبا لمن لا يعرفه كان يشغل رئاسة شعبة الاستخبارات العسكرية السورية سابقا.
عودة كنعان إلى دمشق كانت "هاجسا مخيفا" إلى العديد من المسؤولين السوريين، لقوته المعروفة في لبنان، ولقربه من القيادة السياسية ولاسيما صانعي القرار. ولعل أخطر قلق سببه كنعان لهؤلاء المسؤولين هو مطالبته بتوحيد الأجهزة الأمنية كافة تحت راية وزارة الداخلية، وإن لم يتمكن من ذلك فقد نجح في إعادة شعبة الأمن السياسي إلى أحضان إلى وزارة الداخلية وذلك عبر تنشطيها وإعطائها مهمات جديدة بقرارات صادرة عنه:
- تفيد معلومات من مصادر سورية أن اللواء غازي كنعان هو الذي وجه إحدى الصحف السورية الرسمية لزيارة عضو البرلمان المعتقل مأمون الحمصي في سجن (عدرة) وذلك لكتابة بعض السطور حول صحته وأنه بخير نفيا للتقارير التي تحدثت عن تدهور وضعه الصحي، كما أثير أنه لعب دورا رئيسيا في تأخير الإفراج على الحمصي ورفيقه رياض سيف.
- اعتقال المحامي محمد رعدون رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في سوريا أيضا من قبل جهاز الأمن السياسي.
- وأخيرا ، ما قاله قائد شرطة دمشق للمحامي خليل معتوق الذي صرح لـ"العربية.نت" في وقت سابق أن قائد الشرطة أخبره أن وزير الداخلية ، أي غازي كنعان، يريد الناشط أنور البني وعليه ان يسلم نفسه.
|
وفي إطار مساعيه لتوحيد الأجهزة الأمنية تحت قيادة وزارته، قام كنعان بإحضار اللواء محمد منصورة من رئاسة فرع فلسطين للمخابرات العسكرية ليكون رئيسا لشعبة الأمن السياسي التابعة لوزارة الداخلية.
واللواء محمد منصورة كان رئيسا لفرع المخابرات العسكرية في منطقة الجزيرة السورية ( ومركزه في مدينة القامشلي ) لحوالي ربع قرن، وكان يعرف هناك باسم "أبو جاسم" رغم أنه لم يك متزوجا.
ويرى مراقبون في دمشق أن اختفاء غازي كنعان من المشهد السياسي السوري ترك كرسيا فارغة على طاولة القادة الذين يصنعون القرار السوري، وبالتالي يرجح اولئك المراقبون أن يكون اللواء محمد منصورة هو المرشح للعب الأدوار التي كان يقوم بها غازي كنعان، باعتباره من أقرب الأشخاص للوزير الراحل، ولكونه كان طوال العقود الماضية من المقربين إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ومن ثم الرئيس بشار الأسد.
ويوضح تقرير سابق للمجلس الوطني للحقيقة والعدالة والمصالحة في سوريا حول شخصية محمد منصورة أن خدمته الطويلة كرئيس لفرع مخابرات الجزيرة العسكري وخطورة الملفات التي أنيطت به المسؤولية عنها سمحت له أن يكون "الحاكم المطلق" لمنطقة الجزيرة السورية التي تعتبر عماد الاقتصاد السوري ( نفطا وزراعة ) ، وأن يكون على تماس مع ثلاثة ملفات طالما أرّقت النظام السوري خلال العقود الماضية ، وكانت على رأس جدول اهتماماته الأمنية والسياسية ، لا سيما من حيث صلتها بقضايا داخلية وانعكاسها ـ بالتالي ـ عليها . وتلك الملفات هي : ملف القضية الكردية بأبعادها وامتداداتها الجغرافية الثلاثة ( السورية والعراقية والتركية ) ، ولا سيما لجهة ما يتصل بحزب العمال الكردستاني ، وملف " العراق والمعارضة العراقية " ، قبل سقوط نظام حسين، وملف " استكمال عملية تعريب منطقة الجزيرة ".
ومما لا شك فيه أنه أصبح مرجعية لا ترد كلمتها من قبل "مكتب الأمن القومي" والقيادة السياسية في هذه الملفات ، بمقدار ما كان غازي كنعان مرجعية في مجال " الملف اللبناني" و المنظمات الإرهابية التي كانت تمارس إرهابها انطلاقا من بلد الأرز .. "حسب تقرير المجلس الوطني للحقيقة والعدالة.
وترجح مصادر أخرى في العاصمة السورية أن يبرز في المرحلة السياسية القادمة في سوريا الصف الثاني من القادة الأمنيين، وذلك بعد رحيل معظم قادة الصف الأول إما عبر القانون الجديد الذي يمنع التمديد العسكري للقادة الذين يتقدمون في السن، أو من خلال الظروف الدولية التي أجبرت بعض القادة على الرحيل مثل غازي كنعان.
ومن بين أسماء الصف الثاني المرشحة لدور ما على صعيد الأمن الداخلي السوري، وإن لم تكن بقوة كنعان، نواف الفارس وهو محافظ القنيطرة (جنوب سوريا) حاليا . وكان الفارس لعب دورا عسكريا مهما في سوريا بالسابق عندما كان رئيساً لفرع الأمن السياسي في اللاذقية أيام اشتعال قضية إغلاق ميناء رفعت الأسد وكان قائد عملية الهجوم على الميناء.
|
ويلاحظ أن عملية إزاحة الأسماء القديمة التقليدية في هرم السلطة السورية استمر بوتيرة عالية في الأشهر الأخيرة. وقبل رحيل غازي كنعان المفاجئ بعد الإنتحار، كان رحيل اللواء بهجت سليمان ولكن عبر قرار سياسي، حيث عين الرئيس السوري اللواء فؤاد ناصيف خير بك رئيسا للفرع الداخلي في ادارة المخابرات العامة بدل اللواء سليمان، كما تم تثبيت اللواء اصف شوكت رئيسا لشعبة المخابرات العسكرية بعد ان عين رئيسا بالتكليف في 14 فبراير/ فبراير الماضي ، وتم تعيين اللواء حسن مخلوف الذي كان يشغل رئاسة فرع فلسطين في شعبة المخابرات العسكرية نائبا لمدير المخابرات العامة بدل اللواء علي مملوك الذي عين مديرا لادارة الاستخبارات العامة.
أحد المحللين السوريين في دمشق، وقد رفض الكشف عن اسمه، ذهب في اتجاه آخر عندما رأى " غياب غازي كنعان عن دائرة الحكم في سوريا قد لا يكون لها علاقة بقضية اغتيال رفيق الحريري بل بقضية الصراع على السلطة في سوريا في فترة توتر إقليمي وداخلي تنجم عنها نزعات لدى بعض الشخصيات المؤثرة للقفز إلى كرسي الحكم واستغلال الفرصة".
يذكر أن "انتحار" اللواء المتقاعد غازي كنعان هو الثالث من نوعه في سوريا. فقد انتحر عبد الكريم الجندي في الأول من مارس/آذار 1969 وهو الذي أدار مكتب الأمن القومي حتى يوم وفاته ، وكان الجندي مواليا للواء صلاح جديد. وعقب انقلاب عام 1970 (الحركة التصحيحية) وزج صلاح جديد بالسجن ووصول حافظ الأسد إلى السلطة، أقدم الجندي على الإنتحار.
وفي الشهر الخامس من العام 2000 أقدم رئيس الوزراء السوري الأسبق محمود الزعبي على "الإنتحار" في مقر إقامته في دمر، إحدى ضواحي دمشق، و كان يخضع للإقامة الجبرية بعد إحالته على القضاء . ولم يشارك في جنازة الزعبي لا رئيس الدولة ولا أي من وزراء الحكومة.
|
